الطفل الذي تصعُب هزيمته – محمد الحكيمي

الطفل الذي تصعُب هزيمته – محمد الحكيمي

يحاول «عبدالعزيز عبدالله» أن يكون رجلاً بالفعل، غير أنه قد أصبح ما أراد دون أن يعلم بذلك.
عبدالعزيز هو طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر، لم يُعد يحب أكل الآيسكريم أو اللعب بدراجة هوائية، لأنه منشغل الآن بدور رجل يكافح من أجل لقمة العيش، بميزان فقط، وابتسامة.
الحياة قاسية، بالنسبة إلى طفل أعاقته الحاجة عن تعدي صفه السادس، وهو الآن يشعر بحسرة لتخلفه عن زملائه، وعن النشيد الوطني في طابور المدرسة.
يستيقظ هذا الطفل ليعمل صباح كل يوم من أجل تأمين ثمن الدواء لوالده المعاق الذي يمكث في البيت منذ سنوات، وفي كل يوم يعمل بمشقة ليحصل على ثلاثمائة ريال فقط في النهاية كمحصول لتعب لا يتحمله طفل. وهو فرح بذلك.
في وسط شارع الزبيري بالعاصمة صنعاء، يقف عبدالعزيز حاملاً ابتسامته البريئة وميزانه الذي يزن الناس لقاء عشرة ريالات لكل عملية وزن.
أمام مطعم مانهاتن بالتحديد، يعمل عبدالعزيز وهو الأخ الأصغر لأخوة ثمانية، ثلاثة ذكور وخمس إناث، معظمهم حرموا من التعليم بسبب إعاقة والدهم الذي ينفق عليه أبناؤه الثلاثة.
كل زبائن المطعم تقريباً يحبون عبدالعزيز، خصوصاً وقت الظهر يكون بهياً ورائعاً عندما تخجلك ابتسامة بريئة لطفولة سُرقت باكراً ولم يكترث لها أحد.
تخيلوا أن صبياً صغيراً حُرم من السعادة، ولم يذق من العيش غير الظلم، فقرر مواجهة الحياة بميزان.
لا أدري بالضبط ما الذي جعل عبدالعزيز يختار ميزاناً بالتحديد كوظيفة، لربما يؤمن في قرارة نفسه بالعدالة التي قد تجيء ذات يوم، وهو إصرار فريد لطفل مشرق الوجه تشعر عند رؤيته لأول مرة بأنك تحتاج لعالم نظيف كروحه التي تكره التسول.
ذات يوم التقيته في المكان ذاته، كان حزيناً حينها ومضطرباً نوعاً ما. عندما سألته قال لي: «تعطل الميزان وأنا أشعر أني أغش الناس لأن شوكته انحرفت وصار يزيد أو ينقص بالوزن».
وعندما سألته عن السبب الذي جعله ينحرف، قال لي: «الرجال السِمان»! هذا الطفل يجسد حقيقة قوية أضحت سلوكاً رائعاً يسير على قدمين.
قد نستفيد من القيم الجمالية التي تتواجد بندرة في المجتمع، لكن الأمر يكون مؤثراً جداً عندما يتعلق بطفولة ناشئة أُجبرت على العيش في الهامش.
ماذا لو كان «عبدالعزيز» في المدرسة الآن، يواصل تعليمه ويكبر كما كان يطمح لنفسه أن يصبح معلماً؟!! أعتقد أن البلد سيكون قد حظي بمدرسة أخلاق نظيفة قادرة على إنتاج أجيال نراهن عليها أمام العالم بأسره.
الطفولة المشردة سرعان ما تلوثها البيئة، وينشب الفساد مخالبه في جوفها حتى تصبح مسخاً مشوهاً يُصعب الاستفادة منه.
لكن عبدالعزيز يملك القدرة على المقاومة دون تعثر، ويملك القدرة أيضاً على معالجة المتاعب بالصبر، وهو أمرُ قلما يحدث في عالم الرجال.
لم تستطع قساوة الحياة أن تنال منه أو تقوى على تشويهه، ذلك أن العصفور الذي يسكن فيه لم يزل يغني ليجعل الحياة ممكنة، مهما مر الزمن ببطء أو تعثر سيمنحك عبدالعزيز درساً بالغ الأهمية في الكفاح وفي الإخلاق، ولعل الأهم في التخطيط. قبل اسبوعين أخبرني وهو مسرور للغاية أنه اشترى ميزاناً آخر لأن الأول لا يتحمل سوى الوزن الخفيف، أما الميزان الجديد سيكون «للسّمان».
تعلمت منه حينها، أن الواحد لا يقبل القسمة على اثنين.
لو مر أحدكم في رصيف عبدالعزيز، سيكتشف أنه يشهر في العيون فوران الزهر، وكلما يقف على الكرسي ستجد أن أوله طفل، وآخره جبل من الأمنيات، لربما ستجد أيضاً أن العدالة، نبتة قد تتأخر في النمو، وهو يقوم بالتبشير بها بميزانه، دون أن يعلم هو بذلك.
لربما أيضاً سيجبرك هذا الطفل على الانحناء له، خجلاً لا أكثر، وهو يقوم بدور يفوق شرطي المرور، كونه يحفظ رقم وزنك لمجرد أن تزن نفسك مرتين فقط.
ما أحوجنا إلى عبدالعزيز، كطفل، وكقيمة، وكإنسان، وإلى ميزانه كابتكار! ما أحوجنا إلى ابتسامته، وإلى صدقه، إلى تفكيره، وإلى شوكته التي لا تنكسر!
صديقي عبدالعزيز، لو اعتمرتُ قبعة ذات يوم، لن أخلعها إلا لأجلك.
alhakimi73@hotmail.com