في حضرة صاحب المفرق الأبيض

في حضرة صاحب المفرق الأبيض – خالد سلمان

* إلى أمل الباشا.. غصن أمل أخضر، في تقصفات أحراش الروح اليابسة
في ليالي ذياك الحريق، كنا معك نوصل الوريد بماء الحلم. لم يعد بعدك الآن حلم.. لم يعد للغد وريد.
كان الجسد دونك يحترق. وكنا نرمي وإياك الحدقات على شرفات الضوء، ونعلن أن لأرواحنا أظافر قول الفصل، وأن لها سطوة المعجزة.
كنت يا صاحب المفرق الأبيض، في كل أيلول أسود، تفرد لنا كفيك، تطفئ النار، ثم لا تلبث ان تومئ:
سنمر من هنا، ونمضي سوياً بالقافلة إلى هناك. يا صاحب المفرق الأبيض، في حالك الدهر، كنا نفترش الأرض بزوادة أمل، نبصق دم قهرنا.
نعلي أشرعة العبور، قوارب الاختراق. وكنا الأعلين خارج كمائن الإحتراق، نهمس لوعدنا: كن فيكون. يا صاحب المفرق الأبيض، كل أيامنا حزيران، ذهبت بحسرة نكسة وليس هناك من النكرات الحكام، بعدك، من ينكسر، يلملم فظائعه ويرحل ومن حوله، من بنات أفكاره، وألف نكسة، وعلى صدره ايلول (غزة) وعشرون وسام هزيمة. ولا شيء سواك يمنحنا فُسحة حلم بروفة عبور، وغواية انتصار.
لم يعد لهذا المقيم الحزيراني فينا، سواه، يضع نصل إصبعه في بؤبؤ عينه.. يطلق شارات الفصح: من هنا مبتدأ الفعل، من هنا ياجياع الخلاص، نقاط الوثوب، من هنا نقاط الإرتكاز.
يا صاحب المفرق الأبيض، تعال لنا بسيفك، بمصفوفة لغة النهار، بالخطابة المجلجة، بأشرعة السفر، خارج أزمنة التيه، ومغاطس الخيبات، مدن الملح واليباب. لم نكمل بعد تلاوة وصيتك، لم نشعل في ضريح أحزاننا شمعدان آخر النفق. فمن ترى دونك يفعل ذلك وليس في الأفق لنا «جمال»!؟
 يا صاحب المفرق الأبيض، إعتلِ القلب كما كنت ثانية منصة خطابة، إطلق حناجرنا المبلولة بالرعب، من بين حديد سجون الخوف.. إمنحنا وشوشة الهمس، فضيلة الغضب، من بعدك يزجر الطغاة من أيلول عمَّان إلى جرح الضفة.
يا صاحب المفرق الأبيض، أولم الجردان لليل لحم صرختك: إرفع رأسك يا أخي.. شققوا كرمة حلمك.. دمنا شربوه قطرة قطرة، نبيذ دمع معتق.. هزجوا سكرى:
في صحة ايلول، في صحة جثمان حلم الذي يعود.. كما في صحة جمال المسجى.
كان لنا حزيران.. ومن خلف حجبه يتراءى لنا فجر.. كانت لنا كبوة، وكان لنا الميدان والفارس، الرمح والصهيل، الجواد الأصيل والوثبة الهادرة، كان لنا جمال.
الآن لأطفال أنابيب الحكم، علم وخارطة، بطانة وزنازين ونشيد، ولهم ألف أيلول، ومليون نكسة، وليس لنا نحن يتامى الحلم.
في الأفق رجل يلوح.. يمتطي صهوة الريح، يؤرخ للخصب، ويكتب تاريخ الزلزال.
ياصاحب المفرق الأبيض، انهمر على جرحنا المملَّح مطر عافية، انغرس في زمن التيه ملاذاً.. إنزرع في انكساراتنا غيمة سلام، وفي وحشة القلب المدمى.. اشتعل وفي لحظة فرح، في يباس الروح كن لنا اخضراراً، في هشاشة الامنيات كن جِذر سنديانة.
slman14@yahoo.co.uk