المعسرون

المعسرون

عشرات السجناء يغادرون عنابرهم وعلى المنتظرين التزام طابور الصبر.. وداعاً للسجن

غادر خالد حسين الحزورة البوَّابات الأربع للسجن في 28 الفائت، بعد عشر سنوات في جوف قسم التوبة.
وكان محكوماً بأربع سنوات من محكمة شرق الأمانة، وتسديد مليون ونصف.
خالد من بني عاصم التابعة لمديرية بني الحارث فقير بحكم قضائي أكد إعساره قبل سنوات؛ بيد أنه بقي في الحجز كسواه كثيرين حازوا على أحكام إعسار فردية وجماعية ومكثوا.
في مساء ليلة الأحد الأول من مايو الماضي؛ اتصلت «النداء» بأخيه بدر على تليفونه السيار بغية تفاصيل أكثر عن هذه القضية، وفي الليلة التالية جاء إلى مكتب الصحيفة ومعه الحكم وصورة خالد. ووفقاً لأقواله فإن زملاء أخيه المتهمون في ذات القضية خرجوا بطرق شتى بل وبعضهم مات. كل ما يهم الآن أن حرية خالد مطلقة.
محسن علي الريدي هو الآخر غادر السجن، وكانت «النداء» نشرت تفاصيل قضيته في ديسمبر الماضي، وأوصلت إلى الجهات الرسمية معاناة أسرته القاطنة بمحاذات شارع تعز.
الريدي الكان موزعاً لمنتجات هايل سعيد أنعم الغذائية حُبس في قضية عجز، رغم إعساره. ولطالما انتظرت أمه هذه اللحظة بعد محاولات فاشلة بذلتها إلى مكتب النائب العام.
المبتلى بأكثر من مرض، علي علي الظرافي، الذي حمَّلت هيئة الدفاع الجهات الرسمية مسؤولية تدهور صحته بسبب الإبقاء عليه في الحبس. ونشرت الصحيفة أخباره على صدر صفحتها الأولى الشهر الفائت؛ هو الآخر أطلق برفقة منصور الخلقي، وخالد الشامي، قبل يومين. وبإمكان طليقته التي تمنت له الشفاء وحسن الخاتمة من عدن في إبريل الماضي عبر صحيفة «النداء»، بإمكانها الآن الإطمئنان عليه مباشرةً باتصال هاتفي.
وتتابع «النداء» هذه الأيام إجراءات الإفراج من خلال شعبة السجون في مكتب النائب، ومن خلال نيابة السجن وإدارته. كما تتلقى عشرات الإتصالات من المطلق سراحهم أو من الأسر والمهتمين. فضلاً عن الرسائل والمناشدات اليومية، الآتية من السجن.
ويواصل مكتب النائب العام فرز حالات المحتجزين على ذمة حقوق خاصة بعد انتهاء مدة العقوبة في الأحكام الصادرة بحقهم.
وعلمت «النداء» أن أسر السجناء الذين حصلوا على أحكام إعسار ولم يتم اطلاقهم، تعتزم الاعتصام قبالة بوابة النائب العام  في مذبح في حالة تبطِّيء عملية الإفراج.
وحسب شهود عيان كانوا حاضرين عند إطلاق الدفعة الأولى (جدول 1) في فبراير الماضي، أن بعض السجناء كان يسجد شكراً لله بعد مغادرة بوابة السجن الرئيسية.
 

 
***
 
 

الذيب يغادر مأساة 12 سنة
 

في نوفمبر الماضي تلقت الصحيفة رسالة مأساوية من السجين محمد حمود يحيى الذيب، مرفقة بنسخة مذكرة من نيابة شرق الأمانة إلى محكمتها تؤكد تلك المأساة.
أمضى هذا السجين عامه الثاني عشر في السجن بأربعة مليون و475 ألف ريال، قالت الرسالة إن الحكم نص بإعادتها ولم يقض بالحبس!
الجريمة القانونية ليست هنا وفقط!
تقول مذكرة النيابة: «إن ملف القضية ظل محفوظاً في إرشيف المحكمة منذ عام 2000 بحجة تنفيذ الجانب المدني للحكم، مع العلم بأن المحكوم عليه مودع السجن المركزي منذ عام 1996». وأردفت المذكرة الرسمية قائلة: «تبين من خلال اطلاعنا على الحكم الصادر بأنه قضى بحجز منزل وسيارة المحكوم عليه مقابل المبلغ».
ولكن، وتواصل: «لم نعثر على محاضر تنفيذية توضح مصير المنزل والسيارة وهل تم دفع المبلغ المحكوم به منها، فضلاً عن وجود مضخة ارتوازية وتوابعها لدى المحكوم له للمحكوم عليه والذي قضى الحكم بإلزام المحكوم له (الماوري) بإعادتها للمحكوم عليه» مؤكدة: «لم نعثر على ما يفيد تنفيذ ذلك!».
هذه المذكرة المذيلة بتوقيع وكيل النيابة وختمها في 12سبمتبر الماضي، أكدت للمحكمة أن الذيب في السجن المركزي منذ إحدى عشرة سنة. وحسب ما جاء فيها: «وقد أفاد قيمة المنزل والسيارة أكثر من المبلغ المحكوم به وأن لديه جنبية تقدّر بمليون ولا يعلم عن مصيرها» وأيضاً: «لم يتم البت فيما تبقى على المذكور المحكوم عليه من مبالغ مالية ولم يتم تقييم قيمة المضخة وتوابعها الخاصة بالمحكوم عليه!».
واختتمت بـ«تكرموا مشكورين بتوجيه المختصين بالإفادة عن مصير المنزل والسيارة والمضخة وتوابعها والجنبية وما تم بشأنه».
ووفقاً لمصادر مسؤولة أكدت شكواه، أن أطرافاً عدة عملت على إخفاء ملف قضيته وفقدان السجين حتى للحكم الصادر بحقه.
وآسف، آنا محرر الملف، لتأجيل نشر تفاصيل القضية بسبب ضغط عشرات بل مئات القضايا والملفات والمناشدات الواصلة إلى الصحيفة من السجن والأسر. لكن اسمه وعنوان مأساته كانا حاضرين معي, في ذاكرتي على الأقل. إذ تناولته في سياق موضوع في العدد المائة، تمهيداً للنشر في عدد قادم.
هذا الأسبوع قصدت زيارته إلى السجن على أساس طرح موضوعه على النائب العام بصورة خاصة، فسبقني أمر الإفراج، حيث وقد أطلق قبل أسبوعين تقريباً، أو كما قال المدير.
 
 

***
 
 
«كبش الفداء» ليس فارَّاً
 
 
يشارف جمال أحمد محمود الميثالي على السنة السابعة في السجن، فيما محكمة الأموال العامة تقول إنه فار من وجه العدالة.
ولقد خصّصت صحيفة «الثورة» في 6 مايو الفائت، صفحة كاملة ل(314) فاراً، كان جمال الرقم 13. وهو الذي حكم من ذات المحكمة (الأموال العامة) بأربع سنوات حبس، أمضاها وما يزال رهن الاحتجاز.
انهم منسيون باعتراف القضاء!
هذا الأسمر القصير ذو اللهجة السودانية، الذي التقته هيئة الدفاع الأسبوع قبل الفائت عند زاوية السجن وصفه الحكم بـ«كبش الفداء»!
أمس الأول جاء شقيقه الأصغر (صلاح) إلى مكتب الصحيفة حاملاً معه حزمة أوراق وهموم. فهو من يضطلع بمسؤولية رعاية الأسرة، ومن يتابع لاستخراج أخيه من الحجز واسترداد الراتب المنهوب منذ ست سنوات.
«كان أخي أمين المخازن بالمؤسسة الخارجية للحبوب، لكن مسؤولين فيها وعاملين ورطوه في 13 مليون ريال. والله العظيم إنه مظلوم» ببرود رد صلاح على سؤالنا عن أسباب بقاء أخيه في الحبس طالما انتهت فترة العقوبة. وحين عاودته بالسؤال أجاب: «مسكين ما في حد معانا يقدر يرجعه مثل الناس المبسوطين». وأضاف مقسماً: «إحنا ساكنين في بيت إيجار بشارع هايل، وما عندنا حتى قيمة علاج أخي المصاب بالصرع».
وحين طلبت منه تفسيراً لقول القاضي في الحكم: «وقد حكمنا عليه ككبش فداء!» ضحك من السؤال «يعني مش عارف» ورفع من صوته: «مظلوم، وهو اللي قدروا عليه!».
وفي رسالة سابقة لجمال من الحجز قال: «إن هناك تعسفات عليَّ في الحكم وأنا ليس برجل قانون حتى استطيع الرد عليها». مضيفاً: «لقد استأنفنا الحكم نحن الثلاثة المتهمين، ولكنني تفاجأت بأن هناك محامي تم تكليفه بالمرافعة ضدي أنا وحدي أما البقية قال المحامي بأنه ليس موكل عليهم».
ويشكو من أن المسؤولين في المؤسسة الخارجية لتجارة الحبوب (لجنة التصفية) رفضوا حضور جلسات حكم الإعسار الذي تقدم بطلبه.
في 2/ اكتوبر 2001 تقدم صلاح الميثالي إلى رئيس محكمة الأموال العامة، القاضي مجاهد العلفي، يرجوه التوجيه بإطلاق راتب جمال. وفوراً امتشق القلم ووجه إلى المؤسسة: «سبق الأمر بشأن صرف راتب المذكور وللأسف انكم تتخذون حياله إجراءات غير قانونية، فقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية قد نصت بصراحة على استحقاق الموظف المحال للمحاكم نصف راتب شامل. ولذلك يتم صرف راتبه».
لكن للأسف ما يزال في الحجز هو الآخر، ليكون هذا هو التوجيه الثاني للمحكمة، فضلاً عن ثلاثة توجيهات للنائب العام ومحامي الأموال العامة، وحتى من علي محمد الآنسي مدير مكتب رئاسة الجمهورية.
لا تطلب أسرة السجين من المؤسسة شيئاً «نطالب بإطلاق سراح جمال بعد انتهاء مدة الحبس»، كذلك «برد الاعتبار عن النشر في صحيفة رسمية من أنه فار من وجه العدالة».

 
 

***
 
 
 
رغم الضمانات واكتفاء المدة
سام… في السجن
 

المدة التي قضَّاها الشاب المحتجز سام عبدالله أبو أصبع في سجن عُلاية الإحتياطي بصنعاء؛ كانت كافية في نظر المحكمة لكن قرار الأخير، غير ملزم بالنسبة لنيابة جنوب غرب.
ف«سام» الذي قضى منطوق الحكم الإفراج عنه اكتفاءً بالمدة (9 شهور قضاها في سجن علاية) أُقتيد مباشرة إلى سجن أكبر، واحتجاز مفتوح، رغم أنف الثلاثة: الحكم، والقانون، والإستئناف.
ومذ ذاك حتى اليوم وحريته محتجزة دون اكتراث أحد لعذاباته.
في عددها المائة نشرت «النداء» ثلاثة جداول لعشرات القابعين في سجن واحد «مركزي صنعاء» خارج سياقات الحبس القانونية. منهم من تجاوز بسنوات فترة استحقاق الإفراج ومن احتجز رغم اكتفاء المدة، وكثيرون من لم تقضي المحاكم بحبسهم البتة. في ذاك العدد كتب «سام» موضوعاً تحت عنوان: من يكترث لعذاباتنا!؟ في هذا متسائلاً: كيف الخروج من شرنقة المكان؟!
عمل الرجل في الشركة الوطنية للمرطبات التي يملكها الشيخ عبدالسلام شمسان، وأهّلته أخلاقه وكفاءته لأن يكون أمين صندوقها. أُخذ «سام» في قضية عجز على الشركة بواقع 7 ملايين و400 ألف ريال، ودخلت فيها أطراف تجيد حباكة «المقالب».
وكان الضحية الشاب الوديع، الهادئ والمثقف، الذي أوشكت أيام زفافه الميمون.
في 12 ديسمبر 2004 أصدرت محكمة جنوب غرب الأمانة حكماً قضى منطوقه في الحق العام: الإكتفاء بالمدة التي أمضاها.
وفي الحق الخاص: على المتهم دفع المبلغ آنف الذكر. لحظتها صاح الواقف خلف السياج في وجه القاعة واستأنف الحكم في الحال.
قبل 20 يوماً تقريباً، وبعد أن أمضى سام سنتين في الحجز، وافق رئيس محكمة استئناف الأمانة القاضي حمود الهردي على الإفراج عنه بالضمان الحضوري. وهذا ما سمعته من النائب العام مباشرة في مكتبه السبت الماضي؛ بأن من انتهت فترة العقوبة بالحق العام يفرج عنه مباشرة، أو بضمان حضوري فقط.
لكن عضو نيابة جنوب غرب، علي عبدالجليل، الأكثر إدماناً على حبس الناس رفض خمس ضمانات تجارية حضورية قُدمت إليه تباعاً! كما لو أنه يريد شيئاً آخر أو مدفوعاً من طرف ما، ولطالما شكا منه كثيرون.
إنه الجهل بالقانون، والتعامي عنه. هذا المسؤول غير آبه لثلاثة أخطاء وقع فيها، جديرة في بلد آخر بحبسة ثلاث سنوات والفصل من الوظيفة بنص المادة (197) من قانون العقوبات، لأنه امتنع عن الافراج عن سجين بعد انقضاء مدة حبسه، بل؛ أنه ابتدع حبساً مخالفاً لمقتضيات الحكم.
أُسرة سام، التي سئمت المطالبة بإعمال القانون للافراج عن ولدها الشاب، تقدمت بضمانات كلها أكيدة، كان آخرها يوم أمس من الدكتور على احمد محمد الأشول، وكيل وزارة.
إذ لم تفلح كل محاولات نصر أبو أصبع مع هذا العضو الممتنع عن الإفراج عن شقيقه.
 
 
 
***
 
 
 
… على جدران زنزانة
 

كيف السبيل للخروج من شرنقة المكان، ومقاومة اختناقات الوقت الواقف على عتبات تمضي ولا ترجع، راسمة صوراً لا تكررها الصدفة، ولا يتركها النسيان في فضاءات مجهولة ليس لها معنى.
عن شيء يسكننا، وأوجاع لا زالت مرتعنا، أكتب عن أحلام يبدو أنها أصبحت مستحيلة رغم بساطتها في واقع لا يقبلها عذراء كما هي.
أكتب عن هذا المجهول الرابض خلف الامنيات، الساكن محل الامسيات، والمنتحل كل الوجوه المستعيرة كل الشفاه، والغاوي لكل العقول.
اكتب محاولة مني أن أتنفس ضياءً غادرنا منذ حين ليس له تأريخ.
ايامنا يلغيها الخوف من القادم. أعمارنا تتسابق نحو نهاياتها المنتصرة عند أول منعطف للغياب.
السراب هو كل ما ينتظرنا السماء نابت عنها الذئاب، والارض ترفض أن تميد بها. والخلاص كلمة ليس له من المعنى شيء في نفوس فقدت تدريجياً قدرتها على العبث بطريقة اخرى، وتوارى خلف شقائها معنى الأمل.
أتسأل كم يلزمنا من وقت لإعادة ترتيب فوضى الحياة داخلنا؟ وكم يلزمنا من دهور لإعادة ترويض الألم ليكون أقل وحشية وقسوة؟ وكم نحتاج من الأبجديات لترجمة الأحزان التي صاحبتنا طوال الوقت كي لا تتكرر في زمن قادم قد يأتي سريعاً ويتسرب من خلالنا دون أن نشعر به لنبدأ من جديد فصول مأساة جديدة؟!
 
–  من سام أبو أصبح