المختفون قسرياً (4)

المختفون قسرياً (4)

منذ ربع قرن: طباخ ماهر في ضيافة الأمن الوطني
 
 
سامي غالب
Samighalib1@hotmail.com
 
غداة قيام الوحدة انتعشت آمال أسرة علي عبدالمجيد عبدالقادر أنعم، المعتقل السياسي منذ 1983. وقد وجه فتحي النجل الثاني لعلي، خطاباً إلى رئيس مجلس النواب حينها ياسين سعيد نعمان، يطلب فيه مساعدته في وضع حد لانتظارات أسرته، قال فيه: «إني وأخوتي على ثقة بأننا سنلتقي والدنا في ظل الجمهورية اليمنية».
قبل أسبوعين زار فتحي، 36 عاماً، مكتب «النداء»، مبدياً حرصه على نشر قصة أبيه في الذكرى ال17 لقيام دولة الوحدة.
كانت توقعاته «الوحدوية» قد خابت، وأراد إبلاغ الرسالة أدناه إلى من يهمه الأمر.
 
عدم الاعتراف المتبادل
في الثانية بعد منتصف ليل 11 فبراير 1983، دهمت مجموعة أمنية منزل علي عبدالله حاشد الكائن في منطقة حدة (غير بعيد من مبنى جهاز الأمن الوطني). واعتقلت صاحب المنزل وصهريه علي وأحمد عبدالمجيد.
في مبنى الأمن الوطني (السياسي حالياً)، تم عرض الأخوين علي وأحمد على معتقلين آخرين لغرض إدانتها بالإنتماء إلى الحزب الديمقراطي الثوري. بعد ساعات نقل أحمد إلى سجن دار البشاير (البونية)، وأفرج عن علي عبدالله حاشد.
أبقى رجال الأمن الوطني على علي عبدالمجيد في ضيافتهم.
طبق شهود عيان وضيوف كرام آخرين في سجن الامن الوطني خلال الفترة ذاتها، فإن علي عبدالمجيد كان عرضة لتعذيب رهيب. رفض الإدلاء بأية معلومات عن نشاطه الحزبي، رغم أن آخرين أدلوا بمعلومات عنه.
كانت حصص التعذيب متقاربة وفظيعة لكنه هو المفتول الذي حضِّر نفسه جيداً للتجربة، على ما يقول أخوه أحمد ونجله الأكبر طارق، لم ينهر أمام معذبيه، رفض الاعتراف بزملائه (وبعضهم ما يزال يحمل له الجميل حتى اللحظة).
ومنذ تلك الليالي المستذئبة يرفض المسؤولون في جهاز الأمن الوطني الاعتراف بوجود علي في حوزتهم، أو تقديم أية معلومات عن مصيره. وما زالوا يبادولنه عدم الاعتراف!
<<<
 
سندباد  يمني
من شهادات عديدين تأخذ شخصية علي عبدالمجيد ملمحاً أسطورياً.
ولد علي في قرية الأشاوز الأعبوس عام 1942. وكما مواليد ذاك الزمان فقد غادر قريته إلى عدن مبكراً. وتالياً لحق به شقيقاه اللذان يصغرانه أحمد و محمد. في عدن برز الفتى في مجال الطباخة، حيث تنقل بين عدة أماكن، قبل أن يشيِّد عالمه ارتكازاً على تمكنه في فنون الطبخ أثناء عمله في فندق الصخرة بالتواهي – عدن.
وفي منتصف الستينيات كانت عدن تضج بالحركة التجارية والسياحية، ولكن أيضاً بالحركات الثورية. وعلى الأرجح فإن علي كان قد انتمى إلى حركة القوميين العرب التي كانت التنظيم الحاكم داخل الجبهة القومية.
في تلك الفترة تحديداً ولد طارق النجل الأكبر لعلي من زوجته الأولى، التي انفصل عنها بعد فترة وجيزة.
تزوج علي نهاية الستينيات من منى عبده حسن. ومطلع السبعينيات، وكان ما يزال مقيماً في عدن، رزق بمولوده الثاني فتحي، ثم فتحية ووائلة وشفيع.
علي، الذي كان قد أسس لاسمه شهرة في مجال الطبخ، غادر عدن عام 1974، باتجاه صنعاء. وفي فندق مدينة سام، الذي كان ذائع الصيت وقتها، عمل إلي جانب رئيس الطباخين ذي الهوية الفرنسية. تالياً كان علي يشغل عن استحقاق موقع رئيس الطباخين بعد مغادرة الخبير الفرنسي!
<<<
رغم شهرته كطبَّاخ لا يجارى في أهم فنادق العاصمة، فقد اختار أن يبني مشروعه الخاص. فدخل في شراكة مع شخص آخر، مؤسساً مطعم السندباد.
كان السندباد علي عبدالمجيد المنحدر من أسرة فلاحية في ريف تعز، وهو يواصل رحلته الشاقة، ولكن الشائقة في صنعاء، يستثمر خبرته العدنية باقتدار. في عدن تعلم فنون الطباخة التي تتطلبها مدينة كوزموبولوتية ضاجة بالحياة والأفكار… والبشر أيضاً. وإلى الطباخة تعلم كيف يتعلم!
قبل أن تحل ساعة الشؤم في ليل شباطي مجدب، كان لدى علي الذي اجتاز للتو، خط الأربعين سنة، مشاريع لم تكتمل، فالمشروع الذي أراده إنجاز حياة، كان يتعثر بسبب خلافات مع الشريك، ثم مع المؤجرين.
وفي الأثناء كان يحاول تحسين معارفه في اللغة الانجليزية التي حملها من عدن. وأبعد من ذلك فإن الرجل العصامي الذي حرم في طفولته من فرصة الالتحاق بالمدرسة كان يخطط لإكمال دراسته الثانوية، بعد أن أكمل المرحلة الإعدادية.
بعدسة مجمعة، كان السندباد الناشط في الحزب الديمقراطي الثوري (الوريث التنظيمي لفرع القوميين العرب في الشمال) في اللحظة الحرجة مطلع الثمانينات، فالمطعم مغلق بسبب الخلافات مع الشريك والمؤجرين، والقبضة الأمنية تشتد ضد المعارضين، وبخاصة اليساريين منهم. وعلى ما يبدو فإن جهاز الأمن الوطني استطاع أن يحقق اختراقات داخل صفوف معارضيه العتيدين. وكان الحزب الديمقراطي الثوري ينكشف للمرة الأولى أمنياً، رغم سجله المشهود بالقدرة التنظيمية فائقة الدقة. وطبق تفسير أحد رفاق علي، فقد وقع الاختراق جراء تشكيل حزب الوحدة الشعبية من عدة فصائل يسارية في الشمال، أبرزها الديمقراطي الثوري.

حالة حصار
كانت رحلة «السندباد» توشك على الانتهاء قسرياً.
كان أحمد الشقيق الأصغر لعلي، قد أمضى في السجن 8 أشهر بشبهة الانتماء للحزب ذاته. وقد أطلق سراحه في ديسمبر 1982. لكنه ظل موضع رقابة أمنية. وفي مطلع فبراير 1983 طلب ضباط أمنيون من أحمد ملازمة منزل صهره (زوج أخته) علي عبدالله حاشد القريب من مبنى الأمن الوطني، كان الأمن يراقب الجيران ليل نهار. وقد أبلغ أحمد وصهره علي بأنهما تحت الإقامة الجبرية، وليس من حقهما مغادرة المنزل لأي سبب.
كان علي عبدالله حاشد، ميسور الحال بمقاييس ذلك الزمان. وكان منزله، موضع وجهة أهل منطقته، الأقربين منهم والأبعدين. وقد كان على محمد مرشد ناجي وزوجته أن يدفعا ثمن جهلهما بالقونين العرفية لجهاز الأمن الوطني، إذ قاما بزيارة المنزل مساء أحد أيام الحصار لأسباب اجتماعية. وعند مغادرتهما توجب عليهما مرافقة المحاصرين لغرض استجوابهما في مقر مجاور. بعد استنطاقهما غادر محمد مرشد ناجي (صاحب استديو تصوير في شارع العدل) وزوجته مكتب التحقيق بسلام!
كان الحصار الأمني مضروباً على المنزل، وتم فصل خدمة الهاتف عنه، وانتظر رجال الأمن الزائرين المفترضين.
في التاسعة من مساء 11 فبراير طرق الباب علي عبدالمجيد، كان على الأغلب، قد علم بانكشاف اسمه لرجال الأمن. بدا وكأنه هارب من ملاحقيه. في الثانية بعد منتصف الليل اقتادت مجموعة أمنية الرجال الثلاثة إلى مبنى الأمن الوطني.
«أخذونا بعد أن عصبوا أعيننا، كل واحد في سيارة»، قال لـ«النداء» أحمد عبدالمجيد (المولود عام 1954). أضاف: «عرضونا على مجموعة من المعتقلين للتعرف علينا، في نفس الليلة نقلوني إلى دار البشاير (السجن الشهير في البونية)، وأطلقوا سراح علي حاشد، وأبقوا علي عندهم».
بعد شهر من واقعة الاعتقال، تم الافراج عن أحمد عبدالمجيد. وبعد 24 سنة ما يزال أحمد يتذكر تفاصيل «ساعة الشؤم» التي حلت بأسرة كاملة.
وكان علي الذي لا يحمل مؤهلاً دراسياً عالياً بمثابة المعلم لأخيه الأصغر.
وطبق أحمد، فإن الأخ الأكبر غير المتعلم، «كان متطلعاً ويقرأ جيداً لتثقيف نفسه، ويدرس الانجليزية، ويواصل دراسته الثانوية». «كان معلمي، وهو الذي استقطبني للحزب (الديمقراطي الثوري)، وأحياناً كان يخشى عليَّ من الخطر». بنبرة مشبوبة بالحب يتذكر ساعة مازحه علي، بعد أن أفرج الأمن عنه في حملة اعتقالات سابقة. داعب علي أخاه الأصغر الخارج لتوه من المعتقل: «مسكوا العكابر… والعراري ماقدرولهمش».
 
الهروب إلى عدن!
بعد 8 أشهر من حملة فبراير 1983، بدأ الأمن بالإفراج عن بعض المعتقلين، لكن علي لم يغادر قط مبنى الأمن السياسي، وقد علم أحمد من معتقلين أفرج عنهم من سجن الأمن السياسي بأن علي تعرض لتعذيب منهجي وقاس جراء رفضه الإدلاء بأية معلومات عن رفاقه.
أفاد أحد المفرج عنهم بأن رئيس الطباخين تأذى من التعذيب في مناطق عدة في جسده، وبخاصة إحدى عينيه.
بعد مضي سنوات على واقعة الاعتقال، التقى أحمد بالصدفة، مسؤولاً رفيعاً في الأمن الوطني كان ذا صلة بالملف. وقد ابتدره بالسؤال عن مصير علي، فأجاب رجل الأمن المحترف ببرود: لقد هرب إلى عدن!
لم يغادر السندباد السجن قط. في عالم المجاز فقط يمكن اعتبار المسؤول الأمني المحترف صادقاً، فمن المرجح أن «السندباد» سافر إلى عدن مراراً بعد اعتقاله: سافر إلى أيامه الخضر هناك، إلى الفتى الباهر الذي كانه، إلى الفردوس التي أرادها على الأرض، وإلى الفردوس التي كانت عنوان خلاصه في السماء.
 
 
 
***
 
 
 
حامل الراية.. والأثقال
 
 

«أنا متُ قبل 24 سنة»، يقول فتحي في معرض تفسير أسباب عدم خوفه من إمكانية تعرضه للخطر جراء مثابرته على استرداد أبيه.
ما من شك في أنه حي. رجل في ال 36 يقف في كبرياء راكناً إلى عمود انتظمت فقراته من الحب والكدح والألم والولاء.
في 11 فبراير 1983 كان في الثانية عشرة من عمره. مذَّاك بدأ الإبن البكر لمنى بمغادرة البيت في القرية لسببين: العلم والعمل.
بعد 5 سنوات كان قد أكمل الإعدادية، وانتقل إلى العاصمة باحثاً عن أب… ووظيفة.
وجد وظيفة في وزارة المواصلات، وما يزال يجهد في البحث عن أبيه.
بعد أسابيع من انتقاله إلى صنعاء، حرَّر فتحي مذكرة إلى رئيس الجمهورية باعتباره -حسب نص المذكرة- المسؤول الأول والأخير عن (أمن) المواطن، طالب فيها الرئيس بالسماح له بزيارة أبيه المختطف من قبل الأمن الوطني، أو إطلاق سراحه. وإذ شدَّد على أن ما وقع لأبيه هو محض اختطاف أمني، ذكَّر الرئيس القائد بالله الجبار المتكبر المنتقم.
تحمل فتحي باكراً مهمة ملء حيز من الدور الشاغر. صار رجلاً قبل الآوان، لكنه لم يترجل قط. وقد تأكدت «النداء» من مصادر عديدة بأنه أضطلع بالمهمة المستحيلة منذ 1988.
كان أخوه الكبير (طارق) قد غادر إلى الصين، وكان رفاق أبيه الكبار مطاردين في كل مكان، وكان قدره أن يحمل الرأية و حده.
تجاوب الرئيس علي عبدالله صالح مع مذكرة الفتى الطالع من صلب أبيه. وفي 1989 صدرت مذكرة مذيلة بتوقيع الرئيس تطلب من رئيس جهاز الأمن الوطني «الاطلاع على شكوى أولاد علي عبدالمجيد عبدالقادر أنعم العبسي،والإيضاح عن ذلك».
طبق إفادة فتحي فإن مدير مكتب الرئيس امتنع عن وضع الختم على توقيع الرئيس.
لكن المدير وجه مذكرة في 26 نوفمبر 1989 إلى العقيد غالب القمش، يطلب فيها «الإطلاع على مذكرة فتحي بخصوص اختفاء والده، والتوجيه بما ترونه».
كانت المذكرات المتبادلة بين الرئاسة والجهاز تتم عبر قنوات سرية، لكن الباحث المتشوق لأبيه لم يعدم وسيلة للحصول على نسخ منها. وكان ظاهراً في المذكرات الرسمية نية المتورطين في إطالة أمد البحث، إذ تعمدوا دوماً استخدام مفردة اختفاء، عوض «اعتقال» التي يعتمدها دوماً «رب الأسرة» الصغير.
وقد علم فتحي في وقت لاحق من عام 1990، أن مكتب الرئاسة حرر مذكرة تعقيبية أخرى موجهة إلى رئيس جهاز الأمن الوطني. كانت مجرد مذكرات!
لم يعرف اليأس طريقاً إلى قلب الفتى وفي 31 يناير 1990، تمكن من استصدار مذكرة من النائب العام علي محمد اليناعي، موجهة إلى رئيس جهاز الأمن الوطني، جاء فيها:
بخصوص شكوى أولاد المدعو علي عبدالمجيد (…) والتي مفادها بأنه قد اختفى في عام 1983، ولم يعرف عن مصيره شيء (…) وعليه نأمل الإطلاع والإفادة إذا لديكم أي معلومات».
قال لـ«النداء»: ذهبت مذكرة النائب العام بقناة رسمية، وقد تابعت مكتب النائب العام وقيادة الجهاز، ولم يكن هناك أي رد»، ثم أردف ممتعضاً: «كانت مجرد مذكرة لشراء سكوتك».
قبل أسابيع من قيام الوحدة، بلغ الشاب فتحي أن جار الله عمر وقياديين آخرين من الحزب الديمقراطي، موجودون ضمن وفد في فندق رمادة حدة. سارع إلى الفندق حاملاً ملف أبيه: «أستمع جار الله لقضيتي، وعرضت عليه وثائق ومذكرات، ووعدني بطرح الموضوع في اللقاءات التي ستتم في قيادات عليا». استعاد مشهد اللقاء بالقيادي الاشتراكي اللامع.
صباح اليوم الذي ألقى فيه علي سالم البيض خطابه الشهير في ميدان السبعين قبل الوحدة، قرَّر فتحي المجازفة، وحمل نسخة من مذكرة الرئيس، وطرق باب عبدالله محرم المسؤول البارز في جهاز الأمن الوطني. دلف إلى حوش «منزل محرم»، وتقدم من الرجل الذي كان يستعد لطلوع سيارته، فتح ذراعه ليسلمه المذكرة الرئاسية.
لم يخف محرم إنزعاجه. وبحسب فتحي، فإنه «هتر (انتزع) المذكرة من يدي، ثم نهرني بشدة قائلاً: ما هوش عندنا».
قبل أن تنطلق سيارة المسؤول الأمني، قرر فتحي أن يضع اللمسة الأخيرة على المشهد، فأطلق صيحة مغموسة بمرارات سنين: «لكنه معتقل عندكم»، غادرت السيارة مسرعة» باتجاه ميدان السبعين حيث سيلقي قادة الوحدة الموعودة خطابات على الجماهير الغفيرة… الغفورة!
<<<
«تفاءلنا بقيام الوحدة»، زفر فتحي الذي استنزفت سنوات الوحدة ال17 رصيده من التفاؤل.
أعلنوا عهد التسامح والوئام وإغلاق ملفات الماضي -تحدث دون حماسة- صدَّقنا وقلنا موضوع أبونا إنساني. وزاد: بعد الوحدة أُفرج عن معتقل من نفس الفترة إسمه علي نعمان، لكن أبي لم يخرج. ذهبت إلى علي نعمان وسألته عن أبي، فأفاد بأنه في فترة التحقيقات كان يتواصل مع أبي عبر إطلاق أصوات محددة، كما كان يسمح المحققين أو السجانين ينادون عليه بالإسم، لكن التواصل انقطع بعد قرابة 3 أشهر.
بعد سنة عرض حامل الراية، على ياسين سعيد نعمان رئيس مجلس النواب، قضية والده في مذكرة وقعها عن الأسرة الصابرة، أشار فيها إلى معاناة أسرته جراء تسويف واستعلاء الجهات الأمنية، وكتب: عندما كنا نتابع الأمن الوطني كانوا يفيدوننا بأنه غير موجود، ومرات يقولون إنه قد خرج منذ فترة و نزل يعمل في عدن (…) سئمنا من الاكاذيب، ونحن (الآن) على ثقة بأننا في ظل الجمهورية اليمنية سنلتقي بوالدنا». حرر المذكرة نيابة عن 8 من أفراد أسرته هم أخوة طارق (الكان يدرس في الصين) وشقيقه شفيع، وشقيقتاه فتحية ووائلة… وجداه (من أبيه) عبدالمجيد عبدالقادر، وحمامة دماج.
مات الجد عبدالمجيد بعد أشهر من تحرير المذكرة التي أحالها رئيس مجلس النواب إلى لجنة حقوق الإنسان للمتابعة. وبعد 4 سنوات ماتت الجدة حمامة.
وسائل شتى لجأ إليها فتحي «المتشائل»، وقد طرق قنوات متنوعة، ولاذ بوسطاء، وغالباً ما تم تجاهله، وأحياناً جاءه الرد يحمل نبرة وعيد من مغبة الاستمرار في «البحث عن طباخ ماهر»، لم يتذوق سجانوه أصنافه!
لكن الطفل الذي تذوق «كيكاً فاخراً باللوز والفستق»، ما يزال يتابع البحث عن مصير «الشيف» علي عبدالمجيد.
 
 
 
***
 
 

البحث عن مذاق كيك فريد
 

يعمل المهندس طارق في تعز، مشرفاً على مشاريع طرق. في جيبه يحمل آلة حاسبة، في غطائها الجلدي يحتفظ بصورة مثله الأعلى علي عبدالمجيد، الذي تعلم منه مهارة الطبخ، علاوة على أشياء أخرى.
في منزله المتواضع بمدينة تعز، يقيم طارق المولود عام 1964، مع زوجته وأطفاله. وإذ يشاهد برامج الطبخ على الفضائيات يغمره الحنين لصباحات صنعائية جميلة، كان فطوره فيها كيك مطعم باللوز والزبيب لم يذق مثله قط منذ اعتقال الطباخ الاستثنائي الذي كان يعده له.
لا أحد يجاري أبي في فنون الطبخ، يقول طارق بلغة قاطعة. «كان يتقن إعداد كل صنوف الطعام، بما في ذلك الحلويات». أضاف قبل أن يضرب مثلاً: «بعض الفنادق التي عمل فيها اشتهرت بسبب مطاعمها، كفندق الاسكندر في شارع القصر الجمهوري». الإبن الذي يحمل جينات أبيه وموهبته في الطبخ، يقدم مثلاً آخر: في طفولتنا، فتحي وأنا، أقمنا مع أبي في العاصمة، وقبل مغادرتنا إلى المدرسة كان يعد لنا قطعاً كبيرة من الكيك المطعم باللوز والزبيب» ويختم: «كلما خطر أبي على بالي أحن إلى الكيك الذي كان يعده لنا، والذي لم أذق مثله قط».
إلى الحنين والفقد والألم، تتواجد دوماً مشاعر الاعتزاز بالأب: «أتابع برامج الطبخ في الفضائيات، وأعتز بأبي، كان طباخاً من الدرجة الأولى، وحاز عديد من شهادات الخبرة والتكريم من فنادق وسفارات ومؤسسات محلية و خارجية».
في فندق مدينة سام عمل علي عبدالمجيد رفقة رئيس الطباخين (الشيف الفرنسي). ويقول طارق: كان الشيف الفرنسي الذي يعمل براتب 6000 دولار، يستعين بالكتب لإعداد أطباق معينة، خلاف الوالد الذي لم يكن يحتاج لأي كتاب بحكم مهارته وخبرته».
إلى فنون الطبخ، تعلم طارق، الذي كبر في كنف أبيه، دروساً غزيرة أثناء ملازمته أبيه: «علمني حب القراءة». وزاد: «كانت ثقافته غزيرة، وكنت إذ أقرأ كتباً فكرية بحوزته، يبادر إلى توضيح ما يصعب عليَّ فهمه من أفكار».
ولد طارق عام 1964، وانتقل طفلاً إلى عدن للعيش في كنف والده الذي كان قد انفصل عن زوجته الأولى (والدة طارق). في منتصف السبعينيات قرَّر والده الانتقال إلى عاصمة الشمال. وكان على طارق أن يكمل الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الميناء بالتواهي بعدما رتب الأب مكان إقامة لإبنه البكر في منزل أسرة صديق من بني حماد يقطن التواهي. بعد الموسم الدراسي لحق طارق بأبيه إلى «شمال الوطن»، ولكن إلى قرية الأشاوز، وهناك أكمل دراسته الابتدائية والصفين الأول والثاني الإعدادي. في 1978، انتقل الفتى إلى العاصمة، والتحق بإحدى مدارس العاصمة لإكمال المرحلة الإعدادية. لم يكن وحده، فقد طلع رفقة أخيه فتحي الذي تم تسجيله في المدرسة الأهلية بصنعاء كطالب في الصف الثاني ابتدائي.
استأجر علي الذي كان في أوج تألقه، بيتاً في الطبري. وصباح كل يوم كان يعد وجبة الصباح لولديه، وهي عبارة عن كيك لا مثيل لمذاقه، كما يؤكد طارق وفتحي، ثم يغادر بعدهما إلى مكان عمله.
تذوق طارق الكيك، ومع الكيك تذوق السياسة. وهو التحق بالمدرسة الفنية بعد إنهاء الإعدادية بتفوق.
كانت مشاريع الأب قد بدأت تنكشف للأخطار، وبخاصة مشروع العمر (المطعم)، دخل علي في خلاف مع مؤجري المطعم الكائن في شارع علي عبدالمغني أمام سينما بلقيس. وعلى الأرجح فإنه لم يرتح لطريقة شريكه في التعامل مع إيرادات المطعم.
وتوجب على طارق أن يساعد أباه الغارق في مشاكل العمل. وقد اضطر الابن أن يؤدي أحياناً دور أبيه في المطعم. «كنت أدير المطعم لوحدي»، يتذكر أيام المحنة، عندما تم حبس أبيه احتياطياً بسبب مشاكل المؤجرين. في صيف 1981، كنت أنام في المطعم «بينما والدي محبوساً في قسم شرطة».
شدَّد المؤجرون الضغط على طارق الفتى الأعزل من كل سلاح. وفي العاشرة من صباح أحد أيام المحنة، كان مجموعة من الرجال يدهمون المطعم. «أذكر تفاصيل تلك الساعة كأنما وقعت اليوم»، جَزَمَ طارق خلال اتصال هاتفي ممتد أجرته «النداء» معه الأحد قبل الماضي. «كانوا يشتوا يأخذوني، وكنت قد أعددت نفسي لمواجهة كهذه».
أضاف: «باستثناء عمال المطعم، فقد كنت وحيداً، وقد تواريت عبر باب المطبخ، وعلمت لاحقاً أنهم أغلقوا المطعم».
في تلك الأثناء خاض علي حربين في آن، حرب استرداد المطعم، وحرب تفادي الأجهزة الأمنية.
وكان طارق اللصيق بأبيه، يواصل التعلم منه: «علمني أبي أن أعطي الأولوية لدراستي». يستعيد وصايا مثله الأعلى: «كان يقول لي دائماً: الفاشلون في الدراسة هم الذين تستغرق السياسة حياتهم».
تعلم أيضاً فنوناً أخرى، ففي تلك السنوات كان كتاباً في الماركسية كفيلاً بقذف صاحبه في ثقب أمني أسود. «كان أبي يغلف كتبه المحرمة في قصدير، ثم يخبئها في جوانب فرن المطعم».
سهل على رئيس الطباخين إخفاء كتبه، لكنه لم يتمكن من كسب حربه الأخرى.
كان بساط الريح يقترب بصاحبه من الثقب الأسود.
ويتذكر طارق أحداث 11 فبراير 1983 جيداً: «طلب مني (ح. ع) وهو أحد رفاق أبي، أن التقيه أمام أحد المحلات الشهيرة في شارع الزبيري». «ذهبت في الموعد المحدد، ولم أجد رفيق أبي»، كان (ح. ع) قد وقع في قبضة رجال الأمن الوطني.
مساء اليوم نفسه ذهبت إلى بيت عمي علي عبدالله حاشد (زوج عمة طارق) كان الخطر يحيط بالبيت. «لم أدخل، بل خرج رجلاً متأبطاً مسدساً»، وقد أومأ إلي عمي بطلب المغادرة، وقد تجاهلوني لصغر سني».
بعد منتصف الليل اعتقل علي عبدالمجيد، وأخوه الأصغر أحمد عبدالمجيد، وزوج أخته علي عبدالله حاشد، وكانت تلك نقطة فاصلة في حياة طارق، بعدها كدح ليكمل تعليمه، وخبر محناً لا تحصى، واستطاع مرات عدة أن يجتاز مطبات أمنية، وتمكن قبل سفره إلى الصين عام 86، للدراسة الجامعية، أن يحقق ضربة مزدوجة ضد الأمن الوطني، إذ تحصل على شهادتي حسن سيرة وسلوك للغرض نفسه (السماح بالسفر من قبل الجهاز الأمني ذي المهابة والسطوة). ومعلوم أن السفر إلى الخارج للدراسة كان يقتضي الحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك من الأمن.
تخرج طارق في 1992، وهو ينتقل بدواعي العمل بين عدة محافظات، حالياً يقيم مع زوجته وأطفاله في تعز. ولم ينس في تصريحاته لـ«النداء» أن يعبِّر عن امتنانه لخالته منى (زوجة أبيه): «لقد أحسنت تربية إخوتي»، قال معتزاً بها.
الإبن الذي يبحث عن سر أبيه، يحمل في جيبه آلة حاسبة، وإذ يفتح غلافها مرات عدة في اليوم، يعانق وجه أبيه، ومتى صادف طباخاً في فضائية، سافر عبر الزمان وراء مذاق كيك عزيز المنال لكنه لا يلبث أن يهوي في بئر حرمان لاقرار له، فإذا هو يتمتم: أشتي أعرف أيش مصيره؟
 
 

***
 
 

شراكة عمر مع الغياب!
 
 

 بشرى العنسي
 
«راح عمرنا مع الغائبين»، قالت منى عبده حسن الزوجة التي أمضت حتى الآن نصف عمرها في انتظار شريك العمر.
منذ رمضان الفائت تقيم في العاصمة في منزل ولديها فتحي وشفيع، وذلك لغرض مداواة آلام في العمود الفقري.
«تعبت… تعبت.. من بعد ما ضاع»، قالت لـ«النداء» ساعة زارتها قبل أسبوعين. وخلال اللقاء كان يحيط بها شفيع وزوجته، وحفيدها سامي، وابنها البكر فتحي.
لم يكن تعبها طريقها إلى الراحة. كانت في الخامسة عشر عندما تزوجت من علي، ورزقت بطلفها الأول فتحي مطلع السبعينيات، ثم انجبت فتحية وشفيع ووائلة التي كانت في الثانية عندما ألقي القبض على أبيها.
اضطرت أن تعمل لتربي الجهال وتدرسهم.
«سجنوهم وما همش داريين أن بعدهم أسر». قالت هذه العبارة الحارقة بلغة محايدة، لكأنها تدين عصراً بأكمله. وهذه الإدانة المضمرة هي الوسيلة التعويضية لمقاومة الشر القابع في السجن وفي القصر.
كان فتحي في العاشرة، وقد اضطر للعمل في القرية باليومية، لمساعدة أمه، وكان على منى أن تعمل أيضاً. «كنت أشقي وأحجن وأصرب»، استعادت الأيام السود: «درستهم وربيتهم والحمد لله، لكن لو تدري كم تعبت!»، وأردفت: عشنا منتظرين ذلحين شيخرج، ذلحين شيخرج، ربيت ودرست، وانتظرت».
كبر الأولاد وتخرجوا وتزوجوا وبقي السؤال يلازم منى: «كل الذين اشتغلوا بالسياسة وسجنوا خرجوهم، إلا هو ما حناش داريين وينه».
 
 
 
***
 
 

رحلة قسرية إلى سقطرى!
 
 

فهمي السقاف
 
عبدالسلام عمر حسن، مهندس طيران، برتبة ملازم خريج الاتحاد السوفييتي (سابقاً)، شاب طموح علقت أسرته عليه آمال كبيرة مضافة إلى أحلامه وآماله الخاصة عليه السعي لتحقيقها.
لكن، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ لم تتح له فرصة، لتحقيق شيء مما يصبو إليه وما تصبو إليه أسرته؛ كان هناك من فتح أبواب الجحيم لتتطاير حمماً وشظايا وأزيز رصاص في ال13 من يناير 1986.
كان في عمله عندما بدأ الاقتتال. لم يكن يحمل سلاحاً، وذلك شيء عادي حينذاك في معظم وحدات القوات المسلحة في عدن، تجد ضباط وأفراد تلك الوحدات دون سلاح إلا المناط بهم أداء بعض الواجبات والمهام كالحراسة، فقط بعض كبار الضباط لديهم مسدسات.
غادر رفقة 4 من زملائه في العمل. حالما سنحت لهم فرصة غادروا معسكرهم عائدين لمنازلهم وأسرهم مدركين أن لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث من قتال إذ لم يوزع عليهم أي من الفرقاء سلاح ليشاركوهم جنونهم الذي تلبسهم قبيل عدة أشهر ولم يسع أحد ممن كان يفترض فيهم أنهم مسؤولون لكبح جماح هذا الجنون الذي ترك ليتفاقم.
كان جل همهم أن يصلوا إلى منازلهم بسلام. مضوا في طريقهم حتى بلغوا جولة كالتكس، كانت كل جولات عدن وتقاطع طرقها نقاط تفتيش استخدمت منذ الطلقة الأولى.
أوقفوا، طُلب إليهم إبراز بطائق هوياتهم إذ كان الاعتقال حينها حسب الهوية. إذ لا يهم إن شاركت في القتال الدائر حينها من عدمه، المهم من أين أنت جغرافياً يُحدد مصيرك.
وهذا ما حدث لعبدالسلام وغيره كثر، كانوا خمسة -بحسب شاهد عيان اتصل بأسرة عبدالسلام- اقتادهم شخص يدعى «عبدالحميد» من جولة كالتكس إلى سجن المنصورة ليلبثوا فيه يوم أو بعض يوم، ويرحلوا إلى معتقل «مدرسة النجمة الحمراء» هناك اكتشف أحد السجانين أن من بين نزلاء المعتقل من يمت بصلة قرابة للمعتقل القادم «عبدالسلام».
وهكذا كان على عبدالسلام مواصلة رحلته القسرية ليصل إلى سجن الضالع (قصر الأمير شعفل).
مطلع فبراير 1986م وصل إلى منزل عبدالسلام شخص قادم من الضالع (أحد عناصر الأمن) ليبلغ والده بأنه رأى إبنه في سجن الضالع. طلب الأب من «فاعل الخير» أن يصطحبه معه ليزور إبنه ويطمئن عليه. رفض عرض والد عبدالسلام بحجة خوفه عليه من ان يُزج به في السجن إلى جوار إبنه، مقترحاً بأن تذهب الأم عوضاً عنه لسجن الضالع علّها تتمكن من زيارة ابنها، لأنها امرأة واحتمال زجها في السجن مستبعد جداً. رفض الأب المقترح خوفاً مما قد ينالها من عنت وإذلال.
 لاحقاً أبلغ شخص متعاطف مع الأسرة، أم عبد السلام، بأن إبنها ومعتقلين آخرين واصلوا رحلتهم الاجبارية من الضالع إلى سجن المشاريع بعدن. ذهبت هي لزيارة قريب لها معتقل في سجن الفتح دقائق سُمح لها. وقبل نهاية الزيارة يتلقى قريبها ضربة بعقب بندقية حارسه على ظهره ليدخله زنزنته مرة اخرى، هناك عرفت أنه يمضي «عبدالسلام» في رحيله الاجباري إلى سجن الفتح الشهير قادماً إليه من سجن المشاريع. ويفيد شاهد عيان أسرة عبدالسلام بانه تم ترحيل مهندسي الطيران الارضيين والجويين وأيضاً الطيارين المعتقلين على متن زورق إلى جزيرة سقطرى. رحلة قسرية صوب المجهول حتى اللحظة: متى ينتهي هذا العبث بمصير انسان هذه البلاد. من حق هذه الأم معرفة مصير فلذة كبدها. إن كان على قيد الحياة أين هو؟! وإنْ كان صُفي جسدياً فمن يدل أمه على قبره؟
أسرة عبدالسلام تتسلم، بعد متابعات مضنية، من الدولة راتباً هو أقل من راتب جندي وهو الذي اختفى قسرياً برتبة ملازم أول.
 
 
 
***
 
 
 
اطفاله ينتظرون 13 عاماً:
ما زال باب منزل داوود مشرعاً
 

فضل مبارك
 
13 عاماً وما زال باب منزلهم مشرعاً على مصراعيه بانتظار طرقات الغائب الذي خرج في يونيو من العام 1994 ولم يعد حتى اللحظة أو يسمع كلمة عن أخباره.
طفلاه مروان وعبدالرحمن لم يطعما بعد الفرحة بكلمة «بابا» التي يتباهى بها أقرانهما في قرية الدرجاج بمحافظة أبين. وغابت عنهما فرحة انتظار الأب نهاية كل نهار، وهو يحمل لهما كيس الهدايا من سوق المدينة.
خلف مروان وعبدالرحمن تقف أم حزينه بقلب عصره الشوق لزوج غائب ما زال اريجه يفوح في ارجاء البيت، ولهفة مع كل طرقة باب لعل وعسى وبروح مهجوسة بالخوف على مستقبل اطفال لم يعد لهما في هذه الدنيا من شيء حتى فتات العيش بعد ان تم قطع راتبه واستثنائه من أية اعانة، هو الذي قضى جل عمره في خدمة الوطن الذي غيبته دهاليزه في ظرف اكثر غموضاً.
كان داوود محمد يحيى ينأى بنفسه عن مماحكات السياسة ويرفض الانجذاب خلف التنظيرات الضيقة التي لا ترى في الوطن سوى المصلحة الذاتية، حزبه هو الوطن اليمني ككل.. وعمله هو كل حياته. نذر نفسه لنحو ثلاثة عقود من الزمن في تربية الأجيال وتخرج على يديه آلاف من الطلاب في تلك المناطق النائية من جبال يافع التي جاء حظه الوظيفي ان يكون فيها ولم يتذمر، كان قانعاً. يشعر أن أداء رسالته في هذه المنطقة الى عافها ابناؤها ورفض العمل فيها كثيرون، تعد وساماً رفيعاً على صدره.
وعندما شكلت وزارتا الخدمة المدنية والمالية عام 92 لجاناً لصرف رواتب الموظفين كان داوود في حالة مرضية (نفسية بحسب افادات وتقارير طبية رسمية أصيب بها) لم تسمح له بمقابلة اللجنة آنذاك وبعد ها باسبوع أخذ في المتابعة ولكن صنعاء حبالها طويلة لم تشفع له. وداخ السبع دوخات دون ان يحظى لا بيلح الشام ولا عنب اليمن، سوى المذكرة تلو الاخرى. وتوجيه ينطح توجيه ما زاد حالته سوء وصحته تدهوراً وهو يرى نفسه عاجزاً عن تلبية أبسط طلبات معيشة اسرته.
وعندما قامت الحرب المجنونة بين الاخوة الأعداء في صيف 1994 خرج من منزله في قرية الدرجاج بمحافظة أبين.. ولم يعد حتى اللحظة.
ظروف أسرته المغلوبة على أمرها والتي تعاني شطف العيش لم تمكنها من البحث عنه سوى السؤال في نطاق محدود، دون جدوى. كما أن حالتها لم تسعفها لمتابعة الحصول على راتبه كحق مشروع.. نظراً لما تتطلبه المتابعة من جهد وترحال.
 
 
 
***
 
 
الوزيرة المحاطة ب(9) مختفين من أُسرتها.. أي طريق تسلك؟
 تفاصيل في الأعداد القادمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

***
 
 
 
أصداء..

بعد نشر الحلقة الأولى من هذا الملف،  بث موقع «نيوزيمن»، بالاتفاق مع الصحيفة، مقتطفات منه. وكان الملف موضوع نقاش المنتدى الذي يوفره الموقع لمتصفحيه لإدارة نقاش حول القضايا المهمة التي تشغل الرأي العام. فيما يلي عينة من الأصداء التي تولدت عن الملف.
< أذكر الأخوة في وزارة حقوق الإنسان إلى إنه وفقاً للإجراءات الدولية المتبعة للإبلاغ عن حالات الاختفاء إلى الأمم المتحدة، فأنة يحق لأية جهة أو أسرة أو حتى فرد أن يتقدم مرة وثانية وثالثة.. الخ للنظر في حالة اختفاء معينه.. هذا يعني إن الحالات التي استبشرت الوزارة بإغلاقها واعتبرت ذلك انتصارا تحقق بجهدا جهيد.. تلك الحالات يحق لها أن تفتح من جديد بتقديم رسالة لا تتعدى الثلاثة أسطر. لذلك فإن الحل لا يكمن في إغلاق الملفات، بل علينا أن نعمل على إيجاد الحلول و لكل حالة على حدة.. وفقاً لما تنص عليه قوانيننا الوطنية و أخلاقياتنا الإنسانية والمعايير الدولية ذات الصلة بهذه الحالات، ومبادئ العدالة والإنصاف.. وباتفاق الثلاثة الأطراف ” الحكومة، أسر المفقودين، والأمم المتحدة “. بهذه الطريقة فقط نضمن بان تغلق الحالات وتطوى الملفات وأن لا تفتح من جديد. وهنا سيرتفع رصيد بلادنا أمام الدول في حرص حكومتنا على مصالح مواطنيها وفي رايتها لحقوقهم ورفع المظالم عنهم وإحقاق الحق لصاحبه. حينها ستنعم بلادنا بسمعة حسنة.. يمكن أن تستفيد منها للترشح إلى عضوية مجلس حقوق الإنسان.
محامي أسر المفقودين 
 < أشكر الأخوة في صحيفة النداء على تبنيهم لهذا الملف الحقوقي الشائك والبالغ الأهمية كما أن الشكر موصول لموقع نيوز يمن الذي سيثري الموضوع بهذا المنتدى وهي بداية طيبة وبادرة عظيمة لإثارة هذا الملف الذي عزف عنه كثير من المهتمين والحقوقيين رغم أهميته كونه ملفاً استثنائياً والصبغة الإنسانية فيه الأكثر إثارة، وأهمية والمطلوب تضامن الكافة من أجل توضيح ملابسات هذا الملف وضحاياه والذي سيظل مفتوحا طالما يخرج أصحابه من السرداب المجهول.
  هاشم عضلات  
< مع احترامي لوكيل الوزارة إلا إنه لم يكن موفقاً في معالجته لهذا الملف الشائك، بل إنه يزيد الطين بله، فهو بجهوده التي رواها بزهو، يبين لنا بأن الوزارة تعمل على حرمان أسر المختفين قسرا من حقوقهم المشروعة دوليا في التعويض العادل وفقا للمعايير الدولية، وحقهم في معرفة مصير أبنائهم، واسترجاع مقتنياتهم وزيارة قبورهم، ونيل حقوقهم الوظيفية، الأدبية والمعنوية وغير ذلك، علما بأن راتب نهاية الخدمة حق يناله الحي والميت على حد سوى.. ولا يعتبر تعويضاً عن حالة اختفاء قسري. وأطمع من الأخ الوكيل بأن يتبنى مشروع قانون يقضي بأن المختفين هم شهداء، عسى ربي يكتبه له في ميزان حسناته. كلي ثقة من إن الأخت الوزيرة تقف إلى جانب حقوق أسر المخفيين، وستعمل على تصحيح مسار متابعة هذا الملف بما يضمن نيل كل ذي حق حقه. وكفاية تدليس، فهؤلاء هم أبناء وطننا الغالي، ولا يجوز دفنهم مرتين.
أسرة مفقود 
< أقول وبقناعة، بأن هذا الملف يشكل نقطة سوداء في تعاملاتنا الوطنية والإنسانية. كيف لا والعشرات من أبناء وطننا لا يزال مصيرهم مجهول رغم انقضاء عشرات السنين على اختفائهم. لمصلحة من تمييع مطالب أسر المختفين قسرا؟. لمصلحة من السعي لإغلاق مطالبهم؟ أليس ذلك يخدم الجناة؟ مع قناعتي بأن حكومة بلادنا ليست طرفا في اختفائهم.. لولا إن أسلوب التعامل معها رسمياً يوحي بتلبيسها هذه المشكلة.
مراقب
< معانة الأسر والمتعاطفين وغيرهم، لا تحتاج إلى تبيين، ومع ذلك فإن وزارة الحقوق بدلاً من أن تعمل على لملمة تلك المعاناة، نلمس بأن جهودها تنصب على تمييع قضايا الاختفاء, وكأن حكومة بلادنا طرف في تلك الإختفاءات، وكأنها تؤازر من قام بمثل تلك الإنتهاكات.
متعاطف 
< الشكر للإخوة في صحيفة النداء علي جهودهم في متابعة القضايا الإنسانية بكل حيادية فحقوق الإنسان وكرامته يجب ألا تكون وسيلة للمناورات السياسية كما يرى البعض، ففي الحوار الذي أجرته النداء مع وكيل وزارة حقوق الإنسان كان الوكيل في موقف الدفاع علي عكس المحاور الذي كان في موقف الصحفي الباحث عن الحقيقة ليس إلا. قضايا المخفيين قسرياً يجب التعامل معها كقضية يمنية تعني اسر المخفيين وتعنينا كيمنيين قبل أن تعني المنظمات الدولية، وعلى كل من يرى غير ذلك أن يضع نفسه مكان المخفي قسرياً أو أسرة المخفي ليدرك ما تعانيه تلك الأسر.
يجب علي وزارة حقوق الإنسان والجهات المعنية التعامل مع هذه القضية علي أساس إنساني بحت و القيام بتحقيق محايد يقنع أسر الضحايا ويعوضهم تعويضاً عادلاً كونهم ضحايا قضايا سياسية، وما المانع من أشراك أسر المخفيين قسريا ومنظمات حقوقية في التحقيق؟
محمد شمس الدين  
< في يوليو الماضي أعلن الوفد الحكومي المعني بإغلاق ملف الاختفاء القسري المنظور لدى الأمم المتحدة عن ما حققه من انتصار وقدرة على إغلاق 46 حالة اختفاء، وذلك بعد أن استفاد الوفد من عدم وصول وجهة نظر الأسر المعنية بتلك الحالات على ردود وتبريرات وزارة حقوق الإنسان، وبالتالي فإن الوفد الموقر له الحق في المطالبة بإغلاق تلك الحالات، وهذا ما أعلنه الوفد من طرف واحد، ولا نعرف صحة ذلك من عدمه. باعتقادي إن فترة الستة أشهر هي فترة ليست مطمئنة للوزارة التي تعد الساعات والأيام كي تنقضي تلك الفترة لتتحجج بها، وترسل وفودها للمطالبة بإغلاق الحالات المتطابقة وانقضاء المدة. السؤال هو إذا كنا حقانيين هل تعتقد ” وزارة حقوق الإنسان ” إن عدم وصول ردود أسر الضحايا هو إعلان صريح منهم على التنازل عن حقهم في معرفة مصير أبنائهم؟ وهل عدم الرد يعني موافقتهم على إسقاط حقهم في المطالبة بحقوقهم المادية والمعنوية؟ هل تساءلت الوزارة عن أسباب عدم رد الأسر على ما تم بحق أبنائهم؟ هل وضعت الوزارة الموقرة بعين اعتبارها احتمالية عدم استلام الأسر لردود الوزارة المحالة إليهم عبر الأمم المتحدة. بسبب ضعف الخدمات البريدية في بلادنا أو لصعوبة العنوان، أو لتغييره، أو احتمالية الحجر على مثل تلك المراسلات التي تكون الأمم المتحدة طرفا فيها؟
 أخواني الأعزاء.. إذا أردنا أن نكون منصفين.. علينا الاعتراف بان هذه مغالطة نغالط بها أنفسنا قبل أن نغالط بها الآخرين.علينا أن لا نتحجج بانقضاء فترة الستة الأشهر، علينا أن لا نتمسك بهذا العذر القبيح … علينا أن لا نعتبر عدم الرد هو بمثابة تنازل من الأسر عن حقوق أبنائها.. علينا يا أخوان أن نقف إلى جانب المظلوم.. اتقوا الله يا القائمين على حقوق الناس.
شقيق مفقود
< علينا أن نعي جيدا إن مسألة خطف وإخفاء أي شخص ليس بالأمر الهين.. علينا أن ندرك بان جرائم الاختفاء لا تنتهي بالتقادم، فما بالك بـ”إغلاق الملف “. إنها جرائم تظل قائمة حتى يحق الحق مهما طال الزمن. علينا أن لا نتلاعب في أرواح الناس وفي مصائرهم وحقوقهم..هؤلاء هم أبناء الوطن الذي لا نصير لهم عدا الله سبحانه وتعالى ومن بعده أجهزة العدالة والإنصاف في حكومة بلادنا الموقرة. لذا يستوجب عليكم، أنتم المسئولين في وزارة حقوق الإنسان أن لا تتهاونوا في ذلك، ولا تهادنوا، ولا تجاملوا أحداً في قضايا مصيرية تتعلق بأرواح البشر.. كسباً في عطف مسئول أو إرضاء لوجهة نظر جهة متنفذة.. عليكم أن تستوعبوا الأمور وأن تضعوها في نصابها.. إحقاقاً للحق الذي ستسألون عليه أمام رب العرش العظيم. ألفت عنايتكم يالمعنيين ب حقوق الإنسان في الوزارة الموقرة، بان فخامة الرئيس القائد علي عبد الله صالح حفظه الله لا يرضى بضياع الحقوق، فهو الأب العطوف على أبناء شعبه الأموات منهم قبل الأحياء.. فلا تعتقدوا أن الالتفاف على حقوق أسر المفقودين يتوافق وتوجهات الرئيس الأب.. ولا تعتقدوا أن مساعيكم لإغلاق ملفاتهم هو عمل يرضي الأخ الرئيس. الرئيس وتوجيهاته دائماً تنطلق من إحقاق الحق وليس العكس.. والحق في موضوعنا هذا هو الوقوف إلى جانب أسر المفقودين ومؤزرتهم في محنتهم، ومنحهم التعويضات المتوافقة المعايير الدولية الكفيلة بالتخفيف ولو قليل عن معاناتهم المزمنة. عليكم أن تتبنوا وجهة نظر أسر المفقودين، وأن تكونوا عوناً لهم أمام الجهات المحلية والدولية وليس العكس.. أسر المفقودين يروا فيكم الجهة المنصفة لهم، فلا تخذلوهم.
أسرة مفقود