تحية إلى إخواني الانفصاليين المتقاعدين العسكريين والمدنيين في جنوب ما بعد 7/7 – أبوبكر السقاف

تحية إلى إخواني الانفصاليين المتقاعدين العسكريين والمدنيين في جنوب ما بعد 7/7 – أبوبكر السقاف

لقد أنهيتم باعتصاماتكم ومسيراتكم ثم بالجمعية وفروعها، مرحلة جزر في النشاط المدني السياسي, فأعدتم لفكرة المجتمع المدني اعتبارها ومكانها، وللسياسة معناها، وللفاعلية السياسية التي تتزامن وتتوج كل جهد إنساني دورها المحوري في تحويل الأفكار والحقوق إلى واقع ممارسة عملية لا نظرية فقط. وأنتم بذلك تقدمون مثلاً وأنموذجاً حياً نَضِراً للأحزاب التي لا تريد مغادرة المقرات بحُجة أن القانون لا يسمح، ونسوا أن الأصل في القضية كلها ربط الديمقراطية بحقوق الانسان وإلا غدت لعبة مطواعة لإعادة إنتاج الواقع في ثباته، بينما تواشجها بحقوق الانسان، يجعلها أداة في تقديم وإعادة انتاج موسعة للواقع، تضيف جديداً وتجري تغييراً. والبداية في حق التصدي للظلم.
في مظاهرة الضالع قبل أيام حال الرصاص الغزير بينكم وبين الوصول إلى الشارع الرئيس، ولكن ذلك كان من قبل السلطة إشهار إفلاس سياسي، وهو في أساس حربها التي تدور في صعدة. فلو ملك الناس قنوات فاعلية ووسائل تعبير ومجالات حوار لما نشب أي قتال، فالحرب عجز يصم الجميع وفي المقدمة الدولة.
الدولة التي من أقبح شرورها أنها تريد أن تكون معبوداً، فيتحول الناس إلى عباد طائعين، مع أن ما يصنعها، وهي صنع إنساني، إنما هو المدنية الثقافية التي ترسي أسس السياسة، فتكون الدولة ضرورية ولازمة بقدر ما توظف لخدمة المدنية الثقافية، ولعل في أساس عجزنا العربي العام واليمني الخاص أننا لم نحسن استخدام آلة الدولة لمضاعفة هذه المدنية الثقافية التي تصدر عنها، فأصبحت قيداً على إنتاج المدنية، بل وتقوم بتحطيم الهيئة الاجتماعية بتفكيكها بدلاً من توحيدها فنسينا أن جوهر القضية في السياسة والاجتماع السياسي هو البنية المدنية الثقافية والاقتصادية، والدولة ليست نتاجاً لها، ولذا بدلاً من الأخلاقية السياسية (قسطنطين زريق) تعبد الانتهازية البراغماتية، ويسود ازدراء العام، والتركيز على الخاص، فاختفت العقلنة السياسية في الادارة والتنظيم والتربية، ومعها الإحتفاء المستبطن بقيمة الدولة بنت المجتمع المدني الثقافي السياسي، أي نقيض الدولة الغول العظيم الذي لا ينتج إلا الاقتتال والدمار والقبح.
صدقوني، لقد أشعلتم جذوة هذه المعاني بتنظيمكم وسلمكم ودأبكم، وأثبتم أن الثقافة التي يمر بها شعبنا منذ نحو ثمانين عاماً، أثمرت، وأن سنوات الجفاف الثقافي والحقيقة الواحدة، ثم فرصة العبودية باسم الوحدة، لم تفلح في إطفائها.
ها هي تنير الطريق وتنث الدفء في النفوس والعقول. إن «بُعْبُعْ» الإنفصالية أشبه بخيال المآتة منه بكلمة تشير إلى معنى، وإن أطلقها وزير، لا يستطيع أن يقول شيئاً يفيد، مثل سائر الوزراء، فهم جميعاً لا يقولون جملة مفيدة أو حتى شبه جملة، فكلام السلطة/ القوة يأتي من الخواء ويعود إليه. فهي لا تحاور إلا نفسها، إن «بعبع» يكشف هلعها وجزعها، وهو محاولة للدفاع عن حالة إطلاق الرصاص على متظاهرين عُزَّل في يوم تسميه السلطة عيداً، ولكن إطلاق الرصاص جريمة لا يمكن الدفاع عنها بأية ذريعة.
لقد خرجتم تدافعون عن الكرامة الإنسانية، وهي أساس كل متحد إنساني وكل دولة وكل تجمع. فإذا لم تضمن، فقدت هذه الكيانات علة وجودها، ويصبح أمر أفولها مسألة وقت. الرصاص وبعبع الانفصالية الذي نفدت صلاحيته وعمره الإفتراضي من الإفراط في السحب على رصيد مكشوف إسمه الوحدة بالقوة، يتناقضان مع كلامكم الذي يضيف جمالاً إلى لغة السياسة اليومية، «لقد أصبحنا ضحايا حسابات واقتناعات ضيقة نتج عنها مصادرة حقوقنا من رواتب ورتب ومنازل ومناصب وأرض، وعلى إثرها صودرت آمالنا وطموحاتنا في تأمين مستقبل لأولادنا. لكنهم لم يستطيعوا مصادرة إرادتنا لأنها عصية على المصادرة. ربما نستطيع انتزاع حقنا المسلوب والمنهوب، عبر كل الطرق المتاحة والحجج القانونية»(«الأيام»، 19/5/2007).
ماذا بقي من الوطن؟ إن قضيتكم العادلة صورة دقيقة لحال الجنوب كله، فيد العنف لم تترك شيئاً تمتد إليه إلا الوجود المادي البيولوجي للناس. ومن هنا فإن إعلان الإعتصام المفتوح مبادرة رائعة، حتى لا تكون المقاومة السلمية حتى العصيان المدني أمراً موسمياً. وبذلك تؤكدون أن الديمقراطية لا معنى لها بدون حقوق الانسان. وجعل الانتخابات بداية ونهاية الديمقراطية مغالطة جسيمة، فالانتخابات نهاية مسار يومي لواقع ديمقراطي، ووسيلة تغيير وتقدم. وأنتم تكررون ما يقوله كل المظلومين المهانين والمذلين عندما تطالبون بتنفيذ توجهات الرئيس. ولكن أليس أمراً محيراً أن يطالب الجميع بتنفيذ توجيهاته وعلى امتداد عقد ونصف عقد من السنين، ولا تنفذ، كأنه لا علاقة له بما حدث ويحدث؟! إن استهدافكم هذا الذي طال، كان ولا يزال جزءاً من سياسة رسمية تمييزية تدميرية موجهة ضداً على أهل الجنوب كافة، ولا بد من النظر إليها من هذه الزاوية حتى يمكن الحديث عن إصلاح أحوال الناس. عندما تصبح المشكلة مزمنة فإن هذا يدل على أنها قرار مدروس وليس خطأً عابراً أو موقفاً طارئاً. لا شك في أن عليكم أن تطالبوا الجهات المسؤولة بدأب وانتظام، وأن ترفعوا أمركم إلى القضاء، وكل هذا عمل إجرائي ضروري للتعامل اليومي مع الارادات والمصالح. ولكن القضية تبقى سياسية بامتياز ولا بد من طرحها في مكانها الصحيح هذا، لأنه لا يمكن الحديث عن المواطنة خارج دائرة الحقوق والواجبات، وأنتم تحرمون منذ سنوات منها جميعاً. فالحقوق ليست لكم، بالتعريف، والواجبات لستم جديرين بالقيام بها، بالتعريف أيضاً. فمرة أخرى: ماذا يتبقى من الوطن؟! إن حرمانكم من حقوقكم جانب من القضية الكبرى، وجانبها الآخر هو حرمان الجيش والمؤسسات المدنية من خيرتكم التي كانت تدير وتنظم شؤون دولة. أما الدولة الجديدة فليست بحاجة إليكم، فهي دولة تمت خوصصتها فأصبحت حصرية في دائرة القبيلة والعشيرة والأسرة والعصبية الجغرافية الجهوية، وأنتم لا تدخلون في محيط أية دائرة من هذه الدوائر. إن إحالتكم إلى تقاعد غفل من الحقوق حتى أبسطها، هو الوجه الآخر لإحالة الجنوب كله إلى دائرة الإلحاق والضم. هذا ما جاء في إحدى راياتكم: «من هنا نبدأ».
لقد جعلتم من الأيام القليلة الماضية عيداً حقيقياً، لأن الروح عاد إلى الشارع السياسي، وقلتم ببلاغة الفعل إن مؤسسات المجتمع المدني ليست نباتات ظل تعيش في هامش الاستيراد، بل هيئات تكوّن مع المجتمع السياسي وحدة جدلية حتى لا يكون المجتمع المدني شاهد زور في ما يسمى بالديمقراطية الناشئة دائماً.
وبالنسبة لي فقد عدت إلى التفكير في قضية تشغلني منذ 7/7/1994 ألا وهي أن البلاد بحاجة إلى حزب جديد، لا يرفض ما قبله بل يستفيد منه، ولا يكون دون مستوى قضايا الواقع الذي يمور بالمشكلات الجسام والمصيرية، ولا يتجاوزها في جموح دون كيخوتي، بل يحاول الإمساك بتلابيب الواقع بوساطة وعي مطابق له. وحاجتنا إلى التحرر من كل القيود الكابحة والتحرير الذاتي بالشجاعة والصدق، أمور لم تعد تحتمل التأجيل، من أجل وطن حر وشعب سعيد. ولكم مني تحية تقدير وإعجاب وتضامن.
27/5/2007