أبين على شفير.. تمرد – صالح علي

أبين على شفير .. تمرد – صالح علي

في أقصى شرق محافظة أبين، وفي المنطقة التي عُرفت بوعورة تضاريسها وتركيبتها القبلية.. آل باكازم أو العوالق السفلى، التي كانت تتبع المديرية الشرقية (مودية) اثناء حكم الإشتراكي للمحافظات الجنوبية والشرقية، ثم اصبحت مديرية المحفد بعد التقسيم الإداري مع قيام دولة الوحدة عام1990.
طبيعتها القاسية وشحة مواردها أكسبت اهلها شيئاً من طبيعتها تلك. استطاع أهاليها قهر كل محاولات الحزب الاشتراكي اثناء حكمه على تفتيت بنيتها القبلية. وتعد من بين قليل من المناطق التي كانت تتحاشاها سطوة النظام الحديدي آنذاك.
من بين صخور جبالها ومن تحت ركام سنين من الاهمال ووافر من الحرمان ساد تلك المنطقة، وفي ظل  غياب تام للدولة في معظم مناطقها خرج «شحتور» الضابط المتقاعد ليقود تمرداً على دولة لم تكن اصلاً موجودة في محيطه، فكل ما فيها يحرض على مثل هذا الفعل.
بدأ تمرده بحجة حرمان تلك المناطق من أبسط المشاريع الخدمية. ولم يلبث بعد ذلك أن شملت مطالبه معاناة سبع محافظات وهذا ما جاء في بعض البيانات والتصريحات التي نقلتها عنه بعض الصحف المحلية فيما بعد.
قد تكون حالة التذمر والإستياء التي تعم نسبة كبيرة من الشارع في أبين جراء بعض الممارسات لكثير من قادة اجهزة السلطة في المحافظة، قد اكسبت دعوته شيئاً من التعاطف نكاية بالقائمين على مفاصل  السلطة المحلية في المحافظة.
وحين كانت تتناوب الوساطات على التفاوض مع الضابط المتعاقد «شحتور» بهدف اقناعه بالعدول عن ما دعى له، كانت منطقة «العلم» غرب محافظة أبين عند حدودها مع  محافظة عدن على موعد مع توتر جديد خلقته تصرفات بعض العسكريين الذين دخلوا السباق المحموم على الأراضي في تلك المنطقة.
فبعد أن قام أحد ادعياء الاستثمار بشراء مساحة ألفين فدان من بعض القبائل في تلك المنطقة بهدف (كما يدعي) بناء مدينة سكنية، وقام بدفع القسط الأول للملاك من قيمة الأرض، تمرد بعدها عن دفع ما تبقى، عندها بدأ ملاك الأرض بالتلويح باستخدام القوة بالحصول على ما  تبقى من قيمة تلك الأرض.
فلجأ المستثمر إلى استقدام قوات من النجدة إلى هناك و جرت على إثر ذلك اشتباكات بين تلك القبائل وأفراد النجدة، جرح فيها ثلاثة اشخاص من ابناء هذه القبائل.
هذا الصدام جرى توظيفه باتجاه بعض النزعات المناطقية التي قيل حينها أن وقوف قوات النجدة إلى جانب المستثمر هذا قد جاء بدافع انتمائهم (أي قائد النجدة والمستمر) إلى منطقة واحدة.
ربما أن مثل هذا الحادث هو ما كان يتمنى حدوثه «شحتور» ليكسب دعوته تلك مسحة مشروعية باعتبار أن ما حصل له دليلاً  على صحة طرحه ودعواته.
لم يمر غير أيام قليلة لتشهد منطقة «العلم» نفسها  أيضاً انفجاراً جديداً للوضع وإشعال بؤرة جديدة للتقرير ولكن كانت أكثر خطورة من حيث تبعاتها.
فحين بدأ العمل بمسح مساحة تقدر بخمسمائة فدان في تلك المنطقة لشركة «مكة للإعمار» التي تتبع مستثمراً من أبناء محافظة أبين قام بشراء مساحة الارض تلك وتوثيقها واستيفاء كل الاجراءات.
قامت بعض القيادات العسكرية في اللواء (318) المرابط في محافظة أبين بمحاولة للبسط على  تلك الأرض ووقف أعمال المسح.
عندها تدخلت بعض الأطراف لحل هذه المشكلة و تفادي أي صدام خصوصاً وأن الأجواء لا تحتمل أي تأجيج بعد حالة الغليان التي تشهدها مناطق اخرى في المحافظة.
نجحت تلك الأطراف في التوفيق بين الطرفين، والسماح للمستثمر باستكمال اعمال المسح، ليفاجأ بعض المتواجدين في هذا المواقع الذين تواجدوا لحراسة الآليات والمعدات الموجودة هناك، بقوة عسكرية من اللواء (318) تهاجم الآليات والمتواجدين معها، بمختلف الأسلحة الرشاشة والمتوسطة، لتنتهي تلك المواجهة بجرح خمسة اشخاص من حراس «شركة مكة للإعمار» الذين كان يملك بعضهم الأسلحة الشخصية وجميعهم من «آل فضل». هذا الصدام كان قد اثار حفيظة قبائل «آل فضل» التي تداعت على إثره ووصل منهم المئات من المسلحين من مختلف مناطق ومديريات المحافظة إلى منطقة الحادث معلنين استعدادهم  للدخول في مواجهة مع الجيش.
كل تلك الوقائع كانت تصب كل تبعاتها وردود الأفعال الناجمة عن تصرفات العسكريين في اللواء (318) في صالح «شحتور» الذي لم يعد ينتظر غير مزيد من هذه الصدامات ليزيد من اتباعه والموالين له.
وقبل أن يسدل الستار على صدامات منطقة «العلم» قرب محافظة أبين وبعد ان وصل الوسطاء إلى الإتفاق بين الطرفين: اللواء (318) وقبائل آل فضل، إلى هدنة مؤقتة.
كانت مناطق شرق المحافظة وبالتحديد اطراف مديرية مودية وهي المناطق المحاذية لمديرية المحظر. قد شهدت اعمال قطع الطريق الرئيسي الذي يربط عدن بحضرموت احتجاجاً على الاجراء الذي اتخذه اركان حرب اللواء (318) بحق ما يقرب من ثلاثين عسكرياً من ابناء هذه المنطقة يتبعون اللواء، حين اعطى توجيهاته بنقل هذه المجموعة دون غيرها من أفراد اللواء إلى صعدة، أو خصم ما يقرب من خمسة عشر الف ريال من راتب كل عسكري شهرياً لكل من لن ينصاع لهذه التوجيهات.
تصاعدت وتيرة التهديد بين الطرفين إلى أن انتهت بقيام خمسة من العسكريين الذين اتخذ بحقهم هذا الإجراء بخطف سيارة تابعة للأمن المركزي في منطقة «محمر» شرق مديرية مودية، لتعلن بؤرة جديدة للتوتر استطاع بعض من قاموا بالتعاون الاتفاق على عودة السيارة المخطوفة خلال اربع وعشرين ساعة وكان الطرفان قد اتفقا على ذلك، وقبل مغادرة قوات الأمن المركزي المنطقة على اثر  تلك النتائج، قام أحد  افراد الأطقم التابعة للأمن المركزي بإطلاق الرصاص ليدخل بعدها الجميع في اشتباك استمر لساعات انتهى بمقتل جنديين وجرح اثنين بينما لم تحدث اي اصابات في صفوف اهالي المنطقة.
وفي تصاعد للأحداث في المحافظة شهدت مدينة جعار انفجاراً قوياً في تمام الثانية صباح يوم الاثنين في حوش منزل المحامي نبيل العمودي، ادى إلى اتلاف اجزاء من البوابة وبعض الملحقات، ولم يؤد إلى خسائر بشرية، علماً بأن المحامي نبيل العمودي، كان محسوباً على طرف آل فضل اثناء المصادمات التي حدثت في منطقة «العلم» بين الجيش وآل فضل مما يرجح أن يكون لذلك الانفجار علاقة بما جرى سابقاً.
ظهر الاثنين كان أيضاً قد شهد قيام عقيد في الأمن السياسي باختطاف طقم عسكري في منطقة «خبر» «المراقشة» بينما اخلى سبيل الجنود، ليقود الطقم إلى جهة غير معروفة.
مما ينذر بانفجار بؤرة جديدة بمنطقة الساحل لتضيف أبعاداً ربما قد يصبح الحل لكل ما جرى من احداث يتطلب اكثر مما يجري اليوم وما يقوم به الوسطاء.