سُجن سبع سنوات وقُتل عشية تبرئته

سُجن سبع سنوات وقُتل عشية تبرئته

– إب – ابراهيم البعداني
 بعد سبع سنوات قضاها في السجن بتهمة القتل، أُفرج عنه بالضمان حتى يُحضر للمحكمة أدلة براءته.
وكان قبل خروجه يعمل بصناعة الميداليات والخرز والخواتم، ويقوم ببيعها داخل السجن نفسه للنزلاء والزوار؛ لتوفير ثمن الدواء لزوجته المصابة بالفشل الكلوي، والتي كان يتطلب منها إجراء غسيل كل ثلاثة أيام.
بعد أن وجد السجين نفسه محاصراً بين قضبان حديدية بعيداً عن زوجته المريضة وطفله الذي وُلد بعد شهر من دخوله السجن، تقدم بطلب إلى محكمة الأستئناف بخصوص قضيته، يريد فيها إثبات براءته. فقرر مدير السجن منعه من صناعة الخرز والميداليات، عقاباً له على جرأته في تقديم طلبه؛ فأضطر إلى قطع أصبع يده احتجاجاً على منعه من العمل داخل السجن كان من خلاله يوفر ثمن دواء لزوجته وحليب لطفله.
في سبتمبر المنصرم قررت المحكمة الاستئنافية الإفراج عن حمود كي يتمكن من توفير وإحضار أدلة براءته، ولكن وبعد تزويد المحكمة بتلك الأدلة قُتل قبل شروق شمس يوم السادس من مايو الفائت، وهو التاريخ الذي ظل ينتظره بعد أن حددته المحكمة الاستئنافية موعداً لجلسة للنطق بالحكم.
في أول أيام عيد الفطر الموافق ديسمبر 2000، قُتلت الطفلة عزيزة قايد خالد نصر المحرزي، ثمان سنوات، على يد شقيقها عبدالحكيم عن طريق الخطأ، عقب صلاة العيد، حين كان يقوم بتنظيف سلاحه «الآلي» في حوش منزلهم الكائن في قرية المدينة -ممسى القبقبة- عزلة المسيل – مديرية فرع العدين- محافظة إب.
هرع أهالي القرية إلى منزل قائد والد المجني عليها بعد الحادثة بدقائق ووجدوا عزيزة جثة هامدة وكان شقيقهما ما يزال في مكانه مسمراً حاملاً بندقيته.
أحد الأهالي اندفع إلى داخل المنزل لمواساة والد عزيزة، وآخر لحق به يخفف عنه: هذا قضا الله وقدره…
شخص آخر جاء متأخراً حال سماعه بمقتل عزيزة وبصوت عال من خلف الجموع المحتشده يصيح: «يا قايد من قتل عزيزة…». وعلى الفور رد عليه قائد بنفس الصوت: «حمود… حمود الراعي قتل عزيزة وهرب….»!!
 وبدت ملامح الدهشة ترتسم على وجوه المجتمعين من إجابة قايد وتوجيه تهمة القتل إلى حمود… كيف حمود؟! وينه حمود؟ حمود بالجبل وعبدالحكيم و…؟ حمود بالجبل يرعى الغنم… ليش هذه الربشة.
«يا الله لو سمحتم كل واحد يروح يدور له عمل، ما حد يقترب من الجثة أخرجوا نغلق الباب». هكذا كان تصرف والد عزيزة قبل أن يذهب إلى إدارة بحث أمن المديرية وجمع بعض أقربائه ليكونوا شهوداً على الحادثة.
بعد ساعة وصل قائد إلى القرية برفقة المحقق حامد الشرعبي، وتوجه إلى مكان الحادث لمعاينة مسرح الجريمة والشروع بإجراء التحقيقات الأولية فأثبت المحقق في محضره أن آثار الجريمة أُزيلت، وأن جثة عزيزة تم غسلها.
عندما عاد حمود عبدالله طاهر إسماعيل (36عاماً) من جبل المهقف -خارج القرية بكيلو ونصف- عائداً بأغنامه إلىالمنزل برفقة عدد من الرعاة، وجد الأهالي مجتمعين أمام منزل قايد المحرزي الذي أشار لمندوب البحث: هذا حمود القاتل اقبض عليه قتل بنتي عزيزة.
لم يكن حمود قد استوعب أو عرف ما حدث. وعلى الفور قام مندوب البحث حامد الشرعبي باعتقال حمود والزج به في سجن المديرية ثم نقله بعد ذلك إلى نيابة فرع العدين للتحقيق معه بتهمة لم يستوعبها بعد. بعدها أُحيل إلى محكمة فرع العدين وفي أولى جلسات المحاكمة برئاسة قاضي المحكمة السابق عبدالله اليوسفي -الذي زار مكان الحادث للمعاينة، وأثناء قيامه بفحص مسرح الجريمة تبين له من خلال الرسم الكاروكي الذي حرره بيده بعدم صحة الإدعاء- طلب شهادة الرعاة الذين كانوا في الجبل مع حمود لرعي الأغنام، إلا أن والد عزيزة كان قد أغراهم بالمال، فامتنعوا عن الحضور وظلوا مختفين عن الأنظار.
لم يجد القاضي اليوسفي أي دليل جنائي كما أن مسرح الجريمة لا يدين حمود، ولكن الشهود ضد حمود وقفوا عقبه أمام براءته ولأن الأدلة غير مكتملة، فكان الحكم الصادر من المحكمة الإبتدائية يقضي بأن يدفع حمود الدية، وتم إيداعه السجن حتى يدفعها.
حمود شخصية قروية مسالمة، ومقطوع من شجرة، بحسب إفادة أهالي القرية لـ«النداء». وفي أحد محاضر التحقيق مع حمود سُئل عن السبب الرئيسي الذي دفع قايد خالد لاتهامه بمقتل ابنته، فتبين من خلال إجابة حمود وعدد من الشهود أن أولاد قايد خالد في شهر رمضان من العام 1424ه وفي العام 2000م قاموا بإطلاق النار على حمود أثناء قيامه برعي غنمه في أملاكهم، فقدم شكوى إلى إدارة أمن المديرية ضد أولاد قايد وأتهمهم فيها بقتله. فأرسلت قوة أمنية لإحضار الجناة إلا أنهم هربوا، وألقت القبض على والدهم، الذي تعهد بأنه سيحضر أبناءه بعد العيد لينالوا عقابهم.
تأكد قايد وأولاده أن حمود سيقضي بقية حياته في السجن لعدم تمكنه من دفع الدية، ولكنهم لم يكتفوا بذلك، فقاموا بإيذاء زوجته (نجيبة، 35 عاماً) المصابة بالفشل الكلوي، حين كانت طريحة الفراش بعدأن وضعت طفلها «عمر» بعد شهر من حبس والده. فأستخدموا ضدها شتى الوسائل بغرض تطفيشها من القرية.
قاموا بسرقة غنمها ومصادرة أشيائها، فأضطرت إلى الهروب بطفلها إلى تعز عند بعض معارفها. وعاشت على صدقات الناس وفاعلي الخير.
وبينما كان حمود في السجن يعاني مرارة الظلم، كانت تصله أخبار زوجته التي أنهارت بسبب تدهور صحتها.
فعمل في صناعة الميداليات والخرز والخواتم وبيعها لنزلاء السجن والزوار. ويرسل ثمنها إلى زوجته لتتمكن من إجراء الغسيل وشراء الحليب لطفلها، كان يكافح من داخل السجن من أجل بقاء زوجته وطفله.
سبع سنوات وهو على هذه الحالة والقاتل الحقيقي ومن معه يمرحون طلقاء. وهو محاصر داخل قبضان السجن وزوجته وطفله يعانون مرارة التشرد والحرمان.
تقدم حمود بطعن إلى محكمة الاستئناف من داخل السجن يريد من خلاله اثبات براءته فأصدر مدير السجن أمراً بمنع حمود من صناعة الميداليات.
وتوسل حمود إلى مدير السجن ولكن دون جدوى، فقرر قطع إصبعه، ورمى بها بين قدمي مدير السجن الذي هرع إلى زنزانته حال علمه بالحادثة، فقال له حمود: أنا وصلتك بإصبعي هذه، دعني أعود لصناعة الميداليات، أنا بحاجة إلى المال زوجتي سوف تموت… فسمح له بالعمل، وحرر مذكرة إلى محكمة الإستئناف، حسب طلب حمود بخصوص الطعن المقدم منه.
بعد أيام قررت المحكمة الإفراج عن حمود بالضمان حتى يتمكن من إحضار بقية الشهود والأدلة على براءته؛ فخرج من السجن في مطلع رمضان الماضي، سبتمبر 2006م، بعد سبع سنوات قضاها في السجن ليجد زوجته قد شارفت على النهاية وابنه «عمر» بانتظاره منذ ثمان سنوات.
خبر الإفراج عن حمود وصل سريعاً وإنه بدأ بجمع أدلة براءته، وإن بعض الشهود تجاوبوا معه.
وفي مساء الجمعة بعد صلاة العشاء في الليلة السابقة للنطق بحكم محكمة الاستئناف، وبينما حمود عائد إلى منزله في القرية بعد عناء يوم شديد، تعرض له والد عزيزة (قايد خالد المحرزي) وأولاده، وقاموا بإطلاق وابل من الرصاص فرقوها على أنحاء جسمه، قدرت بستين طلقة آلي.
ثم قاموا بنقله إلى داخل مسجد القرية ووضعوه على هيئة الجالس في مؤخرة المسجد… وفي هذه الأثناء كان أهالي القرية قد خرجوا إلى مصدر إطلاق النار لمعرفة ما حدث، وعند اقترابهم من المسجد التقى بهم قايد خالد الذي أخبرهم أن حمود حاول قتله بمسدسه لكنه هرب نحو الجبل عندما دافعت عن نفسي، حد قول قايد.صدقه أهل القرية وعادوا إلى منازلهم. وفي الصباح ذهب محمد عبد الباري، أحد اهالي القرية إلى المسجد فوجد حمود قتيلاً في مؤخرة المسجد. فتم إبلاغ إدارة أمن المديرية. ونقلت جثة حمود إلى ثلاجة مستشفى الثورة بإب.
كان حمود ينتظر صدور حكم براءته من الاستئناف في اليوم الثاني لمقتله «السبت السادس من مايو».
«النداء» علمت من مصادر قضائية أن الحكم الذي قضى ببراءته أيضاً حكم لحمود بمليون ريال تعويضاً عمَّا تعرض له من ظلم، وحجز حريته بدون ذنب.
لكن الجناة ما زالوا فارين من وجه العدالة، حين عجزت السلطات الأمنية عن إلقاء القبض عليهم بسبب احتمائهم ببعض مشائخ المنطقة، كما أفاد مدير أمن المديرية.
رغم التوجيهات المتكررة من النيابة العامة والجهات الرسمية، فكان رد إدارة الأمن هناك أنها قد أرسلت طقماً إلى المنطقة التي احتمى الجناة فيها.
الأسبوع الفائت قمت بزيارة «نجيبة» زوجة المجني عليه حمود وولدها «عمر»، كانت حالتها الصحية متدهورة، طلبت الحديث إليها، لكنها لم تستطع وبالكاد تمكنت من التقاط صورة لها. وحين رأيتها لم أصدق أنها هي نفسها نجية ذات ال35 عاماً.
كل ما قالته لي إن زوجها بريء ولكن والدموع تنهمر من عينيها، وطلبت منها أن تحدثني أكثر عن زوجها فلم تستطيع البوح بكلمة من شدة البكاء. فكان مني أن طلبت منها صورة لزوجها.
وبصعوبة بالغة تمكنت من المشي بقدميها إلى الداخل، وبعد دقائق عادت ومعها صورة البطاقة الشخصية لزوجها. وعندما استلمتها منها نظرت إليَّ وقالت: «حافظ عليها، هذا كل ما أملكه من ريحة المرحوم».
أما عمر الطفل الذي لم يهنأ حتى شهراً واحداً بالعيش مع والده الذي انتظره ثمان سنوات. تبسم حينما رآني وأنا ألتقط له صورة. حاولت أن أتحدث معه عن والده قال لي: «أبي طيب هو اشترى لي بدلة بالعيد، وادى لنا كبش إحنا مراعيين له يجي يشل أمي المستشفى». وأضاف: «كل يوم تدعي له».