اقرأ خبر ما قبل الطبع .. قتلوا عبدالخبير.. مات موزع الجريدة – خالد سلمان

اقرأ خبر ما قبل الطبع .. قتلوا عبدالخبير.. مات موزع الجريدة – خالد سلمان

* إلى محمد المطاع الأكثر حزناً، إلى ممرات الصحيفة الأكثرنا وحشةً وفجيعة
كان من جناحه الملكي الفاخر يضع كبير البلاد ساقيه على بعض… يصفعنا بحذائه اللامع عبر مستطيل الشاشة… وكنت أنت وحدك تطلق حزنك نافورة دم تسقي نتوءات الاسفلت في صباح صنعاء الغامق الكئيب… صباحها المتوج بأكاليل الموت وعناقيد الرصاص… كان هو يطل بابتسامة تتخطى مستطيل الوجع… وكنت وحدك عبدالخبير… تطلق زفرة الرحيل الأخير… وخلف جفنيك تتوثب لؤلؤة دمعة وحمم الاسئلة… كنت وحدك تحتضن الرصيف… تزخرفه برسوم دمك الملونة…
مات عبدالخبير… حامل زادنا الأسبوعي لعطشى الحرف وجياع كسرات المحابر… قتلوه لأنه وحده الجسد المشاع.. في فاترينة القتل المتاح البسيط.. المريح !
وحده لم يتزنر بجفير.. ونصل خنجر مشيخي سامي الجاه.. مليوني الثمن… لهذا قتلوه في صباح صنعاء الموشى بالموت الاعتيادي الرتيب… وحده عبدالخبير ينام الآن على قارعة الطريق… وحده هو المغرم بالتهنئه يكتب نعياً… يلعن بلاد دم قلبه فيها… أرخص من كأس شاي الصباح.
مساء القتل ياصنعاء… مساء القهر والموت العاهر الطليق… مساؤك مرصع اليوم بلآلئ دمه… بغدوه والرواح بين المطابع وممرات الصحيفة… بجسده المسجى وبعينيه المطفأتين.
قتلوه… لأن بين أصابعه رزمة صحيفة هي في مخاضات الولادة.. مخاضات الاكتمال لم يكن يحمل توصية القصر وشيك “المركزي”.
عبدالخبير.. ياحامل زادنا اليومي وحرفنا الغاضب… من نكبات هذه البلاد.
من يتأبط حرف الصحيفة بعدك !؟ من يجوب بأحلامنا الأزقة… يفرشها على الأكشاك والأمكنة!؟ من يعلن بعدك مع أول شعاع ضوء!؟:
الآن استوى الحرف.
الآن نضجت أرعفة الكلام.. الآن الصحيفة “كلكـ”.. الحبر أخضر… ودمك يا صديقي الآن أخضر يكتب تاريخ الاسفلت..شهادة وفاة.. وموت الآفاق وكل الدروب.. وحدك الآن مشدوهاً تلعن رداءة الأزمنة… صمت الأبسطة وحدك تبكي دمك ونشيج باعة الصحيفة المتجولين.
وحدك ترحل لتبقى.. ووحدنا نبقى لنرحل.. وعند مفترق الطريق القتل يكون غداة اللقاء.
الآن وحده عبدالخبير يتماهى مع الجريدة.. يمدد جسده النبيل الشاحب.. الفقير الحزين على ستة أعمدة… وحده ينام جرحه الحار النازف الغائر.. مشنوقاً… يتدلى خبراً لما قبل الطبع.. وحده جثماناً يتكوم ببنطاله الداكن ووجهه المدعوك بالتعب عنواناً لمانشيت الجريدة.
الآن يوزعون جراح روحك.. أصدقاؤك الباعة البائسون المتعبون.. عند إشارات المرور:
اقرأ آخر خبر.
اقرأ أخر فاجعة:
قتلوا عبدالخبير.
مات موزع الصحيفة.
لا أحد يقرأك.. دمك لايثير فضول العابرين.. ووحدي أقرأك ياصديقي نشيجاً وصلاةً.. ووحدي أُرتلك تلاوة.
لاتمسح دمك ياصديقي.. ونم.
لاتمسح لؤلؤة دمعتك ياصديقي.. ونم.
لاتئد أسئلة موتك.. اتركها لنا.. ونم.
لاتغسل بصمة الطلقة في الرأس… اتركها نكتب بذوائب بارودها أحلامك البسيطه الحافية المؤجلة.
لاتبك صباحك المغدور.. جسدك النازف البلور… “كلكـ” وحبر الجريدة.
فقط الآن نم.. الآن طر في سماء الله… وفي أرجوحة القلب ياصديقي… الآن نم.. نم ياصديقي.. ن…………م.
“كلكـ” هي الصحيفة في مرحلتها الأخيرة قبل الطبع.
slman14@yahoo.co.uk