المجدُ للشيطان!* – مروان الغفوري

المجدُ للشيطان!* – مروان الغفوري

“دائماً ما يوفّر الشيطان فرصة عمل للعاطلين”.. بهكذا معنى عميق وموجز يلخص الإنجليز الدور الذي يقوم به تجّار الحروب، في كل تقاطعات الزمان والمكان، والمقدّمات المنطقية لانهيار أشكال سياسية – وظيفيّة عُليا كالدولة. وتداعيَاً مع المعنى المجمل للأمثولة الإنجليزية هذه، أو بمقدورنا اعتبار الأمر كذلك، يكشف الكاتب الأمريكي ” جيريمي سكاهيل Jeremy Scahill “ في كتابه المخيف، المياه السوداء Blackwater، الغطاءَ عن مساحة معتمة من ميدان الحرب الأمريكية الموجهة ضد طاحونة الهواء الأشهر: الإرهاب. في الكتاب المشار إليه، كما في حوارات تلفزيونية أجريت معه، وتسجيلات ميدانية متلفزة، منشورة عبر أكثر من موقع موثوق على الشبكة، يتحدث سكاهيل عن خصخصة الحرب في العراق، بحسبانها أكبر عملية خصخصة لشؤون حرب في التاريخ. فقد أصبح، طبقاً لسكاهيل، بالإمكان أن تدار المعركة الحربية من قبَل شركة أمنية، حسب الوظيفة التقليدية المتجاوزة واقعاً، على درجة عالية من الكفاءة والخبرة القتالية، وأن تنجح في إدارة – خوض حرب حديثة لحد قدرتها على أن تغزو دولاً كبرى ذات سيادة، كما افترض محمد حسنين هيكل، مشيراً إلى كتاب سكاهيل، من خلال قناة الجزيرة. هذه الشركات، مثالها الراهن: بلاك ووتر، تحرص على أن توظّف ضمن تشكيلاتها الميدانية، الذين تسميهم بالمقاولين أو المتعاقدين Contractors، عناصر من ما يعرف تاريخيّاً وحديثاً بفرسان مالطا، ومطاريد الحروب والهاربين من العدالة والمهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.. بالإضافة إلى نماذج عسكرية أكثر إنحطاطاً، مثل حرس حكومة الدكتاتور التشيلي السابق أوجستو بنوشيه، وحكومة الصربي سلوبودان ميلوسفيتش، وأفراداً من نظام الحكم العنصري السابق في جنوب أفريقيا، وحكومات أفريقية دكتاتورية منهارة. يحدث هذا، في واحدة من أبشع ما يمكن أن يكون تشكيلاً جديداً من تشكيلات القرصنة المرسملة والأنيقة، وتحت الحماية السياسية والقانونية من سدنة الحريّات في البيت الأبيض؛ في ما يمكن أن يكون تجسيداً حيّاً للصورة الهوليودية الشهيرة لمقاتلي الفايكنجس، عصابات نيويورك، وقراصنة الكاريبي!مالية.
في عملية الخصخصة هذه، تقوم شركات كبيرة، مثل بلاك وتر أو حتى جماعة فرسان مالطة، بتوقيع عقد مع الحكومة الفيدرالية، الأمريكية، تتسلم بموجبه الشركة مخصصات ضخمة مقابل إنجاز أوضاع عسكرية مقبولة استراتيجيا أو تكتيكيّاً في مكان ما وفي فترة زمنية توصف عادةً بالعاجلة. لا تلتزم الشركة في حربها بأي مرجعية إنسانية أو أخلاقية، لكونها جماعة ظل، تعمل وفقاً لقيمها السرّية الخاصة، وكقاتل مأجور يتمتّع بحماية الرأس الكبيرة. قدم سكاهيل مثالاً، ما حدث في الفلوجة حيث وصَلَت التعاقدات المالية التي وقعتها شركة بلاك ووتر مع الحكومة الأمريكية إلى حد إعطاء العنصر الواحد the contractor المشارك في حرب ” تطويع الفلّوجة” ثلاثة آلاف دولار في اليوم. وفي المتوسّط فإن الشركة،طبقاً لسكاهيل، تتسلّم مبلغ 950 دولاراً من الإدارة الأمريكية، كأجرة يومية للعنصر الواحد, في حين تقوم بدفع 350 دولاراً كحدٍ أعلى، مفسحة الطريق أمام الفارق المالي الضخم إلى جيب إيريك برينس، المؤسس. وفي تفاصيل كتابه،ولقاءاته، يؤكد سكاهيل على أن شركة بلاك ووتر قد أوفدت، بالفعل،وبالتنسيق مع الإدارة الأمريكية التي بدورها ستوفّر الغطاء القانوني الدولي للطرف الأوّل، ما يزيد عن مائة ألف عنصر مسلح مرتزق إلى العراق، يطلق عليهم سكاهيل تسمية: shadow army أو: الجيش الظل، و25 ألف عنصر مسلّح إلى أفغانستان.
ولأن الشركة كانت تأسست، في الواقع، بتمويل وإدارة مسيحي أمريكي محافظ، من نورث كارولينا، عمِل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة كواحد من أهم داعمي the funders الحملة الانتخابية لجورج دبليو بوش، فهو يعتقد بخيرية ما يقدّمه عبر شركته، وبنفعيّتها لابن الإنسان.. إلى الحد الذي دفع مجلس إدارة الشركة لإرسال آلاف العناصر ” المقاولين” للعمل على استبباب الأمن وملاحقة اللصوص، في نيو أورليانز، عقب إعصار ريتا وكاترينا.. بذات العقيدة اليسوعية المصطنعة التي تمارس بها هذه المجاميع المرتزقة عمليات القتل والإبادة في العراق وفي مناطق أخرى… لنشر الفضيلة المسيحية ودحر قيم الشر من العالم.
في لقائه مع الجزيرة، المشار إليه، أبدى هيكل استغرابه الجم حيال وصفها بأجواء الحرب الصليبية الشائعة في التفكير الأمريكي الحديث. ودلل على شيوعها اللافت، بإجباره – وهو العقلاني، هكذا قال – على ملاحظتها وتنفّس رائحتها علانية. وعليه فقد برأ الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش من زلة اللسان، في معرض تعليقه على عبارة ” الحرب الصليبية ” التي أطلقها بوش على إثر صدمة 11سبتمبر. سكاهيل، من مكانه، يحاول إيجاد علاقة عضوية بين بوش – إيريك برينس، وجماعة فرسان مالطا.، وهي علاقة ختامها ديني بكل تأكيد، الوحيدة القادرة على المزاوجة بين الشامي والمغربي. جماعة فرسان مالطه، التي سال الحديث عنها مؤخّراً، هي من رواسب الحروب الصليبيّة وتكوينات “فرسان المعبد” التاريخية الشهيرة. سكنت المجاميع المؤسسة الأولى لها في جزيرة مالطا، وتسمّت باسم ” فرسان القدّيس يوحنا الأورشليمي”. وبحسب سكاهيل، في كتابه، فإن جوزيف شميتز- الذي عمل مستشاراً لإريك برينس، المؤسس، ذكر في سيرته الذاتية أنه عضو في جماعة فرسان مالطا. جديرٌ بالذكر الإشارة إلى أن جماعة فرسان مالطا لها سفارات معتمدة في مصر، ش. هدى شعراوي، وموريتانيا والمغرب والأردن. وبوصفها امتداداً لسلالة فرسان المعبد، فمن الممكن تتبع جذورها التاريخيّة، حيث يظهر أعضاء الجماعة لأول مرّة في القدس على هيئة مشفَى لمساعدة الحجيج المسيحيين إلى بيت المقدس. يحدث، بعد تحرير القدس من قبل جيش صلاح الدين، أن ينزح الفرسان إلى جزيرة قبرص،ومنها إلى مالطه سنة 1530. إلى أن طردهم نابليون من الجزيرة، سنة 1798..يعيش الفرسان، حديثاً، في روما على هيئة خمس منظمات لها امتدادات وفروع دولية “وسفارات في بعض دول العالم”. أما أحدث نشاطاتهم، كما يجلّيها كتاب بلاك وتر، فهو خوض حروب تحت المظلة الكاثوليكية، بصورة كوربراتية – شركاتية، بالتنسيق مع محافظي اليمين المسيحي في أمريكا، مع ملاحظة أن أمريكا، بالإضافة إلى كندا واليابان وبريطانيا، من الدول التي رفضت طلبات اعتماد سفارات، أو أي تمثيل دبلوماسي رسمي لهم. ويبدو أن أمريكا، بالتحديد، ترفض التعامل مع هذه الجماعة خارج اعتبارها خزينة للقتلة المأجورين، على عكس بعض الدول العربية التي رفعت أعلامها، وبفونت عريض كتبت على المبنى الذي يقيم فيه ممثلو القتلة المأجورين: سفارة الفرسان!على أيّة حال، فإن هذا الشأن ليس من عجائب الدنيا.
محاولة سكاهيل لكشف مثل هذه المناطق الخطيرة والمهملة في الاستراتيجيات اليمنيية الأمريكية في الحرب على الإرهاب المزعوم ليست الأولى، من النوع ذاته. فقد سبقه إلى ذلك المخرج الأمريكي الشهير”مايكل مور” في فيلمه الوثائقي الأخير، فارنهايت 11، الذي عرِض قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة بأشهر،وإن كان الفيلم لم يقدم صورة واضحة عن خصخصة الحرب الأمريكية. تردد أن مايكل مور واجه مصاعب جمّة في البداية، بعد تراجع المخرج والممثل الأمريكي – الأسترالي” ميل جبسون” عن وعوده بتحمل الكلفة التمويلية، فور عودته من أوروبا، في زياراته للاحتفال بفيلمه” آلام المسيح ” آنئذٍ. ميل جبسون تحدّث لمورعن ضغوط من قبل نافذين في البيت الأبيض، حذروه من الخوض في قضايا متعلّقة بالأمن القومي الأمريكي، وأن لا يجاري مور في هوسه وجنونه… وأن هذه الضغوطات وصلت لحد التهديد بسحب الجنسية الأمريكية منه. نقطة التقاطع بين فارنهايت وكتاب بلاك وتر ربما لا تتجاوز اللقطة التسجيلية السريعة التي عرضَها مور لسماسرة يخرجون من سياراتهم، في أماكن عامة، مصطحبين نماذج تقديم طلب التحاق، يعرضونها على المارة من الشباب. لم يكشف مور عن حقيقة هذه النماذج، كما من الممكن أن لا يكون مور، أو أي شخص آخر باستثناء القليلين، قد اطّلع على الحقيقة التي كشفها سكاهيل، منذ شهرين فقط.
اعتمد سكاهيل في كشفه للمخفي من الحرب في العراق على “ما يعتقد أنه” تعاقد إيديولوجي بين بوش ومؤسس بلاك ووتر. ففي تقرير نشرته مجلة ” ذا نيشن – الأمة ” الأمريكية يقول سكاهيل: إن مؤسس الشركة إيريك برينس يتشارك مع بوش في معتقداته المسيحية الأصولية، حيث جاء من عائلة جمهورية نافذة في ولاية ميتشيجان، وأبوه إيدجار برينس ساعد جيري بوير لإنشاء مركز أبحاث العائلة، وهو معني بمواجهة الإجهاض والزواج المثلي أيضاً، يصب هذا التفسير في مصلحة العرض أعلاه.
وبالعودة، من جديد، إلى شركة بلاك ووتر.. ففي تعريفها بنفسها، تضع الشركة على واجهة موقعها الإليكتروني هذه الخصيصات: نتطلع/ نعمل على دعم الأمن، السلام، الحريّة، والديموقراطية في كل مكان في العالم. وأما ما لم تذكره بيانات ودعايات التعريف بالشركة فهو ما قبض عليه سكاهيل، محدثاً زلزالاً يبدو أن بؤرته ما زالت نائمة حتى اللحظة.. فبحسبه، يناضل أعضاء مجلس إدارة الشركة من أجل اعتبارهم خارج القانون العسكري واتفاقيات جنيف وكافة الإعلانات الأممية المتعلقة بأخلاقيات الحرب. ويبرّرون ذلك، مجلس إدارة الشركة، بكونهم يعملون ضمن أسرارعسكرية أمريكيّة قد تؤدي أي مساءلة قانونية تجرى معهم إلى تعريض الجيش الأمريكي للخطرMay put our troops in jeopardy “..وبالعودة إلى مقدمات الحرب على الفلّوجة، فإن القتلى الذين أحرق المقاومون العراقيون جثثهم على نحو مهين، يوم31 مارس 2004، كانوا من مقاولي”مرتزقة” شركة بلاك وتر، بالتحديد: من العناصر النوعية عالية التدريب والكفاءة. وقد ركز سكاهيل في كتابه كثيراً على سرد السيرة الذاتية والعسكرية لهذه المجموعة النوعية من القتلى، ففيهم خبير عسكري من المشاركين في حرب فيتنام، وبينهم مدرب طيران حربي عالي الكفاءة،وآخرون تشير سيرهم الذاتية إلى مستويات عالية من الأهلية والخبرة، يمتازون بها. وإن كانت المفاجأة التي يريدها سكاهيل تكمن في انكشاف أمر هؤلاء القتلى، بوصفهم عسكريين أمريكين رسميين، بالإضافة إلى كونهم مرتزقة Mercenaries. لقد كانت تلك اللحظة هي لحظة مقديشو Mogadishu Moment، في الحرب، طبقاً لسكاهيل. بيد أنه على عكس رد الفعل الأمريكي تجاه ما حدث لعناصر المارينز – 93م في الصومال من إهانة تجاوزت حد السحل وتشويه القتلى وزعزعة الصورة الأسطورية لعناصر المارينز، هكذا يلاحظ سكاهيل، حيث لحِق بهذه الضربة الصومالية العبقرية انسحاب أمريكي من الصومال، فإن الرد الأمريكي على حرق قتلاه في الفلّوجة كان مدمّراً، وعارٍياً عن أي التزام أخلاقي أو مرجعية إنسانية، وكان عاجلاً أيضاً. وإذا كان انتماء القتلى إلى بلاك ووتر واضحاً ومعترفاً به، كما يجادل سكاهيل، فبالمقدور الآن تفهّم إيكال القيادة الأمريكية أمر الفلّوجة إلى مجموعات المرتزقة، المدعومة بالطيران والعتاد الثقيلـ” يشير سكاهيل إلى امتلاك إيريك برنس، اليميني مؤسس الشركة، لأسطول من عشرين طائرة حربيّة”.. وأيّاً يكن أمر بلاك ووتر، فبالمجمل سيمكن إضافة هذا الفصل الجديد إلى فصول الشيطان في العراق، كجرائم التعذيب في أبوغريب ونظائره، وفظاعات استخدام اليورانيوم المخصب والمنضب، مروراً بإشاعة المجازر الطائفيّة ونهب البترول وسرقة مليارات الدولارات.، ولن تكون بلاك ووتر، أو المياه السوداء، آخر ماء أسود يرتطم به الدم العراقي! الذي خرج، طبقاً لجارودي في ” حفارو القبور” إلى عصر ما قبل الصناعة.
 
* العنوان من قصيدة «كلمات سبارتكوس الأخيرة» لأمل دنقل.
thoyazan@hotmail.com