عن مدينة سقطت من خارطة اليمن – عارف أبوحاتم

عن مدينة سقطت من خارطة اليمن – عارف أبوحاتم

اللحظة الوحيدة التي تشعر فيها بوجود الدولة وأنت في القاعدة، هي عندما يسقط حجر من سور بيتك فترجعه إلى مكانه، هنا يحضر طاقم مكتب البلدية بالكامل، مثل المنتخب، يطالبون برخصة البناء، ورخصة الشراء، وقسيمة إزالة المخلفات، وحق القات، والهيلوكس التي نقلتهم… هذا بيده إشعار المخالفة، وهذا يحمل دفتر الرخص، وذاك يخرج “المتر” ليقيس كم بنيت بدون إذن..؟ وصوت المذياع من داخل الهيلوكس يجدد قراءته لأهداف الثورة، مصحوبة بموسيقى “دان ويدان”.
تجربة المجالس المحلية لم تضف شيء للمدينة غير وجود صور المرشحين على الجدران؛ مع تحركات وجهود مبذولة –لا أحد ينكرها-من بعض المرشحين نجحت في أشياء، وأخفقت في أشياء أخرى، حين اصطدمت بقوى الفساد، فلا أحد ينكر جهداً طيباً قام به عبدالرحمن مجلي، وأحمد حسن، وقحطان أبو راس، ومع هذا لا تزال المدينة ترزح تحت وطأة الإهمال، والمرض، والعطش، والظلام، وغياب الأمن.. وهذا الأخير أعقد المشكلات..
من يدخل القاعدة في عهد مدير أمنها السابق يشعر أنه دخل “سوق بكارة” للسلاح في مقديشو؛ حيث الناس هناك يتباهون بمن يقتل أكثر، ولو تذكرت المدينة أبناءها الذين قتلوا فيها خلال العشر سنوات الأخيرة لما أفاقت من الإغماء.. أتذكر المواطن أمين أحمد غالب حين ادعى إن لديه “شريفاً” من الجن يدعى “سراج”، فأطفأه أحد رجال الأمن ذات نهار في بوابة إدارة الأمن، بطلقة واحدة، وقاسم عنتر لقي مصرعه على يد ذات القتلة، بعد أن أصابوا ابنه “بسام” بعدة طلقات.. قال لي حينها مدير أمن المحافظة إن الولد ممن يثيرون “البلبلة والشغبـ”… ظنه سبباً كافياً لقتل الأب وإصابة الابن.
وقصة أخرى: شاب طائش مضى يطلق نار مسدسه وسط السوق، اخترق الرصاص يد أستاذه (محمد) واستقر في قلب المواطن “عبده عبدالله مرشد”… وهكذا فوضى تملأ المكان… لست في سوق بكارة، بل هنا في مدينة القاعدة، حيث أصبحت الآن أفضل حالاً مع مدير أمنها الجديد عبدالسلام الخراشي.
ذات زمان بعيد استقبلت القاعدة شخصيتين جليلتين جاءتا من مرتفعات الجعاشن، ليس نزوحاً من ظلمٍ يمارس هناك، بقدر ما كان حباً بـ”القاعدة”، المدينة المتوافرة على متطلبات الحاجة.
إحدى هاتين الشخصيتين كنا ننعته بـ”الأستاذ” تقديراً وإجلالاً… كان مديراً للمعهد العلمي الوحيد في المدينة… جلبة الأضواء والسمعة الطيبة للأستاذ فؤاد يحيى منصور دفعت به لتولي رئاسة هيئة المعاهد بمحافظة إب، ومسؤولاً تنظيمياً لحزب الإصلاح، ولاحقاً عين وكيلاً للمحافظة، وعضواً في اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي الحاكم، أما الشخصية الأخرى فكانت أكثر ذكاءً حين تمكنت من حصد المقعد البرلماني الوحيد المخصص للمدينة في دورتي 1993م-2003م، ليصبح أسمه بعد ذلك النائب الإصلاحي عباس أحمد النهاري، مضافاً إليه عند أهالي القاعدة صفة “العلامة الجليلـ”… وهو كذلك بالفعل.
الأول صعد من مدينة القاعدة وكيلاً للمحافظة، والآخر نائباً عن أهلها في البرلمان، فرقتهما السياسة، وجمعهما النسيان… نسيان “القاعدة”، الحاضنة الأولى لمشروع شخصيتهما، وأتوقف عند مفردة “النسيان”، ولا أقول “النكران” حتى لا أجرح أحداً.
كان من الممكن للنائب البرلماني أن يتابع ويتوسط لدى الجهات التنفيذية في تحقيق أي شيء للقاعدة، ولو توفير “برميل قمامة”، ويفترض في وكيل المحافظة أن يدعم من موقعه التنفيذي عمل ما أمكن لهذه المدينة، ولو شفط سيل المجاري من وسط الشارع العام، حتى يمر موكب فخامة الرئيس والسادة المانحين دون إحراج !!
إهمال مبالغ فيه لمدينة كانت قاعدة للأتراك إبان حكم العثمانيين، وقيل جاءت التسمية من صفة القعود، إذ كانت استراحة للتجار القادمين من محافظات الشمال (إب وذمار وصنعاء)، وتجار المحافظات الجنوبية (تعز، ولحج، وعدن)، ولا يزال سوق الجمرك شاهداً على عصر مضى، وما من مسؤول في البلاد إلا ومر أو استراح بالقاعدة بدءاً من الإمام أحمد الذي زارها مراراً، وانتهاء بالعميد علي القيسي محافظ إب… ولا أظن أحداً منهم سأل عن حال المدينة واحتياجاتها!!
أيام قليلة تفصل أهالي محافظة إب عن احتفائهم باحتضان العيد السابع عشر للوحدة اليمنية، فيما القاعدة التابعة لذات المحافظة ترقب الاحتفال بعينها الدامعة،وحزنها الغائم، كأنها مدينة سقطت سهواً من خارطة اليمن!!
في الشمال الغربي تقع “ذي سفالـ” مجموعة مساكن متناثرة، وهي المديرية التي تتبعها القاعدة، وفي الشرق تقع أصغر قرى المديرية “خنوة”، وهذه أيضاً هي العزلة التي تتبعها القاعدة !!… إهمال ونسيان متعمدين لأكبر مدينة ثانوية في اليمن، إذ لم يفكر الجهاز الإداري للدولة أن يرقي القاعدة إلى مجرد مديرية أو حتى عزلة !!
النافذون في هذا البلد امتصوا خيراته، وعطلوا مشاريع تنميته،وقرارهم في اليمن؛ كما لو أنه قرار أممي لا رجعة فيه، نافذ صغير في القاعدة حرمها من مشروع مياه، حتى يظل أبناؤها تحت وطأة العطش الدوري، فالمياه تصل البيوت مرة كل (20) يوماً، وأحياناً كل شهر، وهي المدينة التي احتضنت “مشروع كنيدي للمياه” أول ثمار التعاون اليمني الأمريكي بعد الثورة، وذات المأساة تتكرر مع الكهرباء المنطفأة كل يوم بين (6-8) ساعات، أما في شهر رمضان فتعفى الكهرباء من الدوام في القاعدة.
من يزر هذه المدينة الآن يذب لها قلبه حزناً وألماً، كل شيء فيها مدمر، كأنها خرجت للتو من معركة طاحنة بين طالبان وقوات التحالف، حتى أراضيها الزراعية صادرتها المخططات، وهي تفتتح كل سنة شارعاً رئيسياً، وآخر دائرياً، وثالثاً فرعياً، دون أية تعويضات للأهالي، لسبب واحد وبسيط هو: أنهم مسالمون وينبذون التخريب والفوضى،لا يرحبون بحمل السلاح في وجه الدولة،ولا يفكرون بخطف السائحين، بل مسالمون مثل نهارٍ لطيف الخطى.
لا ألوم أجهزة الدولة تجاه ما فعلته بهذه المدينة، لأن المسؤولين لدينا يعتقدون أن حرمان “القاعدة” من كل مشروع خدمي، هو جزء من حرب الدولة على “تنظيم القاعدة”، وعليهم وفقاّ لذلك حرمان (150) ألف مواطن من أي مشروع إنساني.. مع أن زيارة السفير الأمريكي السابق “أدموند هولـ” للقاعدة بصحبة أحد الوزراء كان كافياً للتدليل أن لا صلة بينها وبين “تنظيم القاعدة”، وأن بن لادن ليس من أبناءها!!
في العام 1999م نشرت في صحيفة الجمهورية تحقيقاً عن طفل في العاشرة “انفطر” رأسه تحت عجلات شاحنة، كدمية طفل، كانت صورة “محمد” أشد ألماً من صورة “محمد الدرة”، مع فارق أن الأخير قتله عدوه، ولا قاتل محدد للأول، فسائق الشاحنة مجرد أداة، حاولت في التحقيق البحث عن قاتل “محمد” على قارعة الشارع العام، حيث قُيدت القضية ضد الزحام الذي سببه الباعة المتجولون مع مرور الشاحنات، قيل يومها إن المجلس المحلي ومكتب البلدية يقتسمان (100) ريال عن كل (عربية)، وهنا ينتهي دورهما في تنظيم سير المرور، ويبدأ دور الفساد!!
وفي العام ذاته بدأت حملة في الصحف أطالب فيها بتحويل مستوصف القاعدة الوحيد إلى مستشفى، ولو “ريفي” حتى يتمكن المرضى من اللجوء إليه في كل وقت، بدلاً من مستوصف يداوم كوزير من العاشرة صباحاً إلى الواحدة ظهراً، قال لي الدكتور/ عبداللاه اليوسفي، يومها إن الجهد قد أثمر، وإن الجهات المعنية وعدت بتحويل المستوصف إلى مستشفى ريفي، وقد حدث، غير أنه “مستشفى” لا يتوافر فيه الحد الأدنى من المتطلبات، بل لا توجد فيه سيارة واحدة للإسعاف، فضلاً عن الكادر الطبي والفني، والأجهزة.
قبيل الانتخابات النيابية في 1997م شعرت القاعدة أنها كسبت الصفقة حين زارها فجأة الرئيس علي عبدالله صالح، حيث أثمرت الزيارة الوحيدة للرئيس عن التوجيه بسفلتة (7) كيلومترات من شوارع القاعدة المستوية والمرتبة بعناية، انتهت الزيارة الانتخابية وانتهى معها الإسفلت، وما تبقى منه طحنته شركة صينية، وهي تعد مشروع المجاري، وخوف الناس الآن من ضياع الاثنين: المجاري والإسفلت، بعد ضياع براميل القمامة، وتكدس الأوساخ في كل شارع.
ودون يأسٍ… لنا أن نجدد أملاً آخر في محلي القاعدة في عهد وزير جديد للإدارة المحلية.. ف”عبدالقادر هلالـ” يعرف المدينة جيداً، كما أعرفه جيداً منذ أن كان الدينامو المحرك لمحافظة إب، وعرفته عن قرب أكثر في محافظة حضرموت، وصدق الحضارم حين قالوا: “هلال آخر من ينام وأول من يصحو”. رجل يعمل على مدار الصحو، فكانت النتيجة: محلي حضرموت هو من يحكم، والمحافظ مشرف فقط… تجربة جديرة بالاهتمام والدراسة، وتجربة هلال في محافظة إب تؤكد له أن القاعدة هي المورد الأكثر دخلاً لصندوق المحافظة… فماذا لو تركوا لها مواردها فقط… لتبني نفسها, وتحفظ لأبنائها كرامتهم وآدميتهم… ويكون (هلال) هو المشرف على ما يقوم به مجلسها المحلي؟!
arefabuhatem@hotmail.com