إني أعترف

إني أعترف – خالد سلمان

سنرفع قبعات الإبتهاج لمئوية أسبوعية فلقت بذرتها، ورمت في أفواه جياع المعرفة حقل حنطة، بيدر أمل، وكتاب حقيقة.
تسللت «النداء» خلسة من بين مخالب وزارة القمع وقابض أرواح الحرف، في هفوة حكومية، استنهضت في دواخلنا حمية الرهان، على صناعة الممكن من رحم المستحيل، وإنبات الزهر الليلكي رغماً عن حصار المستنقع.
هفوة حكومية. وسوء قياس.. منحنا إخضرار هذا الحرف الندائي الندي، فماذا لو مضت إدارة الكرباج في هفواتها اللذيذة، وبلادتها السخية، لإستيلاد مضاعفات متناسلة لنداء الحبيب الوقور سامي.
حينها فقط سنغير شعاراتنا، ونرفع رايات الانتصار لمثل هكذا غفلة حكومية كان حاصل نعاسها: صحيفة بحجم آمال تتسع ليس لشعب ولوطن وحسب، بل لبشرية وكوكب.
«النداء» هي أرق من صرخة ضارية في وجه همجية متوحشة، هي أنفذ وأبلغ من عصبية الجملة الخطابية، الغاضبة غير المستأنسة. هي لا تحمل نصل رمح في أبجديتها، بل فضاء عصافير، حديقة غنَّاء، نبع ماء، إبتسامة ميلاد، إشراقة صباح وسلة طعام.
في «النداء» لا تطالع وجه السياسي المأزوم ولكنك تضع قلبك على لغة تفكيكية جديدة للظلم والقهر وبؤس الجياع.
في «النداء» الحرف ليس طلقة نافذة تخلف وراءها الأحزان والدماء. في النداء ليس هناك من شحنة تعبوية تقودك إما للإحباط.. وإما للإنفجار.
في «النداء» الرصانة بلا بارود.
مبضع استشفاء بلا جرح ألم.
هي لا تحشد للتغيير بفحيح أسمال خطابة.. بل تُجذِّر فيك عشق الحياة بلغة، راقية مبدعة آسرة.
السياسة في «النداء» ليست حطب موقد، ليست إختراق مزلاج باب الغد بالحراب الدامية. هي وشوشة عمق، مسامرة غير صاخبة، مهنية لماماً تتكرر بلا رتابة فعل، إرتخاء ثقة وبلا تيه في دروب الضياع.
 في الخبر نجد فيها المغاير لتراتبية الصفحات التقليدية المحنطة، ومسمياتها الثابتة، نجد في «النداء» شقاً وكسراً للتقليدي، تتقصف عظامه وبعده لاتجبر.
مفردات تنحت كرسيها من الإبداع، كوكبة شابة، لا تعلن الإنقطاع عن الركب المتقدم عمرياً ، خطوات، ولكنها تضع بين دفتي كتابه إضافتها المائزة.
في «النداء» تتلمذ ثانية بعد (…)، ثلاثة عقود صحافة، وفي النداء كم تمنيت أن اكون أباً لهذا الصمود. وكاتباً لإبداع ذاك الوافد الجديد الربيعي القلم.
كم نحن غرباء، أو بالكاد نوصل مع النداء رحم صلة، وخيط نسب، مع محابر شابة، كانت النداء لها بسملة البداية، وفاتحة الإنطلاق (…) التي لا تتكرر على مائدة الصحيفة مرتين.
كم أعشق في النداء تمردها على الشكل، ثورتها في وجه مهنية (التابو) وتقليديته الباردة الرتيبة غير المُقدسة.
وبصدق الدنيا، إني اعترف:
تلميذ أنا، يفك بالكاد خط الكتابة في فصل باقة النداء.
«مشَّاي» أنا يجرُّ خلفه خطي عجوز في مارثون يتصدر طليعته مفارز النداء.
من «وسط» جمال عامر.. إلى «ثوري» عميد الأساتذة ابو بكر، إلى حماسية «ناس» الجرادي، ومنهجية «الصحوة»، و«العاصمة»، أجد روحي موزعاً في فصل خماسي الأداء، صحافي الابداع، تظل في قلبه وعلى خاصرته، تكاملاً، وتوازياً الحبيبة «النداء».
مرة أخرى لنرفع القبعة.