تأتي الثورات من الجهة المنسية

تأتي الثورات من الجهة المنسية

محمد الشلفي
هكذا بدأت الحكاية: أسقطت امرأة نظام الرئيس التونسي بن علي بعد أن صفعت ضابطة محمد البوعزيزي وأهانته، أحرق نفسه ليكون مبشرا بالتغيير الذي يتوالى اليوم على مستوى الدول العربية ومستوى العالم، فقد قال أوباما ليلة تنحي مبارك لقد ألهمتنا الثورة. لم يكن لمن أشعل الثورات دخل بالسياسة.
 فقد كان شعار الثوار الشباب في ميدان التحرير” حرية كرامة إنسانية”، وكانت ثورة التونسيين بسبب إهانة البوعزيزي، كانت للثورة مطالب إنسانية قبل أن تكون سياسية لقد ضرب التونسيون مثالا ملهما في الوحدة حين خرج بلاطجة النظام لإشاعة الفوضى، شكلوا لجانا شعبية لحماية أنفسهم. لقد تغير شعورهم تجاه أنفسهم. كل ذلك المعنى الذي كان يعززه النظام في نفوسهم تغيَّر.
يزيد المصريون على ذلك، ما قاموا به من “ملحمة” رأيناها في ميدان التحرير خلال اعتصامهم هناك، لقد كانوا منظمين لدرجة أدهشت العالم هم اللامنظمون من قبل. وجعلت البعض يتحدث عن أن ميدان التحرير هو “مصر الحقيقية”. شكلوا لجانا لتنظيف الميدان، ولجانا لحمايته، ونال المتحف المصري جزءا من تلك الحماية.
 أشخاص يصنعون الشاي ويأتون بالطعام، أشخاص يعالجون المرضى، يصلِّي المسلمون ويحميهم المسيحيون، ويحمي بعضهم بعضا. لقد ألهمت سالي زهران الفتاة التي قتلها الأمن يوم  25 يناير، فتيات مصر ليكن أيضا إلى جانب المتظاهرين بالرعاية والعمل. لم يكن حينها هو الشعب المصري الذي أراده النظام. لقد تغيرت منظومتهم الثقافية. لتغير إكسر الخوف، لقد كسر الشباب الخوف بداخلهم. ولتنتصر آمن بنفسك، وهذا ما فعله الشباب. لقد أسقطوا ما يعد أقوى نظام في المنطقة، تجاوزوا من راهن على الطائفية ومن راهن على القبضة الحديدية للنظام الأمني، ومن راهن على شعوب ضعيفة وعلى الفوضى.
لم يدرك مبارك أن التاريخ لا يتراجع، وفي كل مرة كان يقوم بإجراء ما ويعتقد أنه في صالحه، يرتد ليكون عقبة تجعل بقاءه مستحيلا، رغم أن حسني مبارك أوفر حظا من أخيه زين العابدين بن علي فتجربة تونس يمكن أن تفيده، بدأ من حيث انتهت تونس، بدأ بإثارة الفوضى بإخراج البلاطجة للنهب، لكن الشعب شكل لجانا شعبية، وحين قام بإقالة الحكومة كاملة ملقيا خطابا عاطفيا تأثر به البعض، لم يطلع الصباح حتى ارتكب خطأ فادحا ساقه له التاريخ، فقد أرسل أنصاره الحمير والبغال للهجوم على منهم في ميدان التحرير، وحين أنزل الجيش كان الشعب يعلن حبه له وصعب ما قد يفكر فيه مبارك من أن الجيش سيقمع المتظاهرين. وحين قرر نقل صلاحياته كآخر محاولة حسب الدستور لسليمان، كان يتحدث قبلها بأنه سيعاقب ويحاسب، إذن مازال مصرا على البقاء في الصورة. كان مبارك بفكره القديم العسكري العنيد برفضه التنحي ودائما في خطاباته ما كان يحاول الحديث بعاطفة عن الذين يتنكرون له ولما فعله، وكان ينسى أن خطابه القديم لم يستطع أن يكون بمستوى ذلك التغيير الذي حدث للشعب، ولا بمستوى اللحظة.
هكذا إذا يقول لنا التاريخ: تأتي الثورات من الجهة المنسية.
ما الذي سيحدث في اليمن ؟
يمكن أن أبدأ بالقول إن لدينا معارضة يعرف الرئيس صالح مدى قوتها جيدا، كما أن علينا أن نعرف ذلك، وعلينا أن نعرف أن احتكار السلطة في حالة كاليمن ليس واردا.. ففي السياسة لا يمكن الحديث عن احتكار السلطة في ظل وجود فاعلين آخرين -لكن يمكننا القول احتكار الثروة- ففي اليمن ثمة فاعلون آخرون وجدوا من بداية حكم الرئيس صالح  وربما من قبل، وآخرون وجدوا نتاجا لسياساته، تقف القبيلة والأحزاب المعارضة في القسم الأول ويقف الحوثي والحراك وقد نقول (المعارضة في الخارج) في الطرف الثاني. وتأتي قوة المعارضة في أنها قد يكون لها تأثير لا يملكه الرئيس ذاته في بعض القوى. أو أن تأثير، من النوع قد لا يصمد خاصة اليوم. وفي اللحظة التي يلح علينا التغيير سنكون بحاجة للجميع، وليس علينا أن نخجل من كون القبيلة ككيان ثم كفكرة قابلة للتطور وأحزاب اللقاء المشترك ربما كانوا معادلة مهمة في الطريق إلى التغيير، رغبة منا في أن نتشابه مع مصر وتونس. ويأتي هذا من باب التفكير بطريقتنا البحتة. وحين يأتي التغيير من الجهات المنسية، إذن لا نستبعد أن تكون المعوقات التي نراها اليوم في طريق التغيير، هي ذاتها المساعدة على ذلك.
على الرئيس أن يفكر أولا في أن من الصعب على الشعب احتمال بقائه كل هذه السنوات في زمن الثورات، إلا بمقابل كبير ومرض.
 إذا فهم النظام أننا بحاجة ماسة للتغيير. ولا يبدو عليه الفهم خاصة حين نرى تعامله بالطعن والصعق مع المتظاهرين والاعتداء على المتظاهرات كتصرف لم يفعله نظام، أما المتظاهرات فعادة ما يعاملن بطريقة مختلفة. وإذا كان جادا في رغبته التي يعلنها هذه الأيام في التغيير، فعليه أن يثبت ذلك، ويقدم مقابلا مرضياً يضمن له البقاء. وأن يظل بأخلاقه تلك التي تحترم المرأة، فلا أريد أن يثبت ما أفكر به من أنه زمنٌ تُسقط فيه النساء الأنظمة. ألم يحدث هذا في تونس ومصر بطريقة أو بأخرى؟