المتوكل: تعيين استثنائي.. واستبعاد مفاجئ

المتوكل: تعيين استثنائي.. واستبعاد مفاجئ

الاقتصاد: متسيداً هواجس السقوط.. متذيلاً أولويات الساسة
سامي وجيه الدين
لا يبدو حتى اللحظة أن الاقتصاد قد تصدر الاهتمامات الحكومية.. لا يبدو أيضاً أنه قد أدرج كبند أساسي في أجندة الحوار التي لا يتم في الغالب الاتفاق عليها، أو ترتيب أولوياتها في أحسن الأحوال.. هم بالتأكيد لا ينتظرون أن يتحول المواطن مشروع جثة تحترق سخطاً وقنوطاً على نهج التونسي “البوعزيزي”، لكي يلتفتوا إلى همومه اليومية المؤرقة، إن لم تباغتهم غضبة الشعب الثائر على الكرامة قبل لقمة العيش.
الهامش… الأصل:
قلّ أن تجد خبيرا استراتيجياً مهتماً باليمن، أكاديمياً أو باحثاً مهنياً، دبلوماسيا أو مسؤولاً أجنبياً مطلعاً على الشأن اليمني، إلا ويعيب على النخب اليمنية الانصراف عن الاقتصاد إلى الصراعات والمماحكات السياسية.. إنه في هامش الاهتمامات وفي ذيل سلم الأولويات.. حتى إن وزير الخارجية العماني، أكثر الدبلوماسيين ربما في العالم، يعمل بعيداً عن الأضواء، دعا في إحدى المقابلات الصحفية النادرة معه في ديسمبر 2009، اليمنيين أن يساعدوا أنفسهم، وعلى قادتهم التعاون لبناء بلدهم والخروج من الأزمة، ينبغي أن توفر لليمن كل الوسائل كي يبني نفسه ويبني اقتصاده.. “ما يقلقنا هو عدم قدرة اليمنيين على تنمية أنفسهم. مشكلات البلد لن توفر لليمنيين الوقت الثمين الذي ينبغي أن يستغلوه لبناء اقتصاد وإيجاد الطبقة الوسطى التي هي عماد الاستقرار”.. قال بن علوي لجريدة “الحياة” اللندنية.
يحضر الاقتصاد في اليمن هامشاً في اهتمامات الساسة.. فالحكومة تأخذ الملف الاقتصادي إسقاطاً للواجب، وتأخذه السلطة والمعارضة بأقل مستوى من الحماس، مقارنة بالملفات السياسية والانتخابية والأمنية. وبحسب الوزير العماني الذي تحدث من موقع الأخ الناصح والمخلص، فإن للقادة السياسيين في اليمن توجهاتهم، يتغنّون بالسياسة ويتعاركون عليها.
غير أن مخاوف تداعيات الهاجس الاقتصادي بدأت تنازع على أولوياتها، خصوصاً بعد الانتفاضة التونسية التي أطاحت بنظام جثم على البلاد لقرابة 23 عاماً، بعد أن فجرتها شرارة بسيطة.. شاب عاطل عن العمل عجز عن إكمال تعليمه، أحرق نفسه احتجاجاً على ممارسات استفزازية تطارده في مصدر رزقه المتواضع ببيع الخضار.. ويحسب للثورة التونسية أنها شدت انتباه صانع القرار في اليمن، كما في بلدان أخرى، نحو صاحب السلطة الحقيقي، ومن يملك شروط الحل والعقد ومنح المشروعية، وجعلته يتفحص أسباب السقوط ويشرع في التعامل معها، وإن كان بإجراءات شكلية لا تتعدى السائد في التعامل مع مشاكل وأزمات البلاد.. إنها سياسة المسكنات والمعالجات الشكلية.
البديل عن البديل: شرف والمتوكل
مطلع الأسبوع، عين الرئيس علي عبدالله صالح، بقرار جمهوري، المهندس هشام شرف، وزيراً للصناعة والتجارة، بدلاً عن الدكتور يحيى المتوكل، دون إبداء أسباب لهذا التعديل الوزاري المفاجئ، لوزير جاء قرار تعيينه في منصبه استدراكاً لتشكيلة حكومة الخامس من أبريل، برئاسة الدكتور علي محمد مجور، بعد أن رفض الدكتور سيف العسلي تعيينه في وزارة الصناعة والتجارة، عوضاً عن المالية، لتسند حقيبة التجارة والصناعة إلى المتوكل في اليوم التالي، في أسرع تعديل حكومي شهدته اليمن منذ قيام الوحدة.
السبت أعلن القرار دون إرهاصات مسبقة، والأحد كان الرئيس يحث الوزير الجديد، النائب السابق لوزير التخطيط والتعاون الدولي، لدى أدائه اليمين الدستورية، على تنشيط عمل الوزارة وتحقيق الاستقرار التمويني ومنع التلاعب بالأسعار ومنع الاحتكار والرقابة على المواصفات والمقاييس والجودة، وتنشيط عمل المناطق الصناعية بما يحقق أهداف التنمية. ولم يكن ضمن التوجيهات الرئاسية التي نشرتها وكالة سبأ أية إشارة لمسألة الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وهو الملف الذي طالما اشتغل عليه المتوكل، طيلة فترة توزيره لفترة تزاهي 4 سنوات.
والخميس الفائت، كان المتوكل (52 عاماً) ضمن الوفد الرسمي اليمني الذي شارك في فعاليات القمة العربية الاقتصادية التنموية والاجتماعية الثانية، التي انعقدت في شرم الشيخ المصرية، حيث التأم الزعماء العرب أو من ينوبهم في القمة التي احتل الفراغ مقعد الزعيم التونسي، الذي غادر بلاده فاراً من موجة احتجاجات شعبية متواصلة لم تجدِ معها الحلول الترقيعية والوعود الحكومية التي أطلقها عشية مغادرته، مبعثها الوضع الاقتصادي المتدهور في تونس، والذي ربما يكون أحسن من بعض دول أخرى، اليمن بينها.
قمة اقتصادية بهواجس شعبية
ورغم أن القمة كان مقرراً انعقادها في يومين، إلا أن مشاركة الرئيس فيها لم تتعدَّ، على الأكثر، 15 ساعة، اقتطع جزءاً كبيراً منه في نقاش قضايا بعضها ضمن أولوياته الداخلية، كملف الوساطة القطرية في صعدة التي بحثها مع أمير قطر، وأخرى استثنائية كقضية المواطنة اليمنية حسناء التي تواجه حكما بالإعدام في العراق، وذلك ما بحثه مع الرئيس العراقي، طبقاً للإعلام الرسمي، كما التقى وزير الخارجية العماني.. وتمت هذه اللقاءات على هامش القمة التي تسيدها الفتور، وكانت الأقل زخما على المستوى الرسمي والإعلامي، وربما مرد الأمر إلى ما تشهده الساحة العربية من تفاعلات شعبية بعد سلسلة الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بنظام بن علي في تونس، في وقت يخيم الاحتقان الشعبي المتفاعل مع هذا الحدث على دول عربية أخرى كالجزائر واليمن والأردن ومصر.
وخلافاً للعادة لم يلقِ الرئيس كلمة خلال القمة، واكتفى بتصريح صحفي وزع على الصحفيين، تطرق فيه إلى أهمية الإسراع بإنشاء السوق العربية المشتركة، وإنشاء صندوق عربي للتنمية الاقتصادية، وإيجاد آليات فعالة تضمن انتقال العمالة العربية بين البلدان، كما شدد على ضرورة إقامة المشاريع الاقتصادية والاستثمارية المشتركة، كمشاريع الطاقة والكهرباء والسكك الحديدية. وفي حين تجنب الإشارة -كأغلبية الزعماء العرب- إلى الحالة التونسية، إلا أنه ذكَّر بالوضع الفلسطيني.
الاقتصاد هاجساً..
وعوداً إلى الداخل اليمني، فاليمن تشهد، منذ صبيحة فرار الزعيم التونسي، سلسلة مظاهرات طلابية وشعبية يومية، تسعى على نحو خجول لمحاكاة الانتفاضة التونسية، ورغم أنها حظيت في أحد أيامها بتعامل أمني شبه راقٍ، إلا أن هذا التعامل غاب سريعاً لتنحو مسلكها المعتاد بممارسة التضييق ومواجهة المحتجين والاعتداء عليهم، واعتقال أبرز ناشطيهم.
ولا يبدو الوضع الاقتصادي المتدهور بعيداً عن أسباب حالة الاحتقان المتفاقمة التي تشهدها البلاد، بل يبرز كأهم عامل مشترك، يفاقم سخط جميع المكونات السياسية والاجتماعية المتفاوتة في ترتيب أولوياتها ومطالبها الأخرى.
هو الهاجس ذاته الذي صوب أنظار الرئيس باتجاه القيادات المعنية بإدارة مصالح الناس الاقتصادية، فقبل أقل من أسبوعين، أوقف الرئيس وزير النفط، أمير العيدروس، ومدير شركة النفط اليمنية عمر الأرحبي، بسبب أزمة المشتقات النفطية المنعدمة في الأسواق، والتي أدت إلى حدوث اختناقات أمام محطات الوقود، وأوجدت تذمرا لدى المواطنين، في عدد من المحافظات، ومنها العاصمة، طبقا للإعلام الرسمي.
غير أن الرئيس تراجع عن قراره بصفة غير معلنة بعد 3 أيام من إذاعته، طبقا لخبر نشرته جريدة “الصحوة” الخميس الماضي، وهو التراجع الذي يبدو أنه لم يرق للوزير العيدروس، الذي لا زال يواصل اختياراً قرار إيقافه.
وتظهر خطوات الرئيس تلك، كإجراءات استباقية بغية تخفيف سخط الشارع، الذي أرهقته الزيادات السعرية المتسارعة صعوداً، منذ أعوام، على حساب دخل فردي لا يكاد يفي بمتطلبات معيشة أساسية من غذاء ومساكن، ولا يحظى بتعزيز ينسجم في حده الأدنى مع دورة غلاء مستفحل يثقل كاهل الطبقة الدنيا المستفحلة في التوسع في بلاد تصنف كأفقر البلدان العربية، بل والعالمية، وتتجاذبها العديد من الأزمات الداخلية، وتشهد العديد من أطرافها اتساعاً لخارطة الصراعات، وتفاقما لحالة الاستياء والتذمر الاجتماعي التي فرضتها الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وارتفاع نسب الفقر والبطالة التي تشكل فتيل الثورات الشعبية.
هي تحديات لا يعني المواطن فيها شخص الوزير، المتوكل أم شرف، بقدر ما يعنيه انعكاس أي إجراءات على معيشته، ومدى تأثيرها في تلبية متطلبات حياته التي تؤرقه بشكل يومي.. ذلك ما حدا بالرئيس علي عبدالله صالح -تزامنا مع تلك الإجراءات الإدارية- إلى إعلان زيادة مرتبات أفراد القوات المسلحة والأمن وموظفي الدولة في القطاع المدني، في إطار تنفيذ المرحلة الثالثة من إستراتيجية الأجور.
يبقى هذا الأمر أيضاً مجرد إعلان سمع عنه موظفو الدولة، جنوداً ومدنيين، كثيراً، لكنه يضل طريقه في عائدات نهاية الشهر، ولم يلمسوا أثراً في الواقع.. وباستثناء منتسبي الجيش والأمن، فإن نقابات وجمعيات مهنية وعمالية وأحزاباً ومنظمات تسلك بشكل دائم طريقها للاحتجاج على غيابها –أو تغييبها– عبر وسائل الاحتجاج الحضارية إضراباً واعتصاماً وتظاهراً بشكل مستمر.
الشعب كمشروع قرصنة.. أو تونسة
قبل عامين، كان نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وزير التخطيط والتعاون الدولي، عبدالكريم الأرحبي، يخوف العالم من 24 مليون يمني، مقاتلون أشداء، مثل الصوماليين ليس لديهم ما يخسرونه، يوشكون على التحول إلى قراصنة يسببون مشاكل للعالم.. داعياً العالم إلى زيادة مساعداته لليمن قبل أن يغرق في الفوضى.
بالتأكيد.. المشكلة أكثر تعقيداً من مسألة عوز وبطالة وقلة إيرادات.. وإذا لم يكن لدى اليمنيين ما يخسرونه، فهم لن يفكروا بالتحول إلى صومال آخر، أو قراصنة يزعجون العالم.. سيكون الأكثر حضوراً في مخيلتهم التحول إلى مشروع جثة تحترق لترسم مستقبلاً مغايراً لأولادهم على الأقل.
هي معركة اقتصاد إذن، لا تحل بتخويف من تحول شعب إلى قراصنة، ولا تفي إجراءات التخدير بتهدئتها. وحتى تكسب الحكومة جولتها الأولى، فهي مطالبة بأكثر من تغيير الأشخاص والمسميات، وإطلاق الوعود.. هي بحاجة إلى حزمة إجراءات اقتصادية، بل وسياسية متوازية وجادة، لا تتكل على نتائج اجتماع الأصدقاء في الرياض، بقدر ما ترتكز على إرادة سياسية مكتملة في تحسين الوضع الاقتصادي، ومحاربة الفساد المتغول في مختلف مفاصل الدولة، وتعزيز مناخ الاستثمار، وإلغاء البيروقراطية في الأعمال التجارية، والعمل على حلحلة فعلية لمختلف الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة شمالاً وجنوباً، عبر حوار وشراكة فاعلة مع مختلف الأطراف المؤثرة دون إلغاء أو إقصاء للأخر، ودون تهوين للحالة الحرجة التي تمر بها البلاد، التي يتشكل إجماع خارجي وداخلي -يشمل بشكل علني كثيرا من أقطاب السلطة- يؤكد أن استمراريتها تقود البلاد نحو خيارات تعرف بالصوملة والعرقنة واللبننة.. بل هي التونسة الأكثر جدوى على معظم الظن لدى أكثرهم تفاؤلاً.