من ذاكرة حاج

من ذاكرة حاج

المملكة العربية السعودية.. ما خلف الكاميرات
أبو بكر علي
قال رسول الله: “مَنْ وُلّي أمراً مِنْ أمُورِ المُسلمين فَشاقَ عليهمْ شاقَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرة” صدق رسول الله.
للإعلام دور كبير في العولمة وفي زيادة عدد الحجاج الذين يقصدون بيت الله الحرام لغرض إتمام الفرض الخامس من أركان الإسلام. فعند مشاهدة الناس بث الشعائر عبر القنوات الفضائية، يتذكرون هذا الفرض، ويحلمون بالذهاب إلى البلد الحرام، خاصةً عند مشاهدة روعة الحرم المكي وروحانيته، وكثير من الناس يعتقدون أن كل شعائر الحج تتم في نفس فخامة الحرم المكي وما تلتقطه الكاميرات، وأنا شخصياً كنت أعتقد ذلك، ولكنني عند قيامي بالفريضة لأول مرة، أدركت أن الحكومة السعودية تهتم بالشوارع الرئيسية والحرم لأن الكاميرات التلفزيونية تصور ذلك، وما عدا ذلك من الأماكن والمشاعر التي لا تصل إليها الكاميرات، فإن الحياة فيها لا توحي بأننا في القرن العشرين.
التعجب هنا عن سبب التعالي الذي يمارسه بعض المعنيين في المملكة على الآخرين، فهل نسي الإخوة المسؤولون في المملكة العربية السعودية من الذي نصر الرسول ومن هم اليمنيون؟ وهل نسوا كيف كانت أحوالهم قبل النفط؟ وهل …؟
فعلى سبيل المثال، يُكتب على التأشيرة السعودية في الجواز للدبلوماسي اليمني (غير مصرح له بالعمل). عند ملاحظتي لهذه العبارة في تأشيرة أحد الدبلوماسيين اليمنيين، لم أستطع استيعاب معناها، هل السفارة السعودية في صنعاء بهذا الغباء لتعتقد أنه يمكن لوزير تركه للوزارة والعمل في المملكة؟! أم أنها إكليشة وضعتها الوزارة السعودية المختصة في ختم التأشيرات لتتعالى على اليمنيين؟
مطار جدة: الحاج متهم حتى تثبت براءته
هذا في ما يخص التأشيرات، ولكن المشكلة بالنسبة لي ليست التأشيرة، وإنما هي أمور أخرى، وسوف أبدأ من البداية، حيث كان لدينا خطة أنا ورفاقي بأن نبدأ بتأدية العمرة حال وصولنا الأراضي المقدسة، ولذلك قمنا بالحجز من صنعاء على رحلة الساعة الثانية ظهرا لكي يسمح الوقت بذلك، وهذا حسب معرفتي في كل بلاد الارض، أن أي مسافر أو سائح يصل إلى مطار الدولة التي يقصدها، فإنه يدخل مباشرة بعد ختم جوازه. لم أكن أعرف أن الأمر مختلف بالنسبة للحاج اليمني، فبدايةً عند الوصول إلى موظف الجوازات يتم أخذ البصمات لجميع أصابع الحاج ثم تصويره من جميع الاتجاهات، تماماً كما هي الإجراءات التي تتخذ لمن تثبت عليه قضية جنائية!
وبعد التبصيم، أُمرنا بالذهاب إلى خيمة لدفع رسوم الحج، فأخذوا منا الجوازات والرسوم، وأُمرنا بالانتظار، ويا له من انتظار، فقد مرت أكثر من 7 ساعات ونحن منتظرون واقفون، فلم توفر لنا حكومة المملكة كراسي للجلوس، وفي ذلك الوقت كنا نشاهد الجنسيات الأخرى من جميع أنحاء العالم تمر من أمامنا في وقت قصير. وعندما ثار غضبي وذهبت لأرى أين الجوازات إذا بشباب لا تزيد أعمارهم عن 20 سنة، هناك يتبادلون النكت ويشربون القهوة، بينما جوازاتنا مرمية أمامهم، وعند السؤال يأتي الرد “اِسكت يا حاج اِسكت”، فزاد غضبي، ونظرت إلى الداخل، ووجدت أحد الموظفين فأجابني بأن الأمر سينتهي في نصف ساعة، ومرت بعد ذلك 3 ساعات حتى جاء المُطوف في حوالي الساعة ال12 منتصف الليل، والذي قام بأخذ جوازاتنا ثم ألبسنا حلِقة مكان لبُس الساعة، ثم أوصلنا إلى مكة وتركنا هناك وجوازاتنا معه. بعد تركهم كان لي صديق ينتظرني من حوالي الساعة ال5 عصرا وحتى ال12 منتصف الليل، ليأخذني إلى الحرم مباشرة، ولكن في تلك الساعة وبعد ذلك الإرهاق بالطبع، أصبحت أنا ورفاقي غير قادرين على المشي، وليس فقط على تأدية العمرة، لهذا لم يعد أمامنا سوى أن ننام إلى الصباح. وفي الصباح الباكر قمنا بالذهاب لتأدية العمرة، وذلك في نفس الجو الروحاني الذي نشاهده يوميا على شاشة التلفزيون، ولكن الصورة اختلفت عندما توارينا عن الكاميرات.
منى
اتجهنا من مكة إلى منى يوم 8 ذي الحجة، وكان رفاقي قد أصروا علي عدم استخدام أية مواصلات، ووصلنا إلى منى حوالي الساعة الثامنة والنصف أو التاسعة صباحا، وعند صعودنا إلى المخيم الخاص باليمنيين، والذي يعُتبر آخر مخيم في منى، فوجئنا بكثرة المجاري المُستقبلة لنا من أسفل الجبل حتى وصولنا إلى الخيمة الخاصة بنا. مكثنا في الخيمة حوالي ساعة، وأراد أحد الرفاق أن يذهب إلى دورة المياه، ولكنه عاد وأفاد بأن المياه مقطوعة، حيث إن قصبة المياه مكسورة، وتخيل أخي القارئ أن حوالي 24 – 27 ألف حاج يمني بدون ماء لأكثر من 5 ساعات..!
نتابع قصة القصبة المكسورة؛ فقمت أنا ورفاقي بالوضوء بالمياه التي كنا نحتفظ بها للشرب، وأدينا صلاة الظهر وبقينا في المخيم، ولكن بعد التواصل مع البعثة وتواصل وزير الاوقاف بأمير مكة تم إصلاح قصبة المياه المكسورة في حوالي الساعة ال3. واستغربت أن الدولة الأكبر تصديراً للنفط استغرقت أكثر من 5 ساعات لإصلاح قصبة مياه، علماً أن كل دولة تدفع أجور تجهيز المخيمات بالدولار للمملكة. وفي حوالي الساعة الرابعة خرجت لأتوضأ استعداداً لصلاة المغرب، وإذا بي أفاجأ بأكوام هائلة من القمامة في ساحة المخيم، والتي تبدو مكدسة منذ أعوام، وصُعقت أيضا من قلة عدد دورات المياة هناك مقارنة بالعدد الهائل للحجاج، وهذه الأعداد بدون شك واستقبالهم رسميا من قبل الحكومة السعودية. ومحل استغرابي هو عجز الإدارات المعنية في المملكة عن توفير دورات مياه كافية وتنظيف المكان للحجاج القادمين، والذين هم معروف أو متوقع عددهم، فمن الطبيعي أن يكون المكان مجهزاً استعدادا لاستقبال أفواج ضيوف الرحمن. المهم عدنا إلى المخيم وصلينا صلاة المغرب ثم العشاء، وبدأ بعض الحجاج النزوح إلى عرفات، فبعد التشاور بيني وبين رفاقي قررنا النزوح إلى عرفات بعد صلاة فجر اليوم التالي اقتداءً بسنة رسول الله، وهي إتمام الصلوات الخمس في منى، والصعود إلى عرفات عند بزوغ الشمس.
وفي صباح يوم عرفة قررنا بعد التشاور صعود عرفات مشياً على الأقدام، فتحركنا بعد صلاة الفجر والطريق تملؤها المجاري، وكنت قبلها أعتقد أن المجاري محاطة بمخيم اليمنيين فقط، ولكنني وجدتها في أغلب المخيمات، وملازمة لنا حتى خرجنا من منى، وكنت أرى ثوب الإحرام خلف بعض الحجاج الذين فضلوا لبس الشبشب متسخاً بمياه المجاري، ولا أنسى جلوس الباعة المتجولين في وسط الطريق التي تملؤها المجاري، والذي بالطبع زاد الازدحام، وذلك بحضور رجال الامن وكأن الأمر لا يعنيهم.
عرفات
وصلنا جبل عرفات في حوالي الساعة الثامنة والنصف، وقد عقدنا اتفاقاً بيني وبين رفاقي بأن نقلل من الأكل تفادياً للانتظار أمام دورات المياه بالساعات، ولم نصطحب سوى قليلٍ من الأكل وقليلٍ من الماء. فدخلنا مسجد نمرة في الجزء الكائن في جبل عرفات لتفادي إضاعة الوقت في الكلام مع الأصدقاء في الأعلى والتفرغ لقراءة القرآن والاستغفار، ولكن رفاقي لم يلتزموا بالاتفاق الخاص بتقليل الأكل والشرب، فشربوا كل الماء المخصص لليوم كله، وهذا بالطبع ما استلزم البحث عن الحمام. فذهبوا في حوالي الساعة ال10 للبحث عن الحمام، ولم يعودوا حتى الساعة الثالثة عصرا تقريبا، وبقيت في مكاني محتفظا بالوضوء، ولكني بدأت أشعر بالنعاس، لذلك قررت الذهاب لغسل وجهي خشية الغفو، ولشرب قليل من الماء. وعند سؤالي أحد الحجاج عن مكان وجود المياه أرشدني إلى وجود حنفيات أمام المسجد من الجهة المقابلة، وعند الخروج تفاجأت بالازدحام الهائل أمام حنفيات المياه، فحاولت الوصول للحصول على بعض المياه، ولكني بعد حوالي الساعة لم أستطع، وإذا بأحد الإخوة السودانيين يعطيني ما تبقى معه في القارورة، والذي يصل إلى النصف. وعند أخذي المياه احترت في ما أستخدمه، فرجلاي أصبحتا وسختين من المجاري الممتلئة في المكان. ثم حاولت شرب البعض والبعض الآخر استخدمته لغسل رجليّ، أما بالنسبة للنعاس فطبعا طار من الزحام، ثم عدت إلى مكاني وصليت مع الحجيج الظهر والعصر جمعا وقصرا. وعند رجوع رفيقي في حوالي الساعة الثالثة خرجت لأتوضأ استعداداً لصلاة المغرب، كان الازدحام أخف، ولكني صُعقت بكميات القنينات المليئة بالبول المرمية هنا وهناك خارجا. وبعدها رجعت إلى رفاقي لانتظار غروب الشمس للذهاب إلى مزدلفة.
مزدلفة
بعد غروب الشمس تحركنا إلى مزدلفة، وكنا ضمن ال500 الألف الأولى تقريبا، وصلنا مزدلفة حوالي الساعة الثامنة، وصعدنا إلى الجبل لأجل المبيت اقتداءً بسنة الرسول، وبدأنا بتمهيد مكان للنوم وتنظيفه من الأشواك والأحجار والمخلفات التي تملأ المكان، ويبدو أنها من أعوام سابقة. وعند الانتهاء والاسترخاء قليلا، فوجئنا بقدوم الكثير من أفواج الحجاج المنهكين من المشي، وقد أحاطوا بنا من كل جانب، والبعض منهم نام في الجزء الأسفل من الجبل في وسط الطريق وأطرافها، والبعض الآخر صعدوا إلى أعلى، وأصبحنا محاطين من جميع الجهات بكثير من القوم، وكان خوفنا من أعداد الناس الهائلة الذين جلسوا على الأحجار والصخور الأعلى من موقعنا، فهي معرضة للسقوط في أي وقت، وكنا عاجزين عن مغادرة المكان أو تغييره أو حتى الاسترخاء والامتداد، وجلسنا على نفس الوضع في حين أن أحد رفاقنا أُصيب بالمرض ولم نستطع الحصول على كوب من الماء.
بعد هدوء الوضع نوعا ما في حوالي الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل، استطاع أحد الرفاق الذهاب لإحضار بعض من الماء للأخ المريض، ثم بعد ذلك زحفنا إلى أسفل، وخرجنا بصعوبة إلى جانب المشعر الحرام، ووجدنا في الطريق بعض حنفيات المياه حيث تمكنا من الوضوء استعدادا للفجر.
وانتظرنا لصلاة الفجر بجانب المشعر الحرام مع ذكر وتسبيح الله. وهناك خطرت في بالي بعض التساؤلات:
أين أموال النفط الطائلة التي تتقاضاها المملكة يوميا؟ وأين الدخل المُعلن للحجيج والمعتمرين الذي قدر بحوالي 18 مليار دولار لهذا العام، حسب إحصائياتهم ومثلها دخل العمرة؟
ألا تستطيع الإدارة المعنية توفير دورات المياه الكافية للحجاج؟
ألا تستطيع إمارة مكة تنظيف القاذورات المكدسة لأعوام؟
ألا تستطيع الوزارة المعنية إصلاح جبل مزدلفة وتهيئة المكان ولو على شكل مدرجات واسعة وردمها بالأتربة لكي يستطيع الحجاج النوم عليه؟
هل عجزت الحكومة الأكبر في تصدير النفط عن إصلاح مجاري منى؟
فلو نسينا إيرادات النفط فستكفي إيرادات موسم الحج والعمرة لعمل أكبر شبكة صرف صحي في العالم.
من هنا أوجه دعوة لكل رجال المال والأعمال في العالم الإسلامي للتبرع لبناء مليون دورة مياه وحمام للحجاج في المشاعر المقدسة، أو حتى دورات مياه مؤقتة في الموسم، والتي تُماثل ما يتم تجهيزه في أوروبا للحفلات العامة.
وبعد صلاة الفجر في المشعر الحرام، وفي صباح يوم العيد عُدنا إلى منى في نفس الطريق الممتلئة بالمجاري حتى وصولنا إلى الجمرات والتي أشكر كل من كان له يد في بنائها وإصلاحها على أكمل وجه، فالعمل العظيم يستحق الثناء. كما أخص أيضا بالشكر القائمين على الحرم المكي وما يؤدونه بإخلاص لمساعدة الحجاج.
وبعد ذلك أكملنا مناسك الحج. وبعد إتمام طواف الوداع تم الاستعداد للبحث عن المُطوف، وما أدراك ما البحث عن المطوف؟ بعد عناء شديد وبحث يومين متتاليين وجدنا المُطوف الذي علِمنا من البعض أننا محظوظون كوننا وجدناه في يومين فقط، فذلك يستغرق أكثر. وأخيرا وبعد إيصالنا إلى داخل مطار جدة، تكرم المطوف بإرجاع الجوازات والسماح لنا بالسفر.