الوحدة بين “الرؤية الواحدية” والتنوع (2-2)

الوحدة بين “الرؤية الواحدية” والتنوع (2-2)

عبدالباري طاهر
يؤكد بركات أن الفهم العربي للهوية مثالي: يشدد على عناصر التشابه لا التكامل، وعناصر الثبات لا التحول، وعناصر البعد الواحد لا عناصر التعدد. من هنا النزوع للتشديد على تحقيق الإجماع باللجوء إلى الامتثال القسري، وفرض الهوية ذات البعد الواحد، والعداء للتعدد بدلاً من الاعتراف به، والعمل معاً على تحقيق الاندماج السياسي والاجتماعي، والنظر إلى الهوية على أنها ثابتة مستمرة وكائناً مسبقاً، وعدم الانتقال بها من حيز المتخيل إلى حيز الواقع، وعدم الانفتاح على الآخر بدعوى الأصالة.
يضيف: “إن الهوية التي نتحدث عنها لا تنشأ عن مجرد التشابه في السمات والخصوصيات، بل تتصل أيضاً بطبيعة التناقضات والصراع القائم لحل هذه التناقضات من منظور التكامل القائم على احترام مبدأ المصالح. من هذه الناحية يكون من الضروري الاعتراف بأهمية الفروق، وليس التنكر لها على حساب القضية العامة والمصالح المشتركة، ولكن شرط ألا يكون التمايز مدعاة للتمييز، وإقامة علاقات هرمية تراتبية بالاستناد إلى قيم عمودية. إن التعددية الديمقراطية تقوم على أساس المساواة في الحقوق والواجبات، فلا تهيمن طبقة وجماعة أو مجموعة من الجماعات على غيرها. وبكلام أكثر إيجابية يجب أن يكون من أهم طموحات الهوية المشتركة أن تحتفي بالتنوع بدلاً من فرض الامتثال القسري ذي البعد الواحد… إن هناك علاقة بين الهيمنة الخارجية والتحرر من هيمنة الطبقات والجماعات السائدة” (حليم بركات، “المجتمع العربي في القرن العشرين”، ص 72).
يلاحظ أمين معلوف في كتابه “الهويات القاتلة”، أن الهويات متنوعة وكاثرة للإنسان كما للأمم والشعوب والجماعات، وليس هناك انتماء واحد لا غير. هناك الانتماءات الطبقية والدينية والطائفية والإقليمية والجهوية والقطرية والعرقية والقبلية الشائكة والمعقدة. وقد تنسجم هذه الانتماءات المتقاطعة والمتراتبة في علاقات عمودية أو أفقية مع الحس القومي العام، أو قد تتعارض معه. وكثيراً ما تشكل بعض هذه الانتماءات في المجتمع العربي بديلاً للقومية العربية، فتقوم بينها خلافات ظاهرة وخفية.
إن السمة البارزة في مجتمعات الجزيرة والخليج تسيد النزعة القبلية والعشائرية، والقبيلة نفي للدولة بمقدار ما هي بتركيبتها وأعرافها وتقاليدها لا تجسد الإسلام. إن الولاءات القبلية العشائرية -العائلية هي بين أكثر الولاءات التقليدية رسوخاً وتأثيراً في مجمل الحياة العربية المعاصرة. وفي ما يتعلق بدورها بالنسبة لمسألة التعدد في الهوية العربية، فإن القبيلة قد تتعارض مع الدين كما قد تتعارض مع القومية. يذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن الإسلام حاول بطرق كثيرة أن يحطم الوحدة العشائرية في سبيل بناء الأمة القائمة على وحدة المعتقد، وذلك لأن نمو القبيلة إنما يكون على حساب الأمة، فالتركيبة القبلية نفي للدولة وإضعاف للدين.
وفي اليمن فإن القبيلة في تاريخنا الحديث والمعاصر هي العقبة الكأداء، والعائق الكبير أمام تمدين المجتمع وتحضره، وعائق أكبر أمام بناء دولة عصرية حديثة، أو وجود مواطنة يكون أكبر شيخ فيها أصغر من جندي المرور في الانصياع للقانون والالتزام بالنظام.
أثار حديث الدكتور ياسين سعيد نعمان عن المركز المقدس غضب “حماة المقدس”. ولم يكن كلام الدكتور مجافياً لحقيقة الأمر. والواقع أن المركز المقدس عصي على الحداثة وعلى العصر والتنوع والتعدد، ضعيف أمام بنى ما قبل الدولة. فصنعاء العاصمة التاريخية لليمن، محاصرة ببيئة قبلية قوية وشديدة التخلف والعصبية، وعبر التاريخ كانت صنعاء ضحية غارات القبائل الهمجية والجائحة والجائعة أيضاً.
المرة الأولى في التاريخ صمدت فيها صنعاء أمام القبائل المغيرة كان حصار السبعين يوماً، وقد حميت صنعاء وتمكنت من هزيمة الملكيين والقبائل بفضل وجود كل أبناء اليمن فيها، وبفضل الجيش والأمن الوطنيين والمقاومة الشعبية.
لا ينبغي التقليل من أهمية ووزن وتأثير القبيلة في اليمن والمشرق العربي بعامة، فلم تقم الإمامة في الشمال وتستمر إلا بحراب القبيلة، ولا تزال حتى اليوم الحارس الأمين لإرث التخلف والثأر والاحتراب.
إن المعضلة الكبرى كما يشير الباحث حليم بركات، التي واجهت المجتمع العربي خلال ما يزيد على قرن من الزمن، من دون أن يتمكن من إيجاد مخرج منها، وما يزيد من تفاقم هذه المعضلة حالة التخلف العام، ويتوقع أن تستمر الانتماءات التقليدية ليس بسبب التربية والتنشئة.. أو بسبب عوامل خارجية فحسب، وإنما بسبب استمرار الأوضاع والظروف والبنى والتنظيمات الاجتماعية التي خلفتها في الأساس، وتستمر بالعمل على تعزيزها وترسيخها.
البناء التراتبي للقبيلة “العمودي” والرؤية الاستعلائية التسلطية والمغيبة التي يفقد فيها الإنسان مسؤوليته عن تصرفاته، والترتيبات الطبقية الهرمية: الطائفية والعشائرية والعرقية، تكرس التفاوت والغبن الاجتماعي، وتخلق عداوات وصراعات عمياء تعيق التطور والبناء والحرية.
السمة الرائسة للهويات المتخلفة، العدوانية والإقصاء والإلغاء حد القتل.
حين نبحث عن الهوية نبحث في الحدود أو الدوائر، وسيولة الحدود والعلاقات والوعي والولاء والعصبية، وتلاقي الدوائر أو انفصالها أو تصادمها، والانسجام والتنافر، والاندماج والتنابذ.
هناك من يعتبر خارج الدائرة بفعل النزعة الإقصائية، ومن يعتبرون داخل الدائرة بفعل النزعة الاستيعابية. وهناك الهويات المتنافرة تقوم على التنافس والإلغاء، لا على التعاون والبحث العقلاني في سبيل تجاوز التناقضات القائمة، وحل المشكلات المستعصية. وهنا الهويات المصطنعة والمتنافسة والمفروضة والمتزمتة، الضيقة والمرنة.
كل منا متعدد الهويات، وبعضنا يعرف كيف يؤالف بينها، ومنا من تتصارع في نفسه بعضها على حساب البعض الآخر. بعضنا يعطي الأولوية للدائرة الأعم، ومنا من يعيش في دائرة ضيقة فينشغل بذاته ولذاته. هناك المنتمي، وهناك اللامنتمي، والمندمج والمهمش، والنزوع التساؤلي والنزوع اليقيني. كثيراً ما نقع في حيرة أمام الأسئلة الكبيرة التي تصعب الإجابة عليها، ولكن كثيراً ما نستغرب الامتثال الكلي، وربما نتمكن من إقامة توازن بين انتماءاتنا مهما تعددت (حليم بركات، مصدر سبق ذكره).
يتساءل أمين معلوف في كتابه “الهويات القاتلة”، عن السبب الذي يدفع عدداً من الناس إلى ارتكاب الجرائم باسم هوياتهم، ويستخلص أنه المفهوم القبلي للهوية الذي لا يزال سائداً في كثير من المجتمعات المتقدمة والمتخلفة، وهو يتساءل بشدة عن هذا المفهوم، إذ إنه يختزل الهوية إلى انتماء واحد. يصنف الإنسان داخل القبيلة منحاز متشيع غير متسامح، تسلطي وانتحاري أيضاً. فيحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة، وإلى أنصار للقتلة، وتكون رؤيتهم للعالم منحرفة وملتوية. إن هذا المفهوم القبلي قد ينطبق على الهويات القومية والدينية والعرقية وعلى العقائد. وليس من الضروري أن يكون المجتمع قبلياً كي يسوده هذا المفهوم القاسي. إن عنصرية الغرب تسمح له بالتحكم بشعوب العالم، وتجريدها من إنسانيتها بالعمل على إبادتها في زمن العولمة التي تسودها قيم السوق والمصالح الخاصة.
ليست هناك هوية خاصة، فالإنسان الفرد ذو هويات متنوعة ومتعددة. فليست هناك هوية واحدة ذات بعد واحد للفرد أو الجماعة أو الشعب أو الأمة؛ الصوفية يقولون “الطرائق بعدد الخلائق”. من هنا أهمية الاندماج الاجتماعي السياسي في هوية لا تقصي الهويات الأخرى، بل تشملها وتدمجها كمكون أساسي في نسيج المجتمع العام، لا تشملها عن طريق الإلغاء والاضطهاد والقمع والتجاهل والتمييز، بل إشراكها على قدم المساواة في مختلف النشاطات الإنسانية، والاعتراف بحقوقها وتفردها.
صحيح أن هناك تعارضاً وتناقضات بين مختلف هذه الانتماءات، فقد تتعارض القطرية مع القومية، وقد تتعارض الولاءات الطائفية والعرقية والقبلية معهما معاً، وقد تتعارض كل هذه في ما بينها، فلا تنفصل واحدة منها عن الأخرى ما لم تتكون رحابة في الرؤية، وتقبل للتعددية في مناخ من الديمقراطية الحقيقية التي توازن بين الحرية والعدالة الاجتماعية (المرجع السابق، ص108 و108).
مفكرون عديدون يرون ومنهم المفكر العربي المهم جمال حمدان في موسوعته العلمية “شخصية مصر.. عبقرية المكان”، أن “الوحدة السياسية لا تتأتى بالضرورة من الوحدة الطبيعية، وإنما من الوحدة البشرية تأتي، فالعبرة في قيام دولة موحدة دستورياً هي وحدة الناس، أي وحدة القومية بمعنى تقاسم في المقومات الأساسية من لغة مشتركة، وتاريخ ملتحم، ومصلحة مترابطة، وعقيدة سائدة، وهذه جميعاً أركان متوفرة في القومية العربية، وربما كما لا تتوفر في قومية أخرى معروفة، ولا عبرة بعد هذا بتجانس أو تباين الأرض التي يحتلونها. ثم إن الوحدة السياسية وحدة وظيفية، والوحدة الوظيفية في أي مجال لا تأتي من الوحدة التركيبية، بل من التنوع التركيبي. فأي جدوى من أن تتحد أقطار متشابهة منمطة في إنتاجها ومواردها وإمكانياتها، إلا أن الوحدة مجرد تمدد أميبي عقيم؟ وهذا بالدقة ما يعرف بمبدأ “التنوع في الوحدة” أو “الوحدة في التنوع”..”.
ويرى المفكر حمدان أن لمحاولات محو كل مظاهر الاختلاف الطبيعي بين إقليمي “الوحدة”: مصر وسوريا، دخلاً في الانفصال. سيقول “الوحدويون الإلغائيون” إن هناك وحدة إقليمية، أما اليمن فإقليم واحد. نؤكد لهم أن الفساد والاستبداد جدير بإعادتها إلى عناصرها الأولى، وهو ما عجز عنه الاستعمار، ولكن “الاستبداد أو الاستعمار الداخلي” سيان سوف يحقق ما يعجز عنه كل المستعمرين والمحتلين. إن ما يجري منذ حرب 94 “ادعاء توحيد الأرض”، ولكننا نرى أن تمزيق الإنسان يعني في ما يعني تمزيق الأرض التي هي ظل للإنسان، الساكن الرئيسي للكوكب الأرضي كما يقول أندريه شوللي.
دراسة الشخصية الإقليمية لا تقتصر على الحاجز، وإنما هي تترامى بعيداً عبر الماضي، وخلال التاريخ لأنه بالدور التاريخي وحده يمكن التعرف على الفاعلية الإيجابية للإقليم، وعلى التعبير الحر عن الشخصية الإقليمية. فالبيئة كما يرى حمدان “قد تكون خرساء”، ولكنها تنطق من خلال الإنسان، ولربما كانت الجغرافيا أحياناً صماء، ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها. ولقد قيل بحق إن التاريخ ظل الإنسان على الأرض بمثل ما إن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان.
الذين ينكرون التنوع والتعدد والتباين والاختلاف كالذين لا يرون الوحدة إلا إلغاء وتهميشاً، وفرضاً وقسراً: وجهان لعملة واحدة.
في قراءة مصادر الثقافة العربية المشتركة لابد أن نقرأ المختلف والمؤتلف؛ “فمن المختلف والمؤتلف يخلق أجمل انسجام بصورة مركبة معقدة ودائمة”. واليمن في الماضي كما في الحاضر، خزانة كبرى لهذه التيارات الدينية والثقافية والحضارية. فقد عرفت اليمن: حضارة سبأ ومعين وحمير، والتيارات التوحيدية: الرحمانية واليهودية والنصرانية والإسلام، ووجدت مدونات الكتب السماوية الأولى: العهدان: القديم والجديد، والقرآن الكريم، وصانت كتب المعتزلة والإسماعيلية. كما شهدت ولادة القرمطية والأباظية، ومختلف المذاهب الفقهية والآراء الكلامية المختلفة. حافظت صنعاء على منهج الاعتزال، وحضرموت بواكير الأباظية ولزبيد الأشعرية، لتمثل مشاتل وحدائق رغم التباين والاختلاف، وازدهر التصوف في تهامة اليمن والحجاز.
تشدد بعض المقولات على التشابه أو على العكس، الاختلاف الثقافي بدلاً من التكامل، فيتم التوصل على هذا الأساس إلى القول بوجود مجتمعات لا مجتمع عربي واحد. وآخر يتخذ من التشابه شاهد المجتمع الواحد “الإقصائي”، وبديهي أن التنوع والتعدد قائم في كل قطر عربي على حدة، وبينها ككل. كذلك الحال في التعدد الحضاري حد الغنى: حضارة مصر وبلاد الرافدين وأرض الجنتين، فهي حضارة تتنوع وتتعدد وتتكامل.
رؤيتان وهويتان زائفتان: الرؤية الأولى تتجسد أو تتجلى في وحدة مقدسة معمدة بالدم، كان من ثمارها الكريهة حرب 94، وما تناسل ويتناسل منها من حروب حتى اليوم. فالحرب رحم مشؤوم تتولد منه حروب تبدأ ولا تنتهي، كقراءة الشاعر والفارس عمرو معد يكرب الزبيدي. الهوية القاتلة التي تختزل اليمن كل اليمن في طائفة أو حزب أو جهة أو قبيلة أو أسرة أو زعيم أوحد، هي المسؤولة عن توالد النزعات المذهبية والمناطقية والقبائلية والسلالية… وكل أمراض ما قبل الوطنية. والرؤية الثانية المنفعلة والمنكسرة المنكرة للوحدة، الراجعة إلى الوراء.
علينا ممارسة النقد المزدوج مع تحديد الأولويات. فحرب 94 بأهوالها وتبعاتها وإقصائها الشريك الأساسي (الحزب الاشتراكي)، وإلغاء الجيش والأمن والإدارة الجنوبية، وتهميش الجنوب، ونهب الأراضي، وإلغاء الجوانب الأكثر إيجابية في تجربة ثورة ال14 من أكتوبر، وتحويل الجنوب إلى ضيعة وتابع لإدارة فاسدة ومستبدة، هي المسؤول الأول عن حالة التفكك والفوضى، ورفع الشعارات الانفصالية التي أسقطتها النقابات العمالية مطلع الخمسينيات، ومؤتمر الطلاب في القاهرة 56، والجبهة الوطنية المتحدة 56، والأحزاب الحديثة: القومية واليسارية في عدن في خمسينيات القرن الماضي.
هذه الممارسات اللاوطنية لا تبرر مطلقاً العودة إلى “شعار الرابطة” الذي حاولت التخلي عنه عقب ثورة ال26 من سبتمبر 62، وتجاوزته بعد قيام الوحدة. فالعودة إلى الماضي هي المستحيل “الجنوب العربي”.
“أمس الذي مر على قربه/ يعجز أهل الأرض عن رده”
كإبداع حكيم العرب “المعري”.
فاللحظة الاجتماعية لا تستعاد. ولن يستحم أحد في النهر مرتين، أو تكون العودة الثانية مهزلة، كقراءة ماركس.
جاء في البيان الشيوعي “إن الرأسمالية تحفر قبرها”، أي بخلق نقيضها.
أما الحكم العشائري في اليمن فإنه ينفي نفسه، فالعصبيات القبلية نفي للدولة وقتل للهوية وافتئات على الدين.
نجد أنفسنا أمام انفصالين: انفصال في رأس الحكم مدجج بالسلاح والمال وترسانة القوانين القامعة والإعلام، ومؤزر بالقبيلة وتحالف دولي، وانفصال محبط مقهور يتخذ شكل رد الفعل “غير الواعي”، ويشهد زوراً للانفصال الأساس والأصلي بالوحدوية.