التربة مدينة مفتوحة للوباء

التربة مدينة مفتوحة للوباء

بناها الأتراك هرباً من الملاريا، لكن مجاريها المكشوفة حولتها إلى قاعدة للبعوض
التربة مدينة مفتوحة للوباء
معاذ المقطري
حين زرت مدينة التربة (95كم جنوب تعز) آخر مرة قبل شهرين، لم أكن قادراً على النوم في أي من منازل أقاربي أو أصدقائي، حتى أعلن استسلامي المطلق لسرايا من البعوض، ظلت تهاجمني طوال تلك الليالي.
يكون الضجر أكبر، حين أفكر أن البعوض لم يكن حاضراً بالمطلق في تكوين هذه المدينة التي جرى تأسيسها نهاية القرن ال19، هرباً من وباء الملاريا. حينذاك أسس الأتراك مدينة التربة “هرباً من الملاريا الذي كان يحصد جنودهم في المناطق المنخفضة عنها”، هكذا كان قد أخبرني المؤرخ أحمد الوزير المهتم بتاريخ هذه المدينة، وقد ولد وعاش فيها.
قياساً بمحيطها الجغرافي تحتل المدينة البالغة مساحتها 4.4كم2، المكان الأكثر ارتفاعاً، وهي على ارتفاعها 1200 متر عن مستوى سطح البحر، تبدو مفتوحة على الجنوب على نحوٍ مطلق، ولولا قلعة المقاطرة الواقعة على مد النظر جنوباً منها، لكان بإمكانك مشاهدة أضوء البريقة وسفن التواهي في عدن.
حتى عام 2000، كان المناخ في هذه المدينة صحياً للغاية، إذ لم تكن درجة الحرارة قد زادت عن 35 درجة صيفاً، أو قلت عن 10 درجات شتاءً، بيد أن ثمة عوامل شتى غيرت من خارطة المناخ لهذه المدينة الصغيرة.
البناء الحديث في “التربة” بدا متوغلاً داخل القرى المحيطة على نحوٍ جرى معه التهام الأراضي الزراعية الخصبة في أجزاء من قرى “ذبحان، وشرجب، وبني غازي والأصابح”. وفي داخل المدينة ذاتها بات من الصعب تدارك حجم الدمار الذي ألحقه البناء الحديث، بالمباني والسواقي القديمة التي قدمت “التربة” كمدينة تركية.
ويتماشى مع عملية التوسع العشوائي هذا، الكارثة التي جاءت لتقدم المدينة الجميلة كمدينة موبوءة، إذ تبدو اليوم كما لو أنها قاعدة عسكرية لجيوش من البعوض.
في قلب المدينة لا يمكن الجزم على وجه الدقة، أياً من المباني العتيقة كانت هي الدار التي شيدها الأتراك. إنها ديار متهالكة تهاوى العديد منها أمام زحف الأسمنت، والحديد، فيما السواقي التركية التي صمدت في وجه تحولات الزمن، أضحت اليوم أحواضاً، اختلطت فيها النفايات مع المياه القذرة التي يصبها الناس عمداً، أو التي تجمعها الأمطار من سطوح المنازل وأزقة الأحياء السكنية.
يحدث هذا في وسط المدينة التي بات يسكنها اليوم، نحو 20 ألف نسمة، لكنها وهي المدينة الريفية الوحيدة في تعز، كان عليها هجرات متصاعدة إليها، جراء الجفاف الذي يحاصر محيطها، لاسيما قرى مديرية المقاطرة، إذ شكلت هذه الأخيرة أعلى معدلات الهجرة التي استقر جانب منها في التربة.
لقد أدى الازدحام العمراني والسكاني، الذي ما انفك مستمراً هناك، إلى انفجار كارثة مجاري الصرف الصحي، في أجزاء متفرقة من المكان، وخاصة قرية “حصبرة”، وهي الضاحية الجنوبية للمدينة التي شهدت أوسع عمليات البناء العشوائي للوافدين.
تبدو “حصبرة” كما لو أنها خزان مكشوف ومفتوح للفضلات العضوية ومياه الصرف الصحي، للجانب العلوي من المدينة، فضلاً عن عشرات المنازل المبنية في الضاحية ذاتها.
في السنوات الأخيرة أخذت مياه المجاري الملوثة في هذه الضاحية، بالانفجار إلى مدى أبعد، وصولاً إلى وادي قرية “المسبوبـ” في المقاطرة، وهي القرية الواقعة في أسفل منحدر الجبل الذي تطل عليه تلك الضاحية الموبوءة.
يعتمد سكان حصبرة على أحواض صغيرة ومكشوفة للصرف الصحي، وعادة ما تنفجر هذه الأحواض لتلوث المساحات الضيقة بين المنازل، ليصاب من أصيب بالعمى، وآخرون بالملاريا جراء انبعاث الغازات الملوثة من تلك الأحواض، فيما تحوم جحافل البعوض الجرارة داخل المدينة، وبعضها يغزو القرى المجاورة.
وحسب أحمد عبدالعزيز، الذي يعمل ممرضاً في مستشفى الشيخ خليفة العام في التربة، فإن معظم المصابين بوباء الملاريا وأمراض السرطان، يأتون من حصبرة، فيما تزايد عدد الموبوئين بالملاريا في المدينة وسائر القرى المحيطة بها.
ومع تفاقم الكارثة البيئية والصحية الناجمة عنها، ارتفعت في السنوات الأخيرة حدة النزاعات حول الأراضي الشاغرة للبناء، وأخذت طابعاً مسلحاً.
أثناء عبوري الخاطف في سبتمبر الماضي، كان الناس يتحدثون عن إطلاق نار جرى تبادله طوال الليل، بين مسلحين من قبيلة الزريقة، ومسلحين تابعين لشيخ نافذ من عزلة شرجب المتداخلة مع المدينة الصغيرة، قال لي أحدهم في “الفرزة” إن طلقاً نارياً اخترق نافذة أحد المباني في “حارة المقام” أعلى المدينة، وحطم شاشة تلفاز مسطحة داخل ذاك المبنى.
لافتاً إلى أن الأرضية التي يجري حولها النزاع كانت في “حصبرة” الموبوءة تلك. يومها كان وكيل محافظة تعز لشؤون البيئة عبدالقادر حاتم، ومدير مكتب وزارة المياه والبيئة في المحافظة، متواجدين في التربة لحل مشكلة الأرضية هذه. وحسب مدير مديرية المقاطرة، باسم طارش الزريقي، تقع الأرضية في حصبرة، بذات المكان الذي يجري دراسته لإنشاء حوض كبير للصرف الصحي، يمكن أن يخفف من كارثة المجاري المتفجرة والمكشوفة هناك.
… وسد “الباشا” مهدد بالهدم
“كريف الجران” هي الهوية الاسمية الجديدة لسد “الباشا” الذي بناه الأتراك قديماً في مصبات مياه الأمطار بالجانب السفلي من مدينة التربة، وهي المنطقة التي تتداخل أجزاؤها العلوية مع المباني القديمة.
على مدى قرنين من الزمان، أدى سد “الباشا” دوره البالغ الأثر في ري العشرات من الحقول الزراعية الواقعة بين “التربة” وعزلة “الأصابح”. ولأنه لم يتصدع بفعل تقلبات الزمن، كان على التوسع العمراني في منطقة “القحيفة” جوار مدرسة الفجر الجديد، التطاول عليه بطريقة فجة.
نحو 100 شخص من أبناء مدينة التربة شكوا لـ”النداء”، السبت الفائت، من تحرش نافذين بهذا السد العظيم، بغية اقتلاعه لإحلال مبانٍ سكنية، على أنقاضه.
وقال لـ”النداء” بشير محمد الخطيب، وهو أول الموقعين على الشكوى، إن المهندسين الماهرين لا زالوا في حيرة حيال دقة المكان الذي احتله هذا السد عابراً للأزمنة، مضيفاً “أن شخصين نافذين استغلا فساد بعض الأجهزة الرسمية للحصول على موافقة لدك السد”، في إشارة منه إلى مكتب الأوقاف بمحافظة تعز.
واستغرب الخطيب، قائلاً: “في الوقت الذي تتجه خطط التنمية وصناديق تمويل دولية إلى إقامة مشاريع المياه والحواجز والسدود، تجد أن هناك توجهاً لهدم سد “الباشا”، بحجة أن مكتب الأوقاف بتعز قام ويقوم بتأجير السد”.
وأوضحت رسالة شكوى موجهة للجهات الرسمية، ومنها مكتب الهيئة العامة للآثار والمتاحف بتعز، أن السد يتمتع بسعة تخزينية تصميمية يستفاد منها في توفير المياه للإنسان والحيوان والزراعة، إلى جانب أنه يشكل قيمة أثرية يحرِّم قانون حماية الآثار الاعتداء عليها.
وطالب أبناء منطقة “القحيفة” بالتربة، بالوقف الفوري للاعتداء على السد، وعدم السماح لأي كان أن يعبث بمحيطه الأثري من خلال بناء الأسوار، وما إلى ذلك من الأعمال المخالفة للقانون، فضلاً عن إحالة القضية إلى نيابة الأموال العامة لوقف هذا العبث.
وكان شخصان نافذان في التربة قد عمدا إلى بناء جدران بالحجر الأسود، وسدا من خلالها مجاري مياه الأمطار التي تصب في هذا السد، الأمر الذي يعطل جدواه التي حافظ عليها لأكثر من 150 عاماً.