كيف أفلت مصدر المعلومات من قبضة الأمن اليمني مرتين؟

كيف أفلت مصدر المعلومات من قبضة الأمن اليمني مرتين؟

“الطرود الناسفة”.. المؤامرة التي ولدت زلزالاً
  أبوبكر عبدالله*
مثل هجمات أخرى داهمت قضية “الطردين الناسفين” اليمن على غفلة، وكان السيناريو هذه المرة
معلومات مخابراتية سعودية سُربت إلى واشنطن، وكشفت عن طردين بريديين أرسلا من اليمن إلى الولايات المتحدة وتم اعتراضهما في لندن ودبي، واتهم تاليا تنظيم القاعدة في اليمن بإعدادهما وإرسالهما، مفجرا زلزالا عالميا جعل هذا البلد الفقير من أكثر الدول خطرا على الأمن العالمي.
لم تمضِ سوى 5 أيام حتى أعلن التنظيم الأصولي مسؤوليته عن هجمات الطرود، وحينها كان اليمن قد وضع فعلا تحت طائلة الحظر للرحلات المدنية والشحنات والمسافرين، في تداعيات متسارعة وصفها رئيس الجمهورية بأنها “عقاب جماعي”.
الطرود التي أجمعت واشنطن وصنعاء أنها أرسلت من اليمن في ظروف غامضة جرى اعتراضها في مطار وسط إنجلترا وفي دبي بناء على معلومات استقتها الولايات المتحدة من المملكة العربية السعودية التي سربت للصحف الغربية تاليا معلومات تفيد بأنها حصلت على معلوماتها من القيادي في تنظيم “القاعدة” السعودي جابر جبران الفيفي بعد استسلامه.
واتهمت واشنطن السعودي إبراهيم عسيري بإعداد الطردين الناسفين، كما كشفت بأنهما فُخخا بالمادة نفسها التي استخدمت في اغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي محمد بن نايف، وكذلك في الهجوم الذي حاول فيه الشاب النيجيري عمر الفاروق تفجير طائرة ركاب أميركية ليلة عيد الميلاد.
لم يكن غريبا إعلان واشنطن أن المخابرات السعودية كانت مصدر المعلومات التي ساعدت في إحباط هجمات الطرود، فالنظام السعودي طالما بحث عن شهادة أو إشادة أميركية بكفاية مخابراته التي قال إنها نجحت في اختراق تنظيم القاعدة خارج أراضيها قياسا على فشل المخابرات الأميركية والدولية في هذا الجانب، غير أن إعلانها أن القيادي في القاعدة جابر الفيفي كان مصدر المعلومات بشأن الهجمات أثار كثيرا من الأسئلة.
كان جابر الفيفي المطلوب رقم 20 ضمن قائمة ال85 مطلوبا للسلطات السعودية، والمطلوب كذلك لأجهزة الأمن اليمنية، وصل قبل أيام قليلة من الهجمات إلى الرياض، محمولا على متن طائرة خاصة من الطراز الملكي، رغم أن الداخلية اليمنية كانت أعلنت أنه اعتقل من وسط غبار المواجهات بين الجيش وخلايا القاعدة في محافظة أبين!
ولأن الرواية السعودية للهجمات ورد الفعل الأميركي والأوروبي مقبول في اليمن كما حال عواصم عربية وأوروبية أخرى، فقد ظهر تنظيم القاعدة مهللا في بيان أعلن فيه مسؤوليته عن العملية، وكذلك عن “إسقاط” طائرة الشحن الأميركية التابعة لشركة “يو بي إس”، في دولة الإمارات العربية، الشهر قبل الماضي.
وعلى أن هجمات الطرود اعتبرت نصرا مخابراتيا كبيرا كونها اعترضت في منتصف الطريق وجرى الكشف عن معدها ومصدرها، ومع ذلك جاء بيان القاعدة مهللا بالعملية بوصفها نجاحا جديدا له.
أثار البيان الكثير من الأسئلة؛ أولها لغته التي بدت مختلفة عن بيانات القاعدة المعروفة، وثانيها أنه كان أشبه بخطبة موجهة إلى الولايات المتحدة فقط لتأكيد كفاية المخابرات السعودية التي كانت سببا في إحباط عمليات مميتة استهدفتها عن بعد.
ولعل أكثر ما أثار المراقبين في هذا البيان أنه حمل عبارات احتجاج إزاء صمت وسائل الإعلام حيال سقوط طائرة الشحن الأميركية، وعدم اتهام القاعدة بتنفيذه: “لقد أسقطنا الطائرة التابعة لشركة يو بي إس الأمريكية، ولكن لأن إعلام العدو لم ينسب العمل إلينا فقد تكتمنا على العملية حتى نعاود الكرة، وقد فعلنا ذلك هذه المرة بعبوتين، إحداهما مرسلة عبر شركة يو بي إس، والأخرى عبر شركة فيديكس الأمريكيتين… نحن نتساءل، لماذا لم يبين العدو ما حدث في طائرة اليو بي إس التي أسقطت؟ هل لأن العدو لم يتمكن من كشف سبب سقوط الطائرة؟.. أم أن إدارة (الرئيس الأمريكي باراك) أوباما أرادت أن تخفي الحدث حتى لا تبين فشلها الأمني، خصوصا وأن العملية كانت قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية؟”.
كما أن تركيز البيان على الشماتة بإدارة أوباما حيال “فشلها الأمني” قدم دليلا آخر على أن البيان كان ملفقا، فالفشل السياسي أو الأمني للإدارة الأميركية لم يكن يوما هدفا للقاعدة أو موضعا لاهتمامها، لكن القضية وردت في البيان لأن المطبخ أراد توصيل رسالة إلى مراكز القرار الأميركي مستخدما لسان القاعدة وهكذا كان.
لم يمضِ الكثير من الوقت حتى جاء التكذيب من دولة الإمارات، إذ أكدت الهيئة العامة للطيران المدني الإماراتية أن “التحقيقات التي أجريت في حادث سقوط طائرة الشحن “يو بي إس”، وكذلك معلومات الصندوقين الأسودين والتفاصيل المأخوذة من موقع حطامها وإفادات شهود العيان لحظة سقوط الطائرة لم تثبت وقوع انفجار على متنها”.
وعلى غير العادة اتجهت كثير من وسائل الإعلام العربية والدولية للتعامل مع هذا البيان رغم أنه لم يؤكد من مركز سايت انتليجنس جروب الأميركي الذي يعتمد عليه غالبا في تأكيد صدقية بيانات القاعدة، وهي من أكثر الفلتات التي وقعت فيها كثير من وسائل الإعلام، وكأن من حاك المؤامرة سيكون عاجزا عن دس بيان في الانترنت باسم القاعدة، حتى إن كثيراً من وسائل الإعلام العربية والدولية تحايلت على الخبر، وقالت إن البيان “نشر في مواقع متطرفة على الإنترنت يراقبها سايت”، لإشاعة انطباع أن البيان مؤكد.
الراجح أن البيان وزع ونشر على هذا النحو لغرض وحيد يسميه خبراء الاتصال “كسر سلسلة العملية التراكمية في الوعي الجمعي”. فالحديث عن هجمات خطط لها تنظيم القاعدة في اليمن توازى إلى حد أقل مع الحديث عن مؤامرة استهدفت اليمن خططت لها المخابرات السعودية، فكان لا بد من مستجد يكسر عملية التراكم في فرضية المؤامرة يعجز معه المتلقي عن التفكير تماما ويحسم قراره في الاتجاه الآخر.
سيناريو بيان القاعدة لم يختلف كثيرا عن الرواية السعودية التي تحدثت عن مصدر معلومات الطردين الناسفين، وهو المطلوب جابر جبران الفيفي الذي قاد المخابرات السعودية إلى كشف هجمات الطرود؟
احتفال بعودة إرهابي
في سبتمبر الماضي؛ كان القيادي في تنظيم القاعدة السعودي جابر الفيفي في اليمن، وتحديدا في محافظة أبين التي شهدت مواجهات وهجمات استهدفت دوريات عسكرية ومقار لجهاز المخابرات. وحينها سجلت هجمات القاعدة رقما قياسيا.
في نهاية الشهر نفسه؛ أذاعت واشنطن تحذيرات إلى أوروبا بشأن هجمات إرهابية كبيرة، وكان المصدر حينها المخابرات السعودية، ما أدى إلى استنفار في أميركا وأوروبا، سرعان ما أثارت التحذيرات الأميركية احتجاجات أوروبية، وبعدها بأيام سقطت طائرة شحن أميركية في الإمارات العربية المتحدة من دون أن توجه اتهامات للقاعدة.
في 4 سبتمبر 2010؛ أعلنت وزارة الداخلية اليمنية أن أجهزة الأمن ألقت القبض على المطلوب السعودي جابر الفيفي في محافظة أبين، وأودع الفيفي السجن للتحقيق.
وفي 15 أكتوبر؛ أعلنت الداخلية السعودية “عودة” جابر الفيفي، وأوضحت في بيان أصدرته يومها أن الفيفي اتصل مباشرة بمركز محمد بن نايف للمناصحة (ومحمد هذا هو نجل وزير الداخلية السعودي، ويتولى منصب مساعد وزير الداخلية). وقالت الداخلية السعودية إن الفيفي طلب في اتصاله الاستسلام من دون ذكر أنه كان معتقلا في اليمن، كما لم تشر إلى أنه نُقل من صنعاء إلى الرياض على متن طائرة فارهة.
في اليوم التالي ابتهجت الصحف السعودية بعودة الفيفي، وقالت إنه “نقل من صنعاء إلى الرياض عبر طائرة خاصة في حادث نادر للتعامل مع مطلوبي القاعدة، ولا سيما أن الفيفي كان ضمن قائمة المطلوبين أمنيا في السعودية كما في اليمن، حيث أدرج اسمه ضمن قوائم وزعتها الداخلية اليمنية لأخطر مطلوبي التنظيم الأصولي.
لم تعلن صنعاء تسليم الفيفي، كما لم تجر أي تحقيقات معه. وفي 16 أكتوبر؛ نشرت صحيفة “عكاظ” السعودية تقريرا مطولا تحدث عن تنظيم حفل استقبال كبير للفيفي في الأراضي السعودية، كما أكدت أن احتفالا كبيرا نظم كذلك على شرف وصوله في مسقط رأسه فيفا.
صحيفة “الحياة” السعودية الصادرة في لندن، نشرت كذلك في 16 أكتوبر، تقريرا له مغزى، أوردت فيه تصريحا للمتحدث باسم وزارة الداخلية السعودية اللواء منصور التركي، الذي أعلن أن “المطلوب رقم 20 في قائمة ال85 جابر جبران الفيفي، الذي التحق بأتباع الفئة الضالة بعد استعادته من سجن غوانتانامو وخضوعه لإعادة التأهيل، سلّم نفسه للسلطات الأمنية السعودية، مؤكداً ندمه على ما قام به”.
وأكد التركي أن الفيفي “اتصل بالمختصين في مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية، وأبلغهم بحقيقة أوضاع المغرّر بهم من أبناء الوطن في صفوف القاعدة في اليمن، إذ وجدوا أنفسهم أدوات في أيادي أعداء الوطن… وتم لمّ شمل جابر الفيفي بأسرته فور وصوله إلى السعودية”.
معظم وسائل الإعلام السعودية وكذلك العربية والدولية التي تديرها الرياض من الباطن، أذاعت ونشرت كلها بصوت واحد خبر الفيفي ليس بكونه عملية استسلام لهذا المطلوب، بل “عودة”. وزادت صحيفة “عكاظ” أن السلطات السعودية “جمعت شمله بأسرته فور عودته في موقع سكني مجهز بكل مستلزمات الحياة الكريمة”!
لم تخلُ التغطيات الإعلامية التي تناولت الحدث من إشارات بأن الفيفي اعتقل قبيل استسلامه في اليمن استنادا إلى بيان وزارة الداخلية اليمنية، لتنشر وسائل الإعلام السعودية تاليا بيانا مذعورا جاء فيه ما يلي “دحض مسؤول في وزارة الداخلية السعودية ما تواتر من أنباء ترددت عن إلقاء السلطات الأمنية اليمنية القبض على الفيفي، وزاد أن عملية التسليم جرت في الأساس بمبادرة من المطلوب، فضلا عن أن عملية التسليم كانت وفق تنسيق بيني مع السلطات اليمنية التي أمنت عودة المطلوب الفيفي إلى نظيرتها في المملكة”.
حتى ذلك الوقت لم تذكر السلطات السعودية أنها أجرت أي تحقيق مع الفيفي كما حال أعضاء التنظيم الآخرين، ولم تتحدث عن أية معلومات أدلى بها لأجهزة الأمن السعودية بشأن هجمات جديدة يخطط لها تنظيم القاعدة في اليمن، ومنها هجمات الطرود الناسفة.
وطبقا لتصريحات نسبت إلى مسؤولين في المخابرات الأميركية نشرتها وكالة اسوشيتد برس الأميركية، الجمعة الماضية، فقد أبلغت المخابرات السعودية السلطات الأميركية بهجمات الطرود في تاريخ 18 أكتوبر، أي قبل 12 يوما من وقوعها، وقالت إن مصدر المعلومات هو المطلوب الفيفي، وأثارت هذه المعلومات أسئلة كثيرة، خصوصا وأن السلطات السعودية أعطت رقم بوليصة الطردين الناسفين للمخابرات الأميركية قبل 12 يوما من الهجمات، في حين أن عملية إرسال الطرود من اليمن إلى واشنطن لا يمكن أن تأخذ أكثر من أسبوعين، وهي فترة طويلة على اعتبار أن الطردين اعترضا في منتصف الطريق.
أكثر من ذلك أن صحيفة “المدينة” السعودية نشرت تقريرا في 4 أكتوبر (قبل 26 يوما من هجمات الطرود الناسفة) أفاد بأن “مصدرا سعوديا مسؤولا كشف لها أن الفيفي تسلل إلى الأرضي اليمنية في يناير 2009 للالتحاق بـ”تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العربـ” بعد خروجه من مركز الأمير محمد بن نايف للرعاية والمناصحة، حيث كانت السلطات السعودية قدمت له معونات وتولت تزويجه وتأمين السكن له ودعمه ماليا وفتح محل تجاري له لبيع العود والعطارة بالطائف”.
وفي 15 أكتوبر نشرت صحيفة “المدينة” كذلك تصريحا لمصدر سعودي مسؤول أكد فيه “أن جابر الفيفي الذي سلم نفسه إلى وزارة الداخلية بالتنسيق مع الجهات الأمنية في صنعاء، شارك في أعمال التنظيم ضد القوات اليمنية والمنشآت الحكومية خلال الأشهر القليلة المنصرمة، قبل أن يعلن استسلامه وعودته إلى المملكة من مدينة لودر بمحافظة أبين جنوب اليمن، وأبدى ندمه على ما بدر منه واكتشف فداحة ما أقدم عليه ورغبته الجازمة في العودة إلى الوطن وتسليم نفسه للجهات الأمنية… وتولت الجهات المختصة التنسيق مع الجهات الأمنية في الجمهورية اليمنية الشقيقة التي قامت بتأمين عودته إلى المملكة، وتم لم شمله بأسرته فور وصوله”.
هكذا إذن كانت أجهزة الأمن تعلم أكثر من المصدر السعودي المسؤول أن الفيفي متورط في كثير من العمليات الإرهابية في اليمن التي راح ضحيتها كوكبة من خيرة ضباط المخابرات والقيادات العسكرية الوسطى والعليا، ومع ذلك لم تكترث بمحاكمته كما حال آخرين موقوفين في المعتقلات السعودية، بل تطوعت وسارعت إلى انتشاله من بين الإرهابيين المطاردين في محافظة أبين، وربما نقلته بطائرة خاصة مجهزة بوسائل الرفاهية إلى صنعاء لتستقبله طائرة سعودية خاصة نقلته إلى الرياض على كفوف الراحة.
ونشرت صحيفة “الحياة” السعودية الصادرة في لندن، خبرا نسبته إلى مصادر سعودية مطلعة أن “الجهات السعودية المختصة أعادت الفيفي من صنعاء إلى الرياض على متن طائرة خاصة”، وزادت “المصدر السعودي المطلع أشار إلى أن الفيفي استغل انشغال عناصر القاعدة بالمعارك التي دارت في لودر بمحافظة أبين، لينسّق مع الجهات المعنية لتأمين نقله إلى صنعاء”!
في الواقع التصريحات المنشورة في الصحف السعودية لم تستفز أي مسؤول يمني، بل إن بعض المواقع الممولة من مصادر مجهولة نقلتها حرفيا رغم أن الخبر يقول بشكل أكثر وضوحا إن “المطلوب جابر الفيفي الذي كان ينفذ هجمات إرهابية على دوريات الجيش في محافظة أبين وتورط مع رفاقه المطلوبين في هجمات استهدفت مقار للأمن السياسي وأخرى طاولت العشرات من ضباط المخابرات والجيش والأمن في المحافظات الجنوبية، بل وفي العاصمة صنعاء، كان يتواصل مع المسؤولين اليمنيين الذين استقبلوه بحفاوة ونقلوه إلى العاصمة صنعاء لتنقله طائرة خاصة من النوع الملكي إلى الرياض”.
الأدهى والأمر أن صحيفة “الرياض” نشرت أيضا تقريرا يقول إن جابر الفيفي كان أدرج في قائمة المطلوبين للأمن السعودي في 2 فبراير 2009، وسلم نفسه في 17 فبراير 2009 للسلطات السعودية بعد مضي أسبوعين على إعلان اسمه ضمن قائمة المطلوبين “وكان حينها متواجدا في اليمن”، ما يعني أن السلطات اليمنية سلمت الفيفي مرتين إلى السعودية!
من هو جابر الفيفي؟
تقول السلطات السعودية إن الفيفي كان ضمن 11 من العائدين من جوانتانامو جرى “استعادته” مع آخرين في ديسمبر 2006. وطبقا لمعلومات انفردت بنشرها صحيفة “عكاظ ” يوم 16 أكتوبر 2010، فإن الفيفي من مواليد 26/8/1975 محافظة الطائف، ويكنى بـ”أبي جعفر الأنصاري”، وغادر إلى قطر في 2001، ومنها إلى أفغانستان، وقاتل في صفوف القاعدة وطالبان بعد شن قوات التحالف الدولي حربا على نظام طالبان، واعتقل بعدها وسجن في معتقل جوانتانامو بكوبا، وأفرج عنه ضمن آخرين في ديسمبر 2006.
بعد إطلاقه من جوانتانامو بحسب “عكاظ”، خضع الفيفي للتأهيل في مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية، ثم تسلل إلى الأراضي اليمنية ضمن مجموعة من 11 سعوديا من العائدين من غوانتانامو، “وانضم إلى صفوف التنظيم الذي يتزعمه المطلوب ناصر الوحيشي في العام 2009، وهو التاريخ نفسه الذي أعلنت صنعاء والرياض وعواصم أوروبية عدة عن تسلل عناصر القاعدة من باكستان والسعودية وأفغانستان إلى اليمن للانضمام للكيان الجديد وإطلاق نشاطاته الإرهابية تحت مسمى “الجناح اليمني لتنظيم القاعدة”.
الصحف السعودية التي حاولت توظيف عملية استسلام الفيفي للترويج لما سمته نجاحات حققها مركز محمد بن نايف للمناصحة والرعاية في إصلاح الإرهابيين، أشارت في تقارير أخرى إلى أن الفيفي هرب من مركز المناصحة باتجاه اليمن على الأرجح بعد إعلان تكوين جناح موحد للتنظيم الأصولي تحت مسمى تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب العام 2009!
ولم تعلن السلطات السعودية متى فر من مركز المناصحة فيها، لكنها أشارت قبيل هجمات الطرود على لسان مسؤول سعودي، إلى أنه “هرب من مركز الأمير محمد بن نايف والتحق برموز الفئة الضالة في الخارج”.
صحيفة “الرياض” تحدثت أيضا أن المطلوب الفيفي كان قبل ذلك غادر المملكة إلى قطر في تاريخ 22 أبريل 2001، قبل أن يتوجه منها مباشرة إلى أفغانستان.
وفقا للمعلومات المنشورة في الصحف السعودية فقد عمل جابر الفيفي ضمن هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في الطائف، وغادر المملكة إلى دولة قطر في 2001، ومنها إلى أفغانستان، حيث اعتقل بعد إطاحة القوات الأميركية بنظام طالبان، ومنها نقل إلى معتقل جوانتانامو.
وأشارت إلى أنه وبعد عودته في ديسمبر 2006 من جوانتانامو “قدمت الحكومة السعودية له معونات مالية وسكنية وتولت تزويجه ووفرت له وظيفة مع آخرين عائدين من معتقل جوانتانامو في إطار برامج التأهيل وإعادة الإدماج”.
معاملة خاصة!
تشبه رواية تسلل جابر الفيفي إلى اليمن حكاية القياديين في التنظيم الأصولي محمد العوفي وفواز الحبردي، إذ كانت السعودية أعلنت هروبهما من الأراضي السعودية “للالتحاق بالفئة الضالة بعد انتهاء فترة خضوعهما للمناصحة”، قبل أن يسلما نفسيهما إلى السلطات السعودية. وكان اللافت أن هذين المطلوبين عوملا كإرهابيين، ولم يحدث لهما أي استقبال رسمي، كما لم يمنحا مزايا خاصة من الأسرة الحاكمة كالتي حظي بها جابر الفيفي.
وما يثير الاستفهام بشأن علاقة المخابرات السعودية بجابر الفيفي أنه سبق استسلامه استسلام قيادي آخر في التنظيم الأصولي هو بدر الشهري الذي كان ضمن خلايا القاعدة في باكستان، واستسلم بحسب صحيفة “الرياض” قبل يومين فقط من استسلام الفيفي، لكن الشهري لم يحظ بما حظي به الأول من حفاوة واستقبال.
وبحسب الرواية السعودية فإن استسلام الشهري تم عبر اتصال هاتفي منه إلى عائلته في السعودية، حيث أبلغهم برغبته في الاستسلام خلافا للفيفي الذي قالت إنه اتصل مباشرة بمركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة.
الحال مع المطلوبين السعوديين الآخرين الذين اعتقلوا في اليمن، ومنهم عبدالله الجوير الذي يخضع حاليا للمحاكمة، لم تهرع السلطات السعودية إلى طلبه ونقله على متن طائرة خاصة إلى الرياض.
أسئلة اتهامية
في 31 أكتوبر، وبعدما أعلنت واشنطن إحباط طردين ناسفين في مطار وسط أنجلترا وفي دبي، كانت قادمة من اليمن، أكدت كذلك أن المخابرات السعودية زودتها برقمي بوليصة الطردين المرسلين، وهي بيانات عادة لا يعلمها إلا المرسل وشركة الشحن فقط.
وبفرض صحة التسريبات السعودية بأن الفيفي كان مصدر المعلومات، فمن أين له أن يعرف رقم بوليصة الطردين فيما كان قد نقل إلى الرياض قبل أيام من إرسالهما، على اعتبار أن الطرود في الشركتين لا تطول كثيرا، بل تصل إلى وجهتها في غضون أيام قليلة.
وثمة سيناريو آخر يحتاج إلى تأمل؛ ففي 11 أكتوبر أعلن قاسم الريمي في بيان صوتي للقاعدة، أن التنظيم سيشن هجمات في خارج اليمن: “بإذن الله قريبًا تسمع أمة الإسلام ما يشفي صدرها من عدوها، فوالله إنّا لن نعيش الحرب في دارنا وعدونا آمنٌ في داره، كلا ورب الكعبة، فلنكن سواء”، ناهيك عن تحديده في نفس البيان مهام لعناصر التنظيم في اليمن تختلف عن مهمات عناصره خارجها: “وأما الجند فجند اليمن للعمل الداخلي والعمليات النوعية ومشاغلة العدو”.
وعلى أن البعض فهم ما جاء في بيان الريمي بأنه كلمة السر للبدء بالعمليات، إلا أن جابر جبران الفيفي الذي قالت الرياض إنه مصدر المعلومات، كان معتقلا في السجون اليمنية بحسب الداخلية، أو أنه ربما نقل على متن طائرة خاصة إلى الرياض بعد أيام من إعلان الداخلية اليمنية اعتقاله.
من بين الأسئلة التي أثارتها مؤامرة “هجمات الطرود” تأكيدات مسؤولين أميركيين كانوا أشاروا إلى أن واشنطن “تلقت من الرياض معلومات تحذر من قيام تنظيم القاعدة بمحاولات لإسقاط طائرات أميركية، وذلك قبل 3 أسابيع من كشف الطرود الملغومة التي أرسلت من اليمن إلى الولايات المتحدة”، أي في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر 2010.
واستنادا إلى بيان وزارة الداخلية السعودية الذي أعلن استسلام القيادي في تنظيم القاعدة جابر الفيفي في 15 أكتوبر، فإن ذلك يعني أنه لم يكن مصدر المعلومات.
وبحسب اسوشيتد برس الأميركية، الجمعة 5 نوفمبر 2010، فقد أكد مسؤولون بالاستخبارات الأميركية أن المخابرات السعودية قدمت معلومات حول “سلسلة تفجيرات على متن طائرات متوجهة إلى الولايات المتحدة”.
وفي التفاصيل أشارت التقارير الأميركية إلى أن إنذارات الرياض بدأت قبل عدة أسابيع، حيث تقول واشنطن أن الرياض أبلغت الإدارة الأميركية بهجمات بطائرات، غير أن عدم اكتراث واشنطن لهذه التحذيرات أحبط الجهود السعودية في الكشف عن هجمات القاعدة، كما حال طائرة الشحن الأميركية التي تحطمت في الإمارات العربية المتحدة.
كان العميد صفوت الزيات، المحلل العسكري، دقيقا عندما قال إن عملية الطرود معقدة للغاية، وتحتاج إلى خبراء، خصوصا وأنها لم تكشف في أجهزة المسح ذات التقنية العالية، والعكس من ذلك كان إعلان واشنطن أن المخابرات السعودية استطاعت اختراق القاعدة في اليمن، وكشفت بعناصرها البشرية العملية قبل أن تعود الرياض لتقول إنها كشفتها عن طريق معلومات أدلى بها المطلوب رقم 20 جابر جبران الفيفي.
لكن ماذا يمكن لتنظيم القاعدة الذي اتخذ من اليمن مركزا له بعد الضربات التي واجهها في باكستان وأفغانستان والعراق، أن يستفيد من هجمات كهذه لن تحقق له شيئا سوى تأليب دول العالم لشن حرب عليه في هذا البلد الفقير والمهدد بالتفكك؟
ثم إن كان الهدف من العمليات هو كنس يهودية في الولايات المتحدة، فلماذا لم يرسلها مباشرة إلى إسرائيل؟ ثم لماذا اختار اليمن وجهة لإرسالها، وفي توقيت كانت فيه المواجهات بين الجيش وخلاياه في أبين وشبوة في ذروتها؟
ثم إن الرياض التي ادعت أنها اخترقت تنظيم القاعدة في اليمن، كيف أن مخابراتها كشفت هجمات الطرود الناسفة، ولم تكشف عملية إسقاط طائرة الشحن الأميركية، رغم أن الحادث وقع في وقت كانت تقدم فيه تحذيرات إلى الولايات المتحدة بشأن هجمات بالطائرات؟
وعلى أن هجمات الطرود الناسفة جاءت في وقت كان فيه العالم كله متأهبا وأجهزته الأمنية والعسكرية في حالة استعداد نتيجة التحذيرات الأميركية من هجمات في أوروبا، فكيف قرر التنظيم شن هجمات بالطرود في هذا الوقت رغم معرفته بمدى التشديد في الإجراءات الأمنية؟
المستفيد الأول
ثمة قاعدة يعرفها المحققون والمحللون على السواء، مفادها “إن أردت معرفة مصدر أو سبب أية قضية، فعليك البحث سريعا عن المستفيد”. هذه النظرية تساعد في أحيان كثيرة على فهم ما يدور، خصوصا إن كانت القضية معقدة بحجم “الزلزال الذي خلفته قصة الطرود الناسفة”.
استنادا إلى معطيات كثيرة يرى البعض أن الرياض هي المستفيد الأول من عملية الطرود الناسفة لجهة أنها سعت في السنوات الماضية إلى إزاحة تهمة القاعدة عنها وتركيز أنظار العالم إلى اليمن بعدما انتقل عدد كبير من أعضاء قائمة ال85 مطلوبا للسلطات السعودية إلى اليمن، وأسسوا “تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العربـ” ككيان موحد يجمع خلايا التنظيم في اليمن والمملكة، وشن في عامين عمليات إرهابية فاقت ما شنه التنظيم الأصولي منذ العام 2000.
ويبرر هؤلاء ذلك بالإشارة إلى أن السعودية ظلت لسنوات موضع اتهام من الولايات المتحدة باعتبار أن أكثر العناصر الإرهابية في التنظيم وأكثر انتحاريي القاعدة هم سعوديون، أو على أقل تقدير عرب من مواليد المملكة العربية السعودية، ما أعاق كثيراً من صفقات السلاح التي كانت تريدها الرياض. كما أن استمرار وضع السعوديين في دائرة الاشتباه في المطارات الدولية ودول العالم كان يحتاج إلى حدث كبير تلمع فيه صورة الرياض، فكان الثمن تحويل اليمن إلى بؤرة إرهابية، ساعدهم في ذلك مضي النظام اليمني على نفس الخط، وخصوصا بعدما آلت تعقيدات القضية الجنوبية إلى حمل صنعاء تحويلها مناطق خطر أو أوكاراً رئيسية لخلايا التنظيم الأصولي.
ومع تصاعد الاتهامات لدى بعض الأوساط الأميركية التي بدأت مؤخرا الحديث بصوت علني عن علاقات بين أجهزة المخابرات السعودية وقياديين في التنظيم الأصولي، كان على الأول أن يغير من تكتيكه، وهو ما يفسر تحول المخابرات السعودية في الآونة الأخيرة إلى طابور خامس للمخابرات الأميركية بعدما شرعت في توجيه الإنذارات للمخابرات الأميركية، فضلا عن تزويدها بمعلومات مخابراتية بشأن هجمات محتملة. وكان لافتا أن كثيرا من المسؤولين اليمنيين كانوا خلال الأيام الماضية يريدون التحدث بشأن المؤامرة وطبيعتها، لكنهم صرفوا تصريحاتهم إلى انتقاد “الضجة الإعلامية والتضخيم والتهويل الإعلامي والتجني على اليمن”، وفهم من ذلك أن السلطات الرسمية غير مقتنعة بالرواية الأميركية والسعودية، وأنها لا تزال تدور في فلك سيناريو مؤامرة حيكت على اليمن قبل 30 أكتوبر؛ يوم اكتشاف الطرود الناسفة التي جرى اعتراضها في لندن ودبي، وكانت وجهتها الولايات المتحدة الأميركية.
ومع ذلك، نشرت بعض وسائل الإعلام القريبة من الحكومة تقارير تتهم الرياض بالتآمر على اليمن عن طريق التأكيد بأن اليمن واجه منذ إطلاق السلطات السعودية سراح عن عدد كبير من قادة القاعدة الذين أفرج عنهم معتقل جوانتانامو عبر مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة وجهاز الأمن السعودي، كان وجهة رئيسية لتسليل هؤلاء حتى إن قائمة المطلوبين التي أعلنتها الرياض تحولت فجأة وصارت في غضون أشهر قليلة قائمة يمنية.
وذهبت بعض الأطراف إلى التأكيد على أنه “من بين أكثر من 100 إرهابي سعودي عادوا من غوانتانامو، وخضعوا للمناصحة السعودية، عاود 13 عنصراً منهم للعمل الإرهابي، وجميعهم تسللوا إلى اليمن، وتولوا قيادة تنظيم قاعدة الجهاد، فيما عشرات آخرون ما زالوا يشكلون المكون الرئيسي لتنظيم قاعدة اليمن، على رأسهم زعيم التنظيم (سعيد الشهري) وزوجته (وفاء) التي تعد أول سيدة إرهابية تطأ أقدامها أرض اليمن”.
الخلاصة أن المسؤولين اليمنيين اكتفوا بالحديث عن مؤامرة، وأن اليمن كان ضحية للإرهاب، وأن “الإرهاب لم يكن يمنيا بل وفد عليها من خارج الحدود”، في تصريحات انطوت على رسائل واضحة بأن صنعاء فضلت عدم الكشف عن معلومات لديها بشأن الهجمات خوفا من ردة فعل سعودية قاصمة، خصوصا وأن السلطات تراهن على دور الرياض في مؤتمر أصدقاء اليمن لحشد الدعم الاقتصادي، تماما كما تراهن عليها في إقناع الخليجيين بالمشاركة في بطولة خليجي 20 التي تحولت إلى هاجس سياسي أكثر منه رياضياً، وخصوصا بعدما تولى رئيس الجمهورية شخصيا الإشراف على التحضير لهذه البطولة في محافظتي عدن وأبين، كون فشل تنظيمها سيكون نجاحا للقوى الانفصالية التي أعلنت رفضها تنظيم البطولة في المحافظات الجنوبية.
نتائج كارثية
الملموس أن هجمات الطرود الناسفة حققت أهدافا ونتائج كثيرة لم تكن متوقعة. فاليمن اليوم يقع تحت وطأة حصار جوي غير معلن بعدما قررت العديد من البلدان فرض حظر على الطائرات المدنية والشحنات والمسافرين القادمين من هذا البلد الذي ما انفكت مخابرات الجوار تصفه بكونه “الملاذ الآمن والوجهة الثانية لتنظيم القاعدة بعد باكستان”.
عندما وصف الرئيس صالح الخطوات التي باشرتها بعض دول الاتحاد الأوروبي على رحلات الطيران اليمنية، بأنه “عقاب جماعي”، كان دقيقا في وصفه، فالعملية في الواقع لها تداعيات كارثية قد تكون آثارها ثقيلة حاليا، في حين أنها مستقبلا ستضع اليمن أمام خيارات صعبة للغاية.
ليس من المجازفة القول إن هذه العملية على تصميمها ودهائها نجحت إلى حد كبير في فرض حصار جوي على اليمن (حظر الرحلات الجوية والشحنات القادمة من اليمن)، وبعض الدول أعلنت إجراءات أقل بحظر استقبال الشحنات القادمة من اليمن.
سيتعين على ذلك أن كل يمني يريد السفر إلى دولة أوروبية عليه أن يستعد لإجراءات تجعل من مجرد التفكير في السفر إلى دولة أوروبية مغامرة محفوفة بالمخاطر، خصوصا وأن إجراءات حظر الرحلات القادمة من اليمن ستنتج إجراءات خاصة على قضية دخول اليمنيين إلى هذه الدول، في حين أن حظر نقل الشحنات يعني عزلة اقتصادية لا يتوقع أحد مداها.
من اليوم ستخضع كافة السلع الزراعية والتجارية القادمة من اليمن باتجاه دول أوروبا لإجراءات ربما تعرضها للتلف، وستعم الآثار آلاف المصدرين للسلع والبضائع.
وعلينا أن ننتظر إجراءات أكثر تشددا قد تضع أي يمني يدرس أو يتنزه أو يتعالج في الخارج، موضع شبهة.
في الأيام المقبلة ربما سيكون نشاط الطيران المدني اليمني محصورا في دول معينة، وعلى كل يمني يريد إرسال رسالة إلى دولة أوروبية أن يقرر من الآن عدم إرسالها، لأنها بلا شك ستعود إليه، وربما ستحجز تحفظيا.
ومن غير المستبعد أن يؤدي عبء الإجراءات الأمنية على الشحنات اليمنية التجارية التي تشمل سلعا صغيرة مثل العسل وغيرها، إلى رفض قبولها في المطارات والموانئ العالمية على أحسن تقدير.
حتى اليوم لم تظهر الآثار الاقتصادية المتوقعة نتيجة الحظر الجوي للطائرات المدنية وللشحنات القادمة من اليمن، لكن البعض يحذر من تداعيات كارثية، وهو ما فسر طلب الرئيس صالح من الرئيس أوباما التدخل لدى الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في قرارات بعض دوله، ورفع الحظر على اليمن.
وثمة توقعات بأن اليمن وبسبب وقوعه تحت طائلة الحظر الجوي سيتكبد خسائر هائلة في حال اتجهت شركات التأمين البحري والجوي إلى رفع رسوم التأمين على طائراتها وسفنها المتوجهة إلى اليمن، ما يعني ارتفاعا هائلا في أسعار السلع.
أهداف بعيدة
يثار تساؤل عن أهداف هذه العملية ولماذا الآن؟ الجواب ببساطة أن المطبخ المنفذ للعملية أراد إيجاد المزيد من الاضطراب في هذا البلد بمعطيات خارجية لها تأثيرها (حصار جوي مثلا أو تضييق على اليمن في الخارطة الدولية) لتبرير التدخل الخارجي ودفع هذا البلد إلى الانهيار.
ليس مستبعدا أن كان الأشقاء يريدون أن تكون اليمن ساحة حرب بين تياراتهم الإسلامية المتشددة ممثلة بالوهابية السلفية، والمجتمع الدولي، وليس بعيدا ما خطط له تنظيم القاعدة ولا يزال بتحويل اليمن إلى ولاية إسلامية اعتمادا على تمويلات سعودية تأتي عبر الشريط الحدودي الطويل ليلا ونهارا.
وعلى ذلك، كان المخطط السعودي يقضي أولا بوضع الفيفي في صلب عمليات القاعدة في اليمن لإسقاط تمويلات وانتحاريين جدد، واستكمال بنية التنظيم، والتخطيط لعمليات إرهابية خارج اليمن، ثم نقله إلى الرياض، وبعدها تسريب معلومات إلى واشنطن بشأن الهجمات التي مصدرها اليمن.
وقد صرح البعض أن “قصة الطرود المفخخة وروايتها مسألة يكتنفها كثير من الغموض، وهي لم تبدأ يوم ال30 من أكتوبر، بل حيكت خيوطها منذ إعلان حالة التأهب القصوى في أوروبا تحسبا لتهديدات مفترضة من القاعدة، واستنادا على معلومات استخباراتية قدمتها السعودية آنذاكـ”.
ولأبعد من ذلك يجهر البعض بمخاوف على صلة بتأثيرات خطيرة قد تظهر إلى السطح نتيجة استمرار الحملات الإعلامية التي تديرها الرياض في وسائل الإعلام العربية والدولية، قد تجعل من اليمن محاصرا لتكون السعودية وربما عمان المنفذين الوحيدين المفتوحين لليمن لتصدير البضائع (المنتجات الزراعية والسمكية والقطن والعسل وغيرها)، ما سيجعل السعودية ممسكة بكل مفاتيح اليمن. وربما تؤدي حادثة مختلقة في أحد المنافذ الحدودية إلى إقفال آخر شريان يربطنا بالعالم.
أخيرا نقول: لو أن مراكز الأبحاث العاملة في بعض المؤسسات الإعلامية في بلادنا كرست جهودها في تحليل ما تنشره الصحف السعودية بشأن اليمن، لكانت اكتشفت أن مصدر التهمة بعدم استفادة اليمن من أموال المانحين كانت السعودية، ولعلمت أيضا أن كثيراً من التقارير التي تنشرها الصحافة الغربية مصدرها الرياض، ودعونا فقط نتابع التقارير التي بثتها الوكالات الغربية وبعض الصحف، لنعرف أن فرقعات ما سمي “انهيار الدولة في اليمن” و”الجناح اليمني لتنظيم القاعدة” كانت كلها صادرة من مطبخ واحد.
نحتاج اليوم إلى وقفة جادة لنعرف عدونا من حليفنا… لا يتعين إلقاء اللوم على أجهزة الأمن وحسب، بل علينا أن نلقي اللوم علينا جميعا، لأننا تركنا بلادنا لغول إعلام الشقيقة الكبرى التي صارت تتحكم في رسم كل الصور السيئة عن اليمن في الغرب، بل وتتمادى إلى التخطيط لمؤامرات لا تقل خطوة عن مؤامرات القاعدة والإرهاب الدولي
Abubkr.a@gmail.com.