الهوية إنسان 12 (ب)

الهوية إنسان 12 (ب)

إلهام مانع
ISH كنا نسميه إش.
هكذا كنا نسميه.
وكان يكفي أن ننطق بحروفه حتى يتبدى لنا معناه.
الحروف الأولى لمنزل الطلاب الدولي ISH إش.
منزل قضيت فيه سنتين من عمري عندما ارتحلت إلى العاصمة الأمريكية واشنطن لدراسة الماجستير بفضل منحة فولبراليت أمريكية.
منذ وطأت قدمي عتبة باب منزل الطلاب الدولي، أحسست أني وصلت أخيراً إلى بيتي. فتنفست. آه ما أجمل الهواء عندما يكون نقياً.
أليس ذلك غريباً؟
طوال عمري، وفي كل مكان عشت فيه، كنت أشعر أني غريبة.
طوال عمري. حتى في وطني الأول اليمن، كنت أشعر أني غريبة، وغيري كان يصفني بالغريبة.
ثم أصل إلى بيتٍ كله غرباء، فأشعر أني عثرت على ضالتي!
أبي -كما تعرفان- كان دبلوماسياً. ولذلك كنا ننتقل من بلدٍ إلى آخر، ونعود إلى اليمن لفترة سنتين.
في كل بلد ذهبت إليه كنت شيئاً آخر لغيري. نبتة غريبة تُزرع في أرض بعيدة، تطل برأسها من بين أوراقها وزهورها، تتأمل ما حولها، تبتسم، قبل أن تخلع جذورها، لترحل إلى أرض جديدة، ثم تندس في تربته.. إلى حين.
وكان لي هوية واسم جديد في كل مكان.
في اليمن كانوا يعتبرونني نصف نصف. يمنية.. إلى حدٍّ.
وعندما عملت في جامعة صنعاء ل3 سنوات، بلغني أنهم كانوا يسمونني المصرية الطويلة. فكنت أبتسم.
غيري يخجل من اختلاط دمه. أما أنا فأفخر به.
في مصر، حيث وُلدت، وتجري في دمي دماء مصرية، كنت لغيري يمنية إلى حدٍّ. لهجتي مصرية إلى حدٍّ، ولذلك كان السؤال دائما يتبدى في أعين محدثي عندما أقول “بل يمنية”.
في ألمانيا حيث عشت طفولتي المبكرة، ظننت لفترة أني ألمانية. ولم أكتشف أني غير ذلك إلا عندما ارتحلت من جديد، وكففت عن النطق بالإلمانية. فكان انكشافاً عن مستقبلِ هوياتٍ متداخلة.
في إيران حيث عشت 3 سنوات، كنت “العربية” في مقابل “الفارسية”. ونطقت رغم ذلك بالفارسية كي ألعب مع أترابي في حينها. أما أبي، أستاذي، فكان لا يكل حينها عن الغناء لي وأخي “أنا يمني، فاسأل التاريخ عني، أنا يمني”. وأظن أن الدموع تسيل اليوم على وجنتيه لو سمعني أغنيها معه من جديد.
آه يا أبي. هل ستغنيها لي من جديد اليوم؟ ثم هل ستصدق ما تقوله فعلاً؟
في المغرب حيث عشت لأول مرة في حياتي في بلد 4 سنوات متصلة، كنت “مشرقية” لا “مغاربية”. وفي كل مرة كنت أتحدث فيها مع شخص مغربي، يُغير محدثي أو محدثتي من لهجته المغربية الدارجة إلى العربية الفصحى. ولم يُجدِ كثيراً تأكيدي أني أفهم الدارجة، لكنها كانت دوماً لفتة كريمة من قِبلهما.
هناك درست في مدرسة عراقية، طلابها من أبناء وبنات الجالية العربية الدبلوماسية في المغرب. ورغم أني تعلمت دوما (ما عدا في اليمن) في مدارس مختلطة، إلا أني هناك تحديداً تعلمت أن الفتاة يمكن أن تكون وحدها في مجتمعٍ كله ذكور، ولن يضيرها. بل تقف شامخة وعيناها تلمعان. كنت الفتاة الوحيدة في الفصل بين 11 طالباً في السنة الأولى من الإعدادية.
وهناك تعلمت أيضاً أن الصداقة ممكنة بين فتاة وشاب. ولا زلت أذكر صديقيّ السعودي عبدالله بيومي والعراقي سعد معاذ، بالمحبة والخير. تماماً كما تعلمت أنه ليس هناك شيء أسطوري أو خارق في الرجال. هم من نفس الطينة. وكنت أعرف ذلك من منزلنا، لكنه تأكد واقعاً ملموساً بالتجربة.
في الكويت، حيث درست البكالوريوس، وعشت للمرة الثانية 4 سنوات متصلة، كنت نصف نصف، نصف يمنية نصف مصرية. ثم أصبحت في زيارتي الميدانية التي قمت بها عام 2008، سويسرية. عربية لكن سويسرية. وحبذا لو تجاهلنا الموقف اليمني خلال احتلال العراق للكويت.
وفي الولايات المتحدة كنت “غريبة ساحرة”، من بلد يغوص في التاريخ، يبحث محدثي عن موقعه على خارطة العالم، ولا يستطيع. وكان يمكنني أن أكذب وأقول إنها مدينة أمريكية تقع جنوب كاليفورنيا، وكان المسكين سيصدق. لكني أكره الكذب.
واليوم سيصعب ابتلاع الكذبة، خاصة وأننا أصبحنا مصدّرين لبضاعة رعب، اسمها الإرهاب، ويسميها شيوخنا الجهاد.
في سويسرا، كنت يمنية، ثم تحولت بفعل قادر بعد أحداث ال11 من سبتمبر الإرهابية، إلى “المسلمة”، واليوم بعد 15 عاماً متصلة من الحياة فيها، يعتبرني البعض هنا “سويسرية مسلمة”.
وأنا سويسرية أيضاً.. إلى حد.

غريبة كنت. أبحث عن مكان أسميه وطناً، وكيان أسميه هوية.
كطائر تائه يبحث عبثاً عن سربه.
إلى أن دخلت باحة ذلك السكن الطلابي. إش. إنترناشونال ستيودنت هاوس. هناك أحسست أني أتنفس من جديد. ولم أعرف مكاناً سواه أحسست فيه أني جزء منه كذلك البيت. كنت صاحبة البيت منذ دخلته. ولم أكن غريبة البتة.
أليس ذلك عجيباً؟
بيت يضم 82 طالبة وطالباً ينتمون إلى 33 دولة من قارات العالم الست، ويمثلون كل أديان العالم.
بيت هو الكرة الأرضية بأسرها بالبشر الذي فيه.
وأحببته كما لم أحب وطناً من قبل. وكان وطني. إلى يومنا هذا.
في إش، كنا جميعاً غرباء. كل ينتمي إلى دولة ودين ولون وعرق. ولأننا كلنا كنا أجانب، فإن حصيلة جمعنا كانت يا للعجب هوية الإنسان لا غير.
كنا إنساناً أولاً. الهوية كانت إنساناً.
هكذا كنا نتعامل مع بعضنا البعض. وكنا في اختلافنا وتنوعنا متساوين.
ولم يهم كثيراً من أي بلد جئنا، أي دين، أو لون جلدنا. كان المهم في علاقتنا “كيف نتعامل مع غيرنا”. “عامل غيرك كما تُحب أن تُعاملـ”، لم أعرف أفضل من هذه القاعدة في التعامل مع من حولي.
الاختلافات الثقافية والسياسية التي فرقتنا في العالم الخارجي، حملناها معنا بكل تأكيد إلى هذا السكن الطلابي، ومعها الخوف والتحفظ. لكننا تعلمنا مع الوقت كيف نتغلب على اللحظة الأولى من التردد، ثم ننظر إلى ما بعد خوفنا. وكثيراً ما كنا نندهش من الحب والخير الذي في الإنسان.
في إش تعرفت على أول صديقة يهودية لي. سيلفيا من بيرو. شعلة من الحياة. أحتفظ في درجي بقلادتها… قلادة بسيطة محفور عليها كلمات قصيرة: “ليس هناك أفضل من صديق عزيز”.
صديقتي وأحبها.
وفي إش التقيت بصديقين وفيين، عاشا كما أنا بدويين عالميين، رامين الأمريكي من أصل إيراني، وماركوس الألماني، وكلاهما يعرفان ما تعنيه الهويات المتعددة.
وفي إش تعرفت على زوجي توماس، وأب ابنتي سلمى. وأذكر كيف نظرت إلى يديه أول مرة التقينا فيها. يا ألله كم أحببت يديك.
ثم رفعت عيني إلى وجهه، تأملته قليلاً، وأدركت لحظتها أنه سيكون نصيبي. هناك من يؤمن بالحب من أول لحظة. أما أنا فأؤمن بالثقة من أول نظرة. وثقت به، وكان كما توقعت.
في إش اكتشفت أني كنت غريبة لأني في قرارة نفسي لم أتمكن من الانتماء إلى مكان واحد. كنت شجرة تخلع جذورها ولا تتعب من تربتها الجديدة.
كل الدول التي عشت فيها أوطاني… إلى حين. تأتي لحظة، فأحلق بجناحي وأرتحل إلى مكان جديد. فكنت دوماً شيئاً ما إلا قليلاً. ولذا لم أشعر بالاكتمال إلا عندما فهمت من أنا.
بدوية تؤمن أن العالم بأسره وطن لها. وتتخذ من الإنسان هوية.
أليس هذا كافيا؟
الوطن لذلك كان دوماً في داخلي.
غيري يمكنه أن يسميني كما يشاء، لكني أنا من يحدد من أكون. وأنا هو أنا. وهذا يكفي. الوطن في داخلي. وهذا الوطن أسميه إنسانيتي. ولذا لن تعني الحدود الجغرافية شيئا بالنسبة لي، ففي كل مكان ذهبت إليه تعرفت على الإنسان فيه، ولم يهم كثيرا من يكون، لونه، عرقه، دينه. في النهاية كان دوماً إنساناً. وكانت إنسانيته اكتشافي ثم كنزي.
إش هو العالم كما يجب أن يكون.
العالم كما يجب أن يكون.
وللحديث بقية.
elham.thomas@hispeed.ch