“وثيقة تعز”، القراءة التاريخية أو إعادة تعبئة فكرة العصبية المناطقية؟!

“وثيقة تعز”، القراءة التاريخية أو إعادة تعبئة فكرة العصبية المناطقية؟!

ماجد المذحجي
يبدو مثيراً بشدة السياق الذي تم به تلقي الوثيقة “التاريخية”، التي أعادت صحيفة “النداء” نشرها في العدد الماضي، http://www.alnedaa.net/index.php?action=showNews&id=3715 وقام الزميل سامي غالب بالتعليق عليها وشرح سياقها ومضمونها، والمتعلقة ببيان صادر باسم الجبهة القومية لحماية الوحدة الوطنية في اليمن، في نهاية عام 1964، بخصوص عدد من المطالب؛ منها سحب المعسكرات من تعز، والكف عن تحريض على أبنائها، وتوزيع السلطات بشكل أكثر عدالة بين اليمنيين بشكل يحول دون تركزها في “صنعاء وأهلها”.
لقد كان هذا التلقي حاضراً بشدة ضمن مناخ تعبوي يرى في مدلولاتها الضمنية استنهاضا راهناً لتمثيل “تعز”، ودفعاً لها للبحث عن حقوقها المنتقصة، ضمن البعث الحثيث والسائد حالياً لفكرة التمثيلات الجهوية والمناطقية والطائفية في اليمن، أكثر من كونها مادة تاريخية مهمة تفصح عن واقعة محددة في سياق الأزمة الوطنية المبكرة في اليمن بعد الثورة، وجزء من التاريخ الوطني الحديث غير المرئي الذي لم يتم بحثه أو تناوله لأسباب منها سكوت الأطراف المشاركين في تلك الفترات، واجتناب معظمهم فكرة كتابة روايتهم الشخصية عن الأحداث، أو لـ”التصميت” الحاصل من قبل خط سياسي وأيديولوجي انتصر بعد فترة من الثورة، وقام بفرض روايته على الجميع، أو لكون مختلف الأطراف تواطأت ربما، في أفضل الأحوال، مع مزاج رومانسي دمج الأحداث التاريخية منذ 26 سبتمبر 1962 وما بعدها في “غنائية” أيديولوجية ثورية تراها خيراً مطلقاً لا يحتمل التشكيك أو التفكير!
يتعدى أمر نشر وثيقة تاريخية بالضرورة هذا التلقي الأولي، العاطفي والساذج ربما، الذي استمزجها ضمن وظيفة تعبوية لعصبية أبناء تعز تجاه ما يشعرونه انتقاصاً تاريخياً ممتداً لدورهم ولتمثيلهم الوطني، لتصبح هذه الوثيقة أحد المفاتيح المهمة، إلى جوار روايات ووثائق تاريخية أخرى غائبة ومُغيبة، نحو إنشاء قراءة تاريخية لجذور احتقانات واسعة تعاني منها اليمن الآن، وذات صلة حميمة بأزمة اليمن منذ ثورة 1962 حين انكشف الغطاء لأول مرة، عقب إنهاء حكم آخر أئمة المملكة المتوكلية، عن مقدار هائل من الغضب والإحساس باللامساواة والحرمان لدى مناطق يمنية عدة، حيث تفاقمت خشية أبناء هذه المناطق بعد الثورة بفترة، نتيجة لعدد من المؤشرات، من الاستمرار في ذات دائرة الاستبعاد والحرمان من المشاركة في الحكم، أو على الأقل إدارة شؤونها بذاتها دون أن تشعر بـ”التابعية” أو “بالغلبة على أمرها” تحت ضغط تسلط جماعة أو جغرافية معينة على الشأن والقرار.
تكشف الوثيقة مقدمات التناقضات المناطقية و”الطائفية” بعد الثورة، ضمن خط الانقسام الوطني الذي يقع جبل سمارة في قلبه، ومحدداً له بشكل يفرز المجتمع بين أصحاب “مطلع” وأصحاب “منزلـ”، والتي استيقظت بشكل فج في أحداث أغسطس 1968، ومن ثمة تبلورت نتائجها المؤلمة والمؤذية في تجانس وطني ضعيف، وفي وعي جماعي يستبطن الشكوك والريبة المتبادلة بين المجموعات الوطنية التي ترى في بعضها البعض إما جماعةً مستبدة بالحكم أو أخرى كامنة تريد الانقضاض عليه، وتؤبد لذلك إحساساً بالحرمان والظلم لدى بعض المجموعات كما أُنتجت تصورات وأفكار نمطية مشوهة ومتبادلة بين الجميع.
تفصح الوثيقة عن شكل واسع ومستتر من الصراعات في يمن ما بعد الثورة، بدأ بخلق استنفار واستقطاب واسع على قاعدة حقوق التمثيل غير الواضحة في الحكم الجديد للمناطق والمجموعات الاجتماعية المختلفة، وما لبث أن استدعى لغة حساسة تقوم بالفرز الاجتماعي لليمنيين ضمن خلفياتهم المناطقية والمذهبية بشكل يتعارض مع الإطلاقية الوطنية التي ميزت لغة الثورة ونظامها الجمهوري! كما أفصحت عن مطالب وتفاهمات غير معلنة اعتماداً على هذه اللغة والقاعدة التمثيلية، كان النكث بها سبباً في هذا الاصطفاف والتوتر الذي أفصحت عنه مضامين الوثيقة المتعددة بلغة حادة تجاه عدد من الأسماء في الحكم مثل القاضي عبدالرحمن الإرياني وحسن العمري وهادي عيسى وأحمد الرحومي وآخرين.
في مستوى آخر، تتضمن هذه الوثيقة إفصاحاً عن طبيعة التناقضات في الواقع السياسي آنذاك، وذلك ما يستشف ضمن دلالات الأسماء الموقعة على البيان من مختلف المناطق، أي من تعز وإب والبيضاء والحديدة، أو من المتضامنين من مشائخ القبائل الشمالية، حيث يبدو لافتاً غلبة الفئات الاجتماعية التقليدية الموقعة من مشائخ أو رموز عائلات إقطاعية أو نخب اجتماعية مدينية تقليدية من قضاة وتجار، وهي التي قامت بتزكية مضمون البيان وصدرته كتعبير عن غضبها ومطالبها. وبالمقابل غياب أي تمثيل في التوقيعات لأصحاب الأفكار الحديثة من الشباب والطلاب من هذه المناطق حينذاك، وخصوصاً من أولئك المندمجين بفعالية ضمن أطر سياسية يسارية أو قومية أو وطنية كانت تضع الإطار الوطني برمته ضمن مشروعها، وتستنكر أي مشروع ضمن سقف منخفض يخص منطقة معينة وإن كانت مناطقهم، حتى وإن كانوا يقرون حرمانها أو التمييز تجاهها، وهو ما يبدو متصلاً بالطبيعة الكلية للسرديات الأيديولوجية التي يتبنونها وبرومانسية ثورية عالية ميّزتهم، علاوة على كونه تعبيراً عن انفصال في الأرض، وفي الرؤية، بين مكونات العمل السياسي بعد الثورة، بين المجموعات القديمة ذات الإرث التقليدي، الأقل مغامرة ربما، وتلك المجموعات الحديثة بمزاجها الميال لـ”الجذرية” في الحلول، والتي اندرجت ضمن مزاج العصف الثوري الذي عم العالم العربي آنذاك، وتبنت تصوراته بأيديولوجيات مختلفة في ما بينها.
يُمكن بالتأكيد قراءة الكثيرة من المضامين والدلالات في هذه الوثيقة التاريخية والحدث الذي تتعلق به، ولكن بالتأكيد فإن الخصوبة التي تتمتع بها ليست متعلقة بجوهر فريد تكتنزه هي تحديداً بقدر ما يتيحه كشفها، والتعليق عليها، والجدل من حولها، من اشتباك مع التاريخ اليمني الحديث الذي تتسم العلاقة به بالركود والكسل، والقداسة في أحد المستويات، ولكونها تكسر “الواحدية” التمجيدية التي طبعت مروية الحدث السبتمبري وما تلاه من وقائع ما زالت مفاعيلها تحفر أساسات عميقة في الأزمة الوطنية الراهنة.
maged231@yahoo.com