قوانين الصحافة العربية المتناسلة والمشاريع العقابية في اليمن

قوانين الصحافة العربية المتناسلة والمشاريع العقابية في اليمن

عبدالباري طاهر
تلح الدولة إلحاحاً لجوجاً على جعل تقنين “الصحافة” فزاعة وعصاً غليظة ضداً على الصحفيين وحرية الرأي والتعبير. لا تكتفي السلطة بالاختطاف والإخفاء القسري والسجن خارج المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19)، والتنصيص في الدستور (المادة 7) على الالتزام به وتجسيده في الشرعة اليمنية، بل تدأب بإلحاح على سن تشريعات قامعة للحرية ومصادرة للحق في الرأي والتعبير.
المختطفون والمعتدى عليهم بالضرب كثيرون، والمسجونون أكثر، والمقدمون للمحاكم الخاصة والاستثنائية أكثر وأكثر، وعبدالإله حيدر واحد من ضحايا القمع والعدوان.
معروف أن الصحفي معاقب بالقانون 25 لسنة 1990 المفتوح على القوانين العقابية الأخرى: قانون العقوبات، قانون الإجراءات الجزائية، قانون المرافعات، قانون الوثائق، قانون الانتخابات. ويتيح القانون المومى إليه أو يعطي القاضي حق توقيع عقوبة يسميها تكميلية، فيمكن توقيع أكثر من عقوبة في مخالفة رأي.
تتضمن القوانين العقابية عقوبة الجلد بحق الصحفي، وعقوبة الإعدام أيضاً.
هاجس الخوف من الحرية بصورة عامة، وحرية الصحافة بصورة أخص لدى الفاسدين والمستبدين، سمة أصيلة وواقعية، لذا يتكرر الإلحاح على تقديم مشاريع صحافة قامعة وسالبة للحرية.
أمام النواب الآن مشروع ديمقراطي تقدم به النائب عبدالمعز دبوان، وكم كنا نتمنى كصحفيين ألا يتقدم النائب المحترم بهذا المشروع؟! لماذا؟! لأننا ندرك سلفاً أن رئاسة المجلس وكتلة الحزب الحاكم سوف تدفع بمشروع الحكومة إلى جانب مشروع النائب الذي ساهمت فيه النقابة ومحامون ومنظمات مختصة، وإذا ما جرى مزج بين المشروعين، فالرزية كل الرزية. فمثل هذا الصنيع يلغي الجوانب الإيجابية، ويغلب المواد القامعة والمجرمة، ولبلادنا تجارب مريرة في هذا النهج.
في ندوة عقدت في عمان في هذا الشهر، كرست لقوانين وسياسات الإعلام والانترنت في العالم العربي، لاحظ الباحث نجاد البرعي تغول السلطة التنفيذية في جميع البلدان العربية، وأن التطبيق للديمقراطية إنما يعكس مدى شوكة هذه السلطة. وقدم المحامي عبدالحميد الكميتي ورقة عن حرية الإعلام في الإمارات العربية، تؤكد أن الحال العربي يختلف في كل شيء وعلى كل شيء، ولكنه متفق على فرض القيود على الحريات الصحفية.
سعيد بن سلطان الهاشمي قدم ورقته بعنوان “الإعلام العماني وضرورات التغيير”، والورقة شاهد أن النظام العربي كله من الماء إلى الماء، متوحد في نهج المصادرة والقمع والخوف من الحرية.
وكانت ورقة ديانا مقلد المكرسة للإعلام الالكتروني، ذات خصائص مختلفة نسبياً لأنها تتناول الوضع الصحفي اللبناني، وإن لم يخل من النقد والشكوى أيضاً.
الأوراق الرائسة في الندوة 3: دراسة نجاد البرعي وهو محام ونشاط حقوقي، ورقة المحامي يونس عرب “الإطار التنظيمي للانترنت في الدول العربية والديمقراطية الناشئة في آسيا الوسطى”، وورقة بعنوان “حرية الإعلام والانترنت” للناشط الحقوقي يحيى شقير.
أظهرت دراسة البرعي التشابه حد التماثل والتوحد بين التشريعات القامعة في الوطن العربي، وخصوصاً في ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، فمن القانون المصري تناسلت قوانين الكثير من البلدان العربية، ومنها الأردن والإمارات العربية المتحدة والمغرب وعمان واليمن، وتكاد المواد المجرمة والمحرمة أن تكون واحدة.
ويتناول البرعي إضافة إلى قيود القوانين المكبلة والرادعة، ضغوط التيارات الدينية المتطرفة، والرأي العام المتخلف، وصولاً إلى الرقابة الذاتية.
تبوأت تشريعات الانترنت الصدارة، وكانت الورقتان المائزتان: ورقة الدكتور يونس عرب وورقة الأستاذ يحيى شقير. وورقة المحامي يونس بعنوان “الإطار التنظيمي للانترنت في الدول العربية والديمقراطيات الناشئة في آسيا”. وقد ناقشت الورقة الإطار القانوني المنظم لسائر مسائل تكنولوجيا المعلومات والمصالح المتصلة بها، والحقوق والواجبات المتعين تنظيمها في نطاق كل ما يتعلق بأدوات وخدمات ومحتوى وتطبيقات البيئة الرقمية، والعلاقات القانونية الناشئة في نطاقها. وبهذا التوصيف نكون أمام جملة مسائل تمثل في الوقت ذاته فروع قانون تقنية المعلومات. ليس لأن الانترنت هي كل المقصود بتقنية المعلومات، ولكن لأنها عصى موسى التي لقفت ما سبقها، والبيئة الافتراضية التفاعلية القانونية المتصلة بالمعلومات وأنظمة تكنولوجيا المعلومات وشبكاتها.
تتناول الورقة التدابير التشريعية اللازمة لتنظيم الانترنت، ومناطق الإنجاز والقصور في تجارب الدول العربية والديمقراطيات الناشئة في آسيا الوسطى.
وتقف الورقة أمام أهم القضايا:
1- الحق في الحصول على المعلومات والخصوصية.
2- حماية البيانات الشخصية.
3- الجرائم الالكترونية (موضوعياً وإجرائياً).
4- الملكية الفكرية (الأدبية والصناعية) المتصلة بتكنولوجيا المعلومات.
5- الأعمال أو المعلومات الالكترونية المدنية أو المعاملات الالكترونية (المدنية والتجارية والإدارية) وسائر تطبيقاتها ومتطلباتها.
6- الأطر التنظيمية لخدمات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والعلاقة في ما بينها.
7- الاستثمار في ميدان تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.
أما ورقة الأستاذ يحيى شقير فتتناول حرية الإعلام والانترنت. ويأتي على ذكر المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير، ويكرس البحث الثاني للانترنت، والعوائق التي تفرضها بعض الدول العربية على النت، ومنها تخصيص ميزانيات لحجب بعض المواقع أو فرض الرقابة: مطوعو الانترنت في السعودية مثلاً، وفرض قيود على عمل المواقع. ويتناول البحث الثاني تشريعات الصحافة العربية، وفي حين يؤكد أن معظم دساتير البلدان العربية تنص على حرية الرأي والتعبير، إلا أنها كلها بدون استثناء تحيل إلى قوانين تفرض قيوداً على الحري، ويأتي في المقدمة (الترخيص المسبق) وعدم الاكتفاء بالإخطار أو الإبلاغ، وهي قضية قائمة في معظم البلدان العربية. كما يتناول الرقابة المسبقة والرقابة على الصحف الواردة من الخارج، وإلزامية عضوية نقابة الصحفيين، والحفاظ على سرية مصادر المعلومات، وحبس الصحفيين، ومخالفة مبدأ شخصية العقوبة (كاعتبار رئيس التحرير فاعلاً أصلياً كما هو الحال في القانون اليمني رقم 25 لسنة 90).
اللافت أن هناك بنوداً محددة قامعة تتشارك فيها كل التشريعات في الوطن العربي الكبير، فالترخيص المسبق قاسم أعظم بين كل القوانين الصحفية في الوطن العربي، وكذا اعتبار رئيس التحرير هو المتهم الأول وفاعلاً رئيسياً أيضاً، والحق في الرقابة أو المصادرة عقب نزول الصحيفة أو الكتاب أيضاً، والمس بالزعماء أو الملوك وحجب المعلومة واستخدام المقدس هراوة غليظة ضد الناقدين والباحثين. كما أن القيم والعادات التقليدية إحدى المحظورات في معظم هذه التشريعات.
إن احتكار الإعلام المرئي والمسموع سمة مشتركة بين البلدان العربية جمعاء، واعتبار المسؤولين قدس الأقداس أيضاً. كما أن باب محظورات النشر مشترك بل يكاد يكون موحداً. ويبقى الخوف من الكلمة، والذعر من الانترنت، داء عضالاً لدى الجميع. وإذا كانت الانترنت والمعلومة والمعرفة قد مثلت جوهر الثورة السلمية (ثورة الاتصالات)، وأداة تقريب زوايا الكون فإن هاجس الحاكم العربي هو الحفاظ على الأمية بمعنييها الأبجدي والمعرفي، فهو يريد شعباً أمياً مكبلاً بقيود الجهل والتخلف والمرض، ويخاف من العلم والحياة والعدل أكثر من الموت نفسه.