الجمعية التي خُلقت لإحيائه تشهد موتها، والضرائب والكهرباء يعجلان من موعد نهايتها

الجمعية التي خُلقت لإحيائه تشهد موتها، والضرائب والكهرباء يعجلان من موعد نهايتها

                 محلات ميتة سوى من معمل للفخاريات وآخر للحياكة على أطلال السوق القديم
> الحديدة – عبدالرحمن رامي:
ما يزال السوق الشعبي في مدينة زبيد التاريخية، معاقاً ومشلول الحركة. فإلى كون غالبية أقسامه لا تزال موسومة بالخراب، يحتل الفراغ عدداً كبيراً من المحلات التي أعيد ترميمها بمساعدة السلطة المحلية في المديرية، التي شجعت على إقامة سوق منافس خارج المدينة التاريخية، وفشلت في جذب المستثمرين والتجار لإحياء السوق الشعبي التاريخي.
يعد السوق أحد المظاهر الأثرية والاقتصادية الرئيسية للمدينة التاريخية. فقد مثّل القلب النابض والمصدر الاقتصادي الأبرز للمدينة منذ تأسيسها مطلع القرن الثالث الهجري، وأحد الملامح المميزة لها.
لكن المدينة بوجه عام وسوقها الشعبي القديم خاصة، الجزء الحيوي فيها، تعاني حالياً من مرض عضال وإهمال وتشويه وتدمير وسطو على المعالم الأثرية للمدينة العريقة، تتسبب في شطب مدينة زبيد التاريخية -التي تقع جنوب شرق مدينة الحديدة- من قائمة اليونسكو للتراث العالمي، طبقاً لتحذيرات أطلقها مهتمون يمنيون منتصف يوليو الماضي.
السوق الذي كان يزخر إلى ما قبل 40 عاماً بالصنائع والتحف والمنسوجات اليمنية الأصيلة، كان موزعاً وفقاً لتصنيف السلع أو الصنع. اشتهر كمركز لصناعة النسيج والحياكة بأنواعها المختلفة كـ”الحرير والديباج والقطن ودباغة الجلود وصناعة السكر والصابون والصناعات الفضية والخزفية والحصير وصناعة الصباغة، فوصلت مصابغها سنة 1355ه إلى حوالي 155 مصبغة”. وطبقاً للأهالي فقد توقفت نحو 75 مصبغةً للمنسوجات، وهي آخر المصابغ التي بقيت، قبل نحو 40 عاماً.
مراسل “النداء” جال في السوق القديم، لكنه لم يبصر سوى أطلال سوق تجاري هام لأبرز المنتجات اليمنية القديمة والتحف. وقال إنه شاهد نحو 5 محلات تجارية مأهولة “محلاً يبيع مواد غذائية معلبة مُستوردة، آخر لبيع ملابس صينية رديئة –مصبوغة صبغات سيئة، ومحلين قديمين تباع فيهما أسطوانات الغاز المنزلي”.
محاولات يائسة لإحياء السوق الخراب
منتصف 2008، ظهرت محاولات لإحياء السوق الخراب، مجدداً. فتأسست جمعية “إحياء السوق القديم” لهدف بث الروح في جسد السوق المقتول. عملت على ترميم عدد من المحلات بـ”الياجور الأحمر، الأبواب الخشبية، كذلك الأسقف الخشبية الأخرى”، طبقاً لمواصفات مشروع الحفاظ على المدن التاريخية. وذهبت باتجاه استقطاب العاملين في الحرف اليدوية لإحياء عدد من المحلات المرممة، إضافة إلى تجار صغار لممارسة النشاط التجاري.
توقف رصف السوق التاريخي جراء خلاف المقاول مع المدن التاريخية
هناك طمس لهوية المدينة التاريخية وعبث كبير بتراثها، ومعوقات كبيرة أمام محاولة إحياء سوقها. أحمد سعيد ورُّو، أمين عام جمعية إحياء السوق القديم بمدينة زبيد التاريخية، تحدث لـ”النداء” حول المعوقات الأساسية لعمل الجمعية والتأثيرات الجانبية لإبقاء السوق معطلاً بل وميتاً تماماً.
توقف مشروع رصّ المدينة بالحجارة منتصف العام الحالي، أحد الأسباب المعيقة لإحياء السوق القديم. فضمان عدم تسرب المياه إلى المحلات غير متوفر، ما يعمق الخوف والقلق لدى المستثمرين. أصحاب المحال التجارية وكذا ساكنو مدينة بيد ومرتادوها يرون أن رص السوق بالحجارة مهم جداً، لكن عملية “الرصّ” تعثرت لأسباب يوضحها أمين عام الجمعية قائلاً: تعثر مشروع الرص بعد أشهر من البدء، جراء خلاف المقاول مع الجهات المسؤولة على نوعية الحجارة، فالثانية ممثلة بمشروع الحفاظ على المدن التاريخية تقول إنها مخالفة للمواصفات المطلوبة. وأضاف أنه جرى الاتفاق على نوعية سوداء والمقاول يرص بحجارة بيضاء.
لكن ورُّو أشاد بشبكة تصريف “المياه الآسنة في السوق التاريخي، التي نفذتها شركة صينية”، وقال إن المياه “صالحة للاستخدام المُتعدد، ومتوفرة”، مؤكداً “وجود شبكة للهاتف الثابت”.
ضرائب مرتفعة
تمثل السلطة المحلية رأس المشكلة والمعوق الأكبر لإحياء السوق. فهذه لم تبد أي تعاون من شأنه تشجيع التجار والمستثمرين على الدخول للسوق. يقول ورُّو: هناك صعوبات وعوائق أمام فتح الدكاكين القديمة وإعادة إحياء السوق القديم، تتمثل في فرض الضرائب مُرتفعة على أصحاب المحال التجارية وذوي المهن الحرفية ولا تلائم مستوى دخلهم. وأضاف موضحاً: ولا يُشجع على إحياء هذا السوق التاريخي القديم وعودة النشاط إليه، واستمرار ذلك لما فيه خدمة السكان، فتسهيل الضرائب من قبل السلطة أو خفضها، سيمثل دعماً كبيراً في إحياء السوق.
وإذ ثمّن ورُّو الدور الذي قام به العقيد علي المضواحي، رئيس المجلس المحلي، بالتوجيه إلى مكتب ضرائب المدينة لتخفيض الضريبة على أصحاب السوق القديم إلى 50%، مُقارنة بأمثالهم في نفس المهن خارج السوق القديم، فإنه يرى أنها مرتفعة، ويتطلع إلى إصدار أمر أو قرار مناسب بإنهاء الضريبة بشكل تام على الأقل لفترة 7 سنوات. معتبراً هذه الخطوة تشجيعية لدخول المستثمرين إلى السوق القديم.
الكهرباء والضرائب قد تميت مكلف الإحياء
يعاني السوق من ظلام دامس منذ إعادة ترميمه، حتى اليوم. فمنذ شرعت الجمعية في الترميم لم تفِ إدارة الكهرباء بالتزاماتها بتوفير عدادات كهرباء وإضاءة السوق. يقول ورُّو: إن عدم توفير عدادات لتيار الكهرباء، للدكاكين التي تم ترميمها، أهم العراقيل، فلن يستأجر أي مستثمر بدون كهرباء. ويؤكد متابعة الجمعية للسلطة المحلية قائلاً: في 2008 وعد فواز العصامي مدير المؤسسة العامة للكهرباء في المنطقة الغربية بالحديدة، بتوفير عدادات للتيار الكهربائي لكل محل سيتم إعادة ترميمه. كان الوعد منذ بدأت عملية الترميم في السوق التاريخي القديم، وحتى اللحظة لم يُنفذ الوعد. قمنا بمتابعة الجهات المسؤولة، ولكن لا فائدة.
وأوضح أن العدادات المطلوبة قليلة ولا تتجاوز “60 عداداً، وعلى الأقل لو توفرت 20 عداداً كدفعة أولى لتسهيل مزاولة النشاط التجاري الحرفي، وتنشيط الحركة الاقتصادية للسوق، سيكون جميلاً وسيخفف من عناء المستثمرين”.
المعوقات قد تقوض ما أحدثته الجمعية، بل إنها قد تميت الجمعية الموكل لها مهمة الإحياء. يقول أمين عام جمعية إحياء السوق التاريخي: تستطيع القول بأن جمعينا أصبحت على مشارف الموت والتوقف إن لم تكن قد انتهت فعلياً. نرجو من الجهات ذات الاختصاص في السلطة، أن تدعم أفكار الجمعية لمساعدتها على الحياة لإحياء السوق، وهو أساس وجودها.
سوق ميت سوى من معمل للفخاريات وآخر للحياكة
تعمل الجمعية بخطوات بطيئة وبائسة، فهي لم تتمكن من إعادة 1% مما كان عليه السوق. ويشكو أمينها العام من موتها مع هدفها الذي خلقت من أجله. حتى اليوم تغيب عن السوق كافة المجالات التي كان يزخر بها مثل “معامل للحرف اليدوية، الحياكة والغزل، المصوغات الفضية الأخرى والنسيج”.
لكن ورُّو يقول بثقة وكأي شخص يدير جمعية حققت أهدافها: في السوق التاريخي القديم، لدينا معمل للفخاريات، هو لشخص كان يعمل خارج السوق القديم، واستقطبناه لداخله، لديه معمل لهذه الفخاريات في السوق القديم، ولديه دكان لعرض السلع المُنتجة، لكنه يحتاج للمساعدة والدعم المستمر لتطوير مهاراته الحرفية.
وهناك محل للحياكة والصياغة يعمل به شباب “نتمنى أن يستمروا، كذلك أن يحذو حذوهم آخرون في الحفاظ على هذه المهن الحرفية، واستمرارها. الدكاكين الجاهزة بعد الترميم بانتظارهم لاحتواء نشاطاتهم الحرفية في مدينتهم التاريخية”؛ يضيف ورو.
خراب سقف السوق
تتكون مدينة زبيد -التي أسسها محمد بن زياد عام 204 هجرية- من 4 أحياء قديمة وعريقة، هي رُبع الجزع ورُبع الجامع والمُجنبذ ورُبع العلي. وتذكر المراجع التاريخية أن السور القديم للمدينة اندثر تماما، في حين بقيت أبوابها الأربعة قائمة، وهي باب الشباريق وباب سهام وباب النخل وباب الكرتك.
ويذكر أن السوق التاريخي القديم كان “مسقوفاً بشكل كليّ”، يتيح للتجار والمتسوقين والسياح التسوق دون خشية من المُنغصات الطبيعة، كالحر والمطر والرياح والغبار، لكنهُ الآن مكشوف الرأس عرضة لما كان يخشى منه. يقول ورُّو: تهاوى سقف السوق منذ فترةٍ طويلة، ما نغّص حياة السكان والمتعاملين فيه. مشيراً إلى جهود منظمة GTZ العاملة على ترميم مباني المدينة التراثية منذ أكثر من سنتين، في دراسة لإمكانية سقف السوق القديم بنوع من الأخشاب المحلية، تسمى “الضّرح”، وهو خشب قوي ظل مستخدماً في سقف المباني القديمة في اليمن، إضافة إلى “الدوم”، وسيتم عمل فتحات منفصلة بالياجور الأحمر أعلى المحال التجارية كي لا تتأثر بنية المحل التجاري –كتهوية، ما يضفي على السوق لمسة جمالية كبيرة، ويعيد عامل الطمأنينة إلى السكان والمتعاملين من خلال الحياة التجارية اليومية”.