الوحدة الاتحادية.. ملاذ آمن للوحدة الوطنية

الوحدة الاتحادية.. ملاذ آمن للوحدة الوطنية

*محمد أحمد العفيف
`في كتاب “الرحلة اليمنية” للشيخ عبدالعزيز الثعالبي؛ المفكر العربي التونسي، أورد سعيه للوحدة اليمنية، بوقت مبكر من القرن المنصرم، أي في 1924، وخلاصات من ذلك الكتاب، مطبوعة في 5 صفحات فلسكاب مقدمة إلى ندوة عقدت في مركز الدراسات والبحوث اليمني –صنعاء، منذ شهرين، وبرعاية رئيس المركز د. عبدالعزيز المقالح أطال الله بعمره، والمنشور خلاصة عن تلك الندوة في مجلة “العربي” الكويتية (العدد 621 أغسطس 2010)، حيث تركزت جهود الشيخ عبدالعزيز الثعالبي آنذاك بين الإمام يحيى حميد الدين وبين بعض السلاطين والأمراء في جنوب الوطن، وفي المقدمة منهم سلطان سلطنة لحج السلطان سلف علي عبدالكريم العبدلي وإدارته المتطورة، والمعروف بتوقه للعصرية والمشاركة الأهلية في منتصف القرن ال20.
وقد تركزت عناوين ذلك المشروع بالدعوة إلى عقد مؤتمر يمني عام، ينظر في مشروع نظام اتحادي يقوم على أساس برنامج إصلاح لنظام الحكم في اليمن الطبيعية. ولتعميم الفائدة كنا نتمنى على الندوة أعلاه والمنشور عنها في مجلة “العربي”، أن تشير إلى عناوين المؤتمر الوطني، وبرنامج الإصلاح، والصيغة الاتحادية في ذلك المشروع والجهود المقدرة في ذلك الوقت المبكر 1924.
وبين تلك المرحلة 1924 وفترة إعلان مشروع 22 مايو 1990، 56 عاماً، جرت مياه كثيرة تحت جسر حلم الوحدة اليمنية، تقتضي البحث والتقصي للمبادرات والمساعي الوطنية والقومية الساعية إلى التطوير المستقبلي للنظام السياسي المنشود في اليمن.
لقد شكل حدث اتفاق سلطتي شطري اليمن في 1981 على مشروع دستور دولة الوحدة، حدثاً تاريخياً بكل ما فيه، وللعلم أن مجلة “الوحدوي” كانت أول وسيلة إعلامية مقروءة في اليمن تنشر مشروع نص الدستور بالكامل، وفي عدد سبتمبر 1985 الموزع في شطري اليمن والخارج. وخلال عامي 1988، حتى نوفمبر 1989، طرحت في قمتي السلطتين ومن قبل الرئيس علي عبدالله صالح ود. عبدالكريم الإرياني وآخرين، ومن قوى وطنية معارضة في الشطرين، صيغة الدولة الاتحادية لمرحلة انتقالية كافية، إلا أن اتفاق 30 نوفمبر 1989، ثم مشروع 22 مايو 1990 كان هو المشترك بفعل قدرة قادر!
ونظراً لمعضلات المرحلة الانتقالية (90 – 1993)، ثم بالتالي الانقلاب على المشروع الوطني في 1994، وسياسة اللاوحدوية وتداعيات 1994 – 2010، الأمر الذي يحتم مساءلة المسؤولين عنها، وعن عدم التمعن الرصيدي في تلك المبادرات والمشاريع الاتحادية في حينها، وفي حالة توفر المصداقية مع الوحدة. الأمر الذي يفترض وضع تساؤل: هل كان الطرف المبتعد عن صيغة الفيدرالية كما طرح في محاضر 1988 (صحيفة “الوسط”)، كان يضمر ويخطط للانقلاب على الوحدة ومن قبل إعادتها؟!
سلطة متطرفة ومعارضة مفرطة في الاعتدال
بعد مرور زهاء 16عاماً على انقلاب سلطة الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) على المشروع الوطني الوحدوي الديمقراطي، 22 مايو 1990، ذلك الانقلاب الذي غذى وهج الحرب في 1994، وتفرده بالسلطة بعد 7/7/1994 إلى حالنا الراهن.. بعد تلك السنوات يستغرب الإنسان وهو يتابع عدداً من وسائل الإعلام بأنواعها، ولاسيما الصحافة الوطنية، ونادراً ما يجد موقفاً واضحاً لكتاب وصحفيين وطنيين ومرموقين وبعيدين عن التصنيف في سياق مثقفي السلطة، لكنهم متجاهلون سياسياً وإعلامياً لتداعيات جراء ذلك الانقلاب السياسي بخطاياه ومخاطره الماضية والراهنة والمحتملة على هذا المشروع الوطني، الذي مثّل الحلم الجميل لأجيال متعاقبة، وفي حالنا غدا الحكم المنكسر بالتسلط والفساد المطلق.
وبمرارة يُقرأ المشهد اليمني الراهن والأزمات المتكالبة عليه، والتي تطرح عدة تساؤلات إزاء ذلك وإزاء الأقلام الصامتة نحو ما حدث، ويحدث في الواقع الذي صرنا إليه، والصور المشينة لمحنة هذه الأوضاع وتفاقم حالتها الوطنية المنكسرة..
ومع كل ذلك نجد الصورة النمطية للإعلام الرسمي يلتحف بالأهداف الستة للثورة والممنوعة عن التجسيد على أرض الواقع طيلة العقود الثلاثة الماضية. ثم إن ذلك الإعلام المكرس لمفردات الحاكم في الحل والترحال، ومضاعفة التعمية على الرأي العام المحلي والخارجي حول إلغاء معظم مواد دستور الوحدة، واتفاقاتها، وإلغاء وثيقة العهد والاتفاق المجمع عليها في فبراير 1994، والاكتفاء بادعاء الوحدة فقط باسمها وعلمها ونشيدها كشعار، وعلى مدى أكثر من 16 سنة مضت، وبرغم الرفض لذلك الانقلاب على الوحدة، ونبذ العنف والاستبداد والفساد المطلق من الحكام على المحكومين، ووصول سلطة الحكم إلى طريق مسدود، لاسيما بعد اختلاق القضية الجنوبية، وصنع أزمات الحروب والصراعات في المحافظات الشمالية، الشرقية والجنوبية، والحروب المقوضة للنسيج الاجتماعي، وللاقتصاد الوطني وللأمن والاستقرار، وبرغم مبادرات الحوار والتشاور الوطني، وطرح المشاريع والرؤى الوطنية للتغيير والإنقاذ الوطني منذ 2005 وحتى 2010، إضافة إلى معطيات ومشاريع الحراك الجنوبي السلمي، وبقية المبادرات لقوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني داخل اليمن وخارجه.. فإن أزمات الحكم والحكام تتفاقم باطراد، مع ذلك السلطة تصر وتستكبر استكباراً لمواصلة سلطتها المستبدة، وإنتاج ذاتها عبر دورات انتخابية زائفة وديكورية، وبالمقابل الحراك السياسي الجنوبي السلمي وأمام ذلك الانقلاب، طرح مشروعه بفك الارتباط كنتيجة لتلك المقدمة المنقلبة على الوحدة اليمنية.
أمثلة في عصرنا
من هنا فإن خلاصة الرؤية الوطنية للتشاور والحوار الوطني المعلنة عبر اللجنة الوطنية للحوار المكونة من قبل أحزاب اللقاء المشترك والشخصيات والمنظمات المنضوية في ذلك الحوار، الداعية إلى النظام البرلماني والفيدرالية، وإلى الحوار الوطني الشامل لاسيما بعد سبتمبر 2009 وحتى حالنا الراهن. إن تلك الرؤية الداعية إلى الفيدرالية، ليست مبتورة الصلة بما قبلها وما حولها.. وتمثل الخيار البديل لسلطة الانقلاب على المشروع الوطني، وتلك الرؤية تمثل خياراً أفضل، وبعد الحوار مع القوى الوطنية الرافعة لشعارات فك الارتباط، كل ذلك شعاره الحوار الشامل وطريقته الحراك السلمي الأشمل.
والسؤال: ما هي المقدمات لتغيير نظام الحكم الفردي، بنظام سياسي وطني برلماني، ونظام حكم لدولة الوحدة الاتحادية والديمقراطية، والتي تستند إلى حكم محلي كامل الصلاحيات في كل المحافظات؟
إن على اليمنيين قراءة التجارب الاتحادية من حولهم، من تجربة الإمارات العربية إلى الاتحاد الماليزي، إلى إثيوبيا وجنوب أفريقيا غربا، أما ثقافة النظام القطري العربي الشمولي الفردي الاستبدادي فمآله المحتوم إلى الاتحاد الديمقراطي والنظام البرلماني وفقاً للتطورات الحداثة والعصر دون مفر، لاسيما في الأقطار العربية المنعوم عليها بالجلالة لرئيسها. وحتى النظم العربية الأخرى ترى تحولات العصر تدفعها رويداً رويداً إلى نظم دستورية وبالديمقراطية المتدرجة.
من هنا، وأمام خطايا سلطة الحزب الحاكم، جراء انقلابه على الوحدة، وإصراره على التفرد بالسلطة باستبداد مقيت وفساد مطلق، فقد تعددت الأصوات المعترضة على انقلابه وكذلك تداعيات قوى الحراك السياسي السلمي الجنوبي خاصة، ثم تصاعد لقاءات وحوار أوسع قوى المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية داخل الوطن وخارجه، للخلاص من المحنة وللإنقاذ الوطني.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة، طرحت مبادرات ومشاريع وطنية عنوانها النظام البرلماني، والوحدة الاتحادية، والحكم المحلي كامل الصلاحيات، ورد ذلك بصور ومشاريع متشابهة ومتفاوتة بالمبنى والمعنى، ومنها مشروع رابطة أبناء اليمن (2007 – 2009)، ومشروع الرؤية الوطنية للتشاور والحوار الوطني، ومن قبل لجنته للحوار الوطني المنبثقة عن التشاور والحوار، سبتمبر 2009، ومن قبل العديد من الشخصيات الوطنية المنضوية في بعض أحزاب اللقاء المشترك، والمنشورة في الصحافة الوطنية المعارضة خلال عامي 2009 و2010. وكذلك تبني الصيغة الاتحادية لدولة الوحدة الوطنية الواردة في البيان الختامي لدورة اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، يونيو 2010، إضافة إلى بيانات ومشاريع بهذا المعنى الاتحادي، والمعنى الوطني لعدد من القيادات السياسية الوطنية المعارضة في الخارج بين 2008 و2010، وجميعها تتفق في تغيير نظام الحكم إلى الصيغة الفيدرالية الاتحادية.
ونهمس في مسامع دعاة الانقلاب الشامل على مشروعنا الوطني ومحنه الراهنة، نقول: محال قبوله واستمراره مهما تسلح بقوة الاستبداد وصنوف الفساد.
ونقول لدعاة الجنوب العربي الذي نفهم جغرافيته من مضيق هرمز إلى غرب باب المندب، فمشروعنا اليمني ووحدته الوطنية بإرادة سلمية وإجماع شعبي أولاً.
وإيماننا بالرأي والرأي الآخر لا يعني التسليم بالخطأ أو الخطيئة، بل نحتكم جميعاً إلى الشعب من الأدنى إلى الأعلى، وحينها نسمع صوت المواطن عندما تتوفر له الحرية والنزاهة وبدون قيود.
إن هذا التلاقي حول خيار صيغة نظام الحكم ودولته الاتحادية، المحزومة بنظامها البرلماني والمضمونة بقواعدها في الحكم المحلي كامل الصلاحيات، يجعل خيار دولة الوحدة الاتحادية، حجة سياسية، مجرمة للتفرد الشمولي بالسلطة، ومقنعة بل وضامنة لدعاة فك الارتباط إذا ما غدت هذه القضية ملتقى أوثق وأصدق وأوسع للحكم والمحكومين اليمنيين في آن واحد، وفي ظل حقيقة الشراكة الوطنية، والمعادلة الحقيقية في التداول السلمي للسلطة… الخ.
فمتى تتحول تلك الصيغة الاتحادية إلى نصوص في العقد الاجتماعي المجمع عليها، وإن أغلبية الثلثين من أطراف القوى الوطنية والاجتماعية، والاقتصادية الجادة والحقيقية مع الوحدة، وكمقدمة للإجماع عليها، ولسوف يبقى مشروع 22 مايو 1990 هو المرجعية لكل الوطنيين اليمنيين، وحتى يتفق الجميع على ما هو أوسع وأضمن للارتقاء بنظامهم السياسي، مجسدين في الحقيقة وعلى الواقع صيغة الاتحاد الوطني الديمقراطي المطروح على الأرض وفي حياة الناس بحرية وشراكة وعدل.
لم يعد مقبولاً، وبعد 20 سنة على مشروع 22 مايو 1990، أن يستمر الحوار مع الحكم وهو مغرور بانقلابه على الوحدة، ومصر على تفرده بالسلطة والثروة والقرار لحكمه الدائم. وفقط ينبغي أن يكون له ما لسائر الأطراف الوطنية، وعليه ما عليهم، وضمن ثوابت المشروع الوطني، وبتواضع يقال.. هذا أكثر مما يستحق.
والسؤال الأخير في هذه السطور.. يتساءل هل يغدو مشروع دولة الوحدة الاتحادية خياراً يدحض المشروع الانقلابي على الوحدة، وينافس الرأي الآخر على مبدأ فك الارتباط السلمي؟! ذلك ما سوف تأتي به الأيام والشهور القادمة. والحكمة تقول: لا تقل لي شيئا إزاء خيار الاتحاد الوطني الديمقراطي، ولكن دعني أرى قوادم الأيام المنظورة، أما ترحيل الأزمات عبر السنوات فكفانا الله شر تداعياتها.
إن الصدقية والشفافية مقدمة أولى للتوافق الديمقراطي، وإن دولة الوحدة الاتحادية بنظامها البرلماني وحكمها المحلي كامل الصلاحيات تمثل أبلغ الضمانات للوحدة الوطنية، والملاذ الآمن لحياتها الديمقراطية السليمة. ومن وسط هذه المصاعب والأزمات وظلامها الكثيف يبزغ شعاع الأمل والتفاؤل لجعل الحرية والعدل بوابة عتيدة للوحدة الاتحادية، وكمقدمة أولى وملاذ آمن للوحدة الوطنية.