اقراء في شاشة النداء

اقراء في شاشة النداء

دراما الخروج إلى السياسة أو الفن
المحرر
لم يستحوذ مسلسلا “همي همكـ” و”أصحابـ” اللذان عرضا هذا العام على قناة السعيدة، على المشاهد إلا لنجاح ما. لكن نجاح كل منهما مختلف تماما. وهو رأي آخر لم أقرأه في أكثر الكتابات التي كتبت حولهما.
لو عولنا على التراكمات لصنع دراما حقيقية كما نفعل دائما، فنحن كنا في البدايات وما نزال فيها دون تقدم لخطوة واحدة. التراكم يحتاج لوعي يخلق وعيا أعمق يأخذ النقد على محمل الجد ليستمر ويقوى عوده. نعم خلقت قناة كالسعيدة للدراما زخما خاصا، وقدمت ممثلين ومخرجين ومؤلفين، ولفتت انتباه المؤسسة الرسمية والخاصة لأهمية الدراما.. خلقت تنافسا جعل من الفضائيات الرسمية تتحفز وإن عادت مرة أخرى لنقطة الصفر. في الدراما هذا العام عرضت قناة اليمن مسلسلات منها “عيني عينكـ” و”العقل زينة”، وهما بمواضيع مكررة مقتبسة، وعرضت السعيدة مسلسلي “همي همكـ” و”أصحابـ”، كان نصيب الأسد في النجاح لمسلسلي “السعيدة”، لكنه نجاح مختلف.
«همي همك».. الخروج إلى السياسة
بالضرورة ستعود بك ذاكرتك وأنت تشاهد مسلسل “همي همكـ” لفهد القرني، وفي الحلقة الأضعف فيه، الحكاية الثانية تدور أحداثها في الصومال، حيث اضطر صابر إلى مغادرة اليمن إلى الصومال. وإلى أحد اليمنيين وهو يوجه كلامه لأحد الصوماليين “احتليتم البلاد” أو “اخرجوا من بلادنا”. لكن الحدث في المسلسل يوجه خطابه قائلاً “عليك أن تضع نفسك مكان الآخرين”، هذا كل ما يمكن الخروج به من تلك القصة، ولا أظن أن المسلسل قدّم معالجة كما يحلو لصناعه أن يقولوا. لقد مر المسلسل مرور الكرام على قضايا مهمة كتسلط المشائخ والقرصنة والفساد. من خلال 3 أشخاص أراد لهم القدر أن يجتمعوا معاً، ويواجهوا مصيرا قد يكون الموت بعد أن تقطعت بهم السبل على الشاطئ، ويبدأ كل منهم بحكاية قصته.
يحكي جعفر التهامي قصته مع أحد المشائخ الذي استولى على أرضه وطردهم من قريتهم. ورغم أن القرني يؤدي دور أحد الثلاثة على الشاطئ، وسيحكي قصة ذهابه إلى الصومال، إلا أنه يؤدي دوراً آخر كأب لجعفر يخشى أن يعترض على الشيخ محاولا إرضاءه مهما كان الثمن، وينجح في إقناعنا بالشخصية (رغم بعض المبالغات في الأداء)، وخاصة بعد أن أخفى الميكياج حقيقته، ونجح في الدور أكثر من الدور الآخر. هذا الجزء بالذات أثار ضجة كبيرة ولاقى اتهامات بعدم المهنية وبتشويه صورة التهامي، ولا يمكن أن أوافق على ذلك، فمثلما قدم التهامي الظالم كالشيخ، قدم قليل الحيلة كجعفر والمقاوم كخال جعفر، وكل ذلك يعني نموذجاً بعينه ولا يعني التعميم.
لكن عدم المهنية أن يتم تناول الموضوع بهذه السطحية، فلم يقل لنا ما الذي جعل هذا الشيخ يصل إلى هذه المرحلة من الطغيان، ما الأسباب النفسية والاجتماعية، والسياسية. لقد كان ثمة وجهة نظر واحدة هي وجهة نظر المؤلف. وهنا تظهر شخصية فهد القرني السياسي مؤلف المسلسل أو فهد سعيد كما كتب في مقدمة المسلسل، فيوجه كل شيء لمصلحته وبالطريقة التي يريدها.
ربما عليه في المرة القادمة أن يخرج من عباءة السياسي، وليكن كفنان ملكا لجميع الناس. ويؤكد كلامي هذا رد القرني على “البركاني” في سجال لم يكن هو بحاجة إليه، أعتقد أن على الفنان ألا يتهجم على أحد، وأن يترفع عن مثل هذه الأشياء.
في نظري، جاء هذا المسلسل في مصلحة القرني ليخرجه من عباءة أخرى هي عباءة الفنان الإسلامي، فالقرني تعود على مسرح لا مكان للمرأة فيه ولا للحب، أما في المسلسل الذي كتبه هو، فقد كانت هناك قصة حب، وإن على استحياء، وكان هناك ظهور للمرأة.
ما لم يكن فيه القرني مقنعاً هو أداؤه لدور طالب يفترض به أنه طيب لكنه شجاع، وهو الحكاية الثانية من المسلسل، فملامح القرني القاسية وطوله، لم تضف الصدق على الدور. ولو كان صلاح الوافي الذي أدى دور رجل الأعمال بحرفية عالية في الحكاية الثالثة، لكان أكثر إقناعا.
كما أن فهد سعيد لم يكن مقنعا في بناء شخصية جعفر، فالذي يتهم بالغباء، وبطء الفهم على مدى حلقات المسلسل، لا يواجه شيخاً ظالماً كما فعل جعفر ليُحبس ويجبره والداه على التنازل. وقد يذكرنا بفكرة مسرح المدرسة المستهلكة مدرس وطلاب مشاغب وذكي وغبي… لم يكن مبتكراً ولا هو قادر على الغوص في عمق تلك الشخصيات.
لم يخرج المسلسل من السياسة إلى الفن، لكنه خرج من الفن إلى السياسة، وهذا يؤخذ عليه. كما تزيد في المسلسل لغة الوعظ والمباشرة، ومثل هذه الخطابية تبدو كوصاية على عقل المشاهد.. والفنان برسالته لا يجب أن يشبه برسائله السياسي ورجل الدين، بل يقدمها بطريقة فنية تدعو الجمهور إلى التفكير.
*****************

«أصحاب».. الخروج إلى الفن
عادة، لست بحاجة للعودة مرة أخرى لأعمال عمرو جمال لتعرف في أية منطقة تتجه رؤيته، فهذا المخرج باستطاعته دائماً أن يخلق نوعاً من الدهشة والإبهار. لا أستطيع أن أفصل عمرو جمال في عمله الأخير “أصحابـ”، عن كل ما قدمه في المسرح والتلفزيون خلال الفترة السابقة منذ 2005.
لقد جاء عمرو جمال محملاً بهم إعادة الألق للمسرح الذي كان يراه منذ أن كان صغيراً. واليوم بعد أول مسرحية له وهي “عائلة دوت كوم” التي عرضها في 2005، لا تملك إلا أن تقول بعد مشاهدة أعماله: “يا إلهي! ما الذي يفعله هذا الشاب؟”. أو كما علق أحدهم بعد أن شاهد مسرحيته الأخيرة “معك نازلـ” 2009، لم أكن أعتقد أن لدينا فنا بهذا المستوى. والمسرحية الأخيرة مثلت اليمن في ألمانيا وحازت نجاحا منقطع النظير.
تلهم أعمال عمرو جمال الكثيرين من الشباب، ونجاحه المتواصل في أعماله يجعل فرقته “فرقة خليج عدن” تتماسك وتواصل أعمالها بجدية، وبها انطلق مؤخراً في عمل درامي عُرض على قناة السعيدة بعنوان “أصحابـ”.
قبل أن أتحدث عن هذا العمل لابد أن أضع نقاطاً عدة في الحسبان: أولاً ضعف الإمكانيات التي تعمل بها الدراما في اليمن، وثانياً تعود الجمهور على دراما سريعة كمسلسلات تتكون من حلقات منفصلة تتكرر فيها الموضوعات: الأداء الوظيفي، الثأر، قيم العمل، الرشوة، ومؤخراً الإرهاب. إلا أن تكرار هذه الموضوعات يجعلنا ندور مع دراما غير مؤثرة، وبالتالي ليست ممتعة سوى لمرة بل واحدة، بل للحظات.
يأتي عمرو في مسلسله “أصحابـ” ليبدأ بموضوعات مختلفة، قد تبدو مغامرة، لكن تلك المغامرة كانت ناجحة، فإضافة إلى نجاح ما، حققه مسلسل “همي همكـ”، كان “أصحابـ” يحقق نجاحاً مغامراً بأداء جديد على مستوى الإخراج والتأليف والصورة.
تدور أحداث المسلسل في إحدى شركات الإعلام “أصحاب ميديا”، وتربط بين العاملين فيها نساء ورجالاً علاقة صداقة أكثر قوة، وتتوالى المواقف التي تظهر مدى قوة تلك العلاقة في الشدة والفرح!
في ما قدمه عمرو هناك مجتمع ينفض عن نفسه الغبار ليقول أنا هنا. وبرأيي فعل عمرو جمال ما علينا أن نفعله من تعميم مثل تلك النماذج الصادقة الأكثر دفئاً، وهو دور الدراما.
في أعماله السابقة يمكن أن نلاحظ أن عمرو يعمل على ثيمات الحب، والأمل، والمثابرة، وهي متواجدة في كل أعماله، وهو ميزة له، بين كل الشتات الذي يعانيه الجميع في المسرح والدراما.
وفي المسلسل سنلاحظ أن قصة الحب التي جمعت بين بطلي المسلسل كانت دافعاً للنجاح والتغيير، كما أن أملا طال انتظاره في أن تنجب زوجة شخص تتحقق في النهاية.
سيدور جدل إلي أي مدى تبدو قصة أصدقاء مهمة للتقديم في مسلسل ونحن نعاني أشياء تبدو أهم تنغص حياتنا. لكن عمرو يفكر بطريقة مختلفة، فكما يقول في مسلسله “أصحابـ”: “إن علاقة مجتمع ببعضه هي التي تحدد مصير ذلك المجتمع، سواء مجتمع العمل أو العائلة أو الحارة أو الوطن”.
———–
 

نكذب على أنفسنا حين نشير مجازاً إلى الساحة الثقافية بينما لا يمكنك العثور
على ساحة لديها مشهد يراكم الخبرات ويبني عليها.
الشاعر أحمد السلامي: جيل التسعينيات ليس فرقة موسيقية مطالبة بتقديم عرض جماعي
لماذا قد يحب المبدع العمل في بيئة مثالية؟ ماذا عن خلق البدايات وما يتلوها؟ وهو ما فعلته كل بيئة يمكننا المقارنة بها. لم تصبح الأمور على خير ما يرام، إلا بعد أن كان سيئة للغاية! لو انطلقنا من تعريف الإبداع والمبدع سننتهي إلى أن نبتة ما تستطيع العيش في كل الظروف، وهي قادرة على التأثير أكثر من التأثر. إذن ألا يبدو المبدع اليمني حالماً بعض الشيء؟
لفهم ما يحدث في ساحة الأدب الثقافة، تُجري شاشة “النداء” سلسلة من الحوارات، ويناقش الحوار التالي مع الشاعر أحمد السلامي رئيس تحرير الموقع الثقافي “عناوين ثقافية”، الجدل الدائر حول قصيدة النثر، وعن المسؤول عن حال الثقافة، وعن أسباب تجعل جيلاً ما ليس قادرا على الاحتفاء بما قدم ناهيك عن الاستمرار. والشاعر من مواليد صنعاء 1972، له 3 إصدارات شعرية “حياة بلا بابـ”، “ارتباك الغريبـ”، و”دون أن ينتبه لذلك أحد”.
حوار: محمد الشلفي
> كأحد كتاب قصيدة النثر في اليمن.. يكاد نتاج الشعراء فيها مؤخرا ينعدم.. ما رأيك؟
– هناك أمور يصعب اختبارها في اليمن أو الخروج بمؤشرات حقيقية تعكس مدى حضورها أو غيابها. إذ كيف لك مثلا أن تقيس عدد المعجبين بآخر فيلم حصل على الأوسكار بينما لا توجد في صنعاء دار سينما؟!
الفضاء العام هنا غير مؤهل لاختبار أي أداء جمالي أو معرفي مغاير للسائد المهيمن بقوة على الذائقة الجمعية. وعلاقة الشاعر اليمني بقصيدة النثر تندرج ضمن هذا الالتباس. والأولويات في صنعاء معنية دائماً بتلبية ما يتواءم مع النسق التقليدي في الحياة والأدب والسياسة. ولك أن تتأمل دلالة وجود شخصيات بارزة من اتحاد الأدباء في لجان تحكيم مسابقات متلفزة في الشعر الشعبي، وكيف جرى تحويل تلك المسابقات إلى مناسبة لبث المدائح، مع أن الشعر الشعبي موروث شفهي متعدد الأغراض.
ولا تتعطل سلطة الواقع وتفقد صرامتها إلا عند انكفاء الذات على ممارسة مستوى من التواصل الذهني مع أشواقها الخاصة، وبهذا المستوى من التجريد تتحدد العلاقة بين النخبة ومستوى تواصلها مع تطلعاتها وهواجسها، وهنا يتساوى الحضور مع الغياب، حيث الاشتغال على الأفكار والتصورات الجمالية يظل اشتغالاً داخلياً معزولاً عن الواقع، لذلك يصعب الجزم بتراجع أو تقدم خطاب جمالي أو تصور فلسفي من هذا النوع الجواني، لأنه لم يتحقق خارج الذات، ولأن أداة القياس تكون غير موجودة أصلاً. وقصيدة النثر الآن تكتسب في الواقع المحلي هذا المستوى من التجريد.
ويبدو أنك تجعل من كثافة النشر مقياساً لوفرة الإنتاج واستمرار اليقين بهذا الشكل. ولا أظن بيئة النشر في اليمن مناسبة لإقناع الشعراء بمواصلة اختبار تجاربهم على هذا النحو، حيث لا توجد مؤسسات نشر وتوزيع بالمعنى الاحترافي. لدينا مركز عبادي الذي تقتصر مهمته على طباعة المجموعة الشعرية ومن ثم الاتصال بالشاعر الذي يتحول إلى عتال يحمل النسخ على ظهره ولا يدري أين يضعها. وعندما نلمس أحيانا ما يبدو مؤشراً لولادة صحافة ثقافية، تمضي السنوات، وتظل تلك التجربة تحبو في حظيرة الإعلام الرسمي ولا يتحرر أداؤها من الالتزام المجاني لخطاب السلطة. أما الصحافة الأهلية والحزبية فلديها أولوياتها السياسية والتجارية، ولا يمثل حضور المساحة الثقافية عندها إلا ما يلبي اكتمال التبويب.
> هل ما زال الجدل حول شرعية قصيدة النثر يمثل عائقاً لكتًّابها؟
– هذه مرحلة تم تجاوزها ولم تعد تمثل عائقاً تجاه إنتاج قصيدة النثر بكثافة على المستوى العربي، ومع ذلك فإن هذا النوع من الجدل لم يدر في اليمن إلا على هامش حوارات ثنائية بين شاعر منحاز للنثر وآخر للتفعيلة. أي أن المجتمع هنا لم يشترك في الجدل كما حدث في السعودية على سبيل المثال، حيث دخل بعض رجال الدين في معركة مفتوحة لم تكن معنية برفض الشكل الشعري الجديد بقدر ما كانت ضد الخطاب الليبرالي باعتباره يشكل خلفية الحداثة الشعرية. لذلك فإن تجاوز الجدل حول شعرية النثر لا يعني الحسم بقدر ما يعني التأجيل، والذي تأجل هنا ليس البت في مشروعية القصيدة، بل تأجل البت في التوقف عن تقديس الماضي بتمثيلاته الأخرى المتصلة بتحديد إقامتنا الجبرية داخل طريقة واحدة للتفكير، أما التنازل عن ثوابت الموروث الشعري ممثلاً بتفعيلات الفراهيدي، فإنه لا يضمن الولوج إلى الحداثة والمعاصرة إلا من بوابة المجاز، وهذا ما يجعل من قصيدة النثر في ثقافتنا مكسباً معلقاً بنوايا الغد، وطائرة ورقية نعبر بها من الحلم إلى الحلم، وعبر كتابتها نتسلى بمتابعة بروفة لغوية لحداثة لا نعيشها.
غير أن الإشكالية التي تواجه قصيدة النثر الآن، ويجري تداولها على نطاق ضيق، هي الشعور بالاتجاه نحو التقولب واستنساخ نبرة إيقاعية توحي بتشابه النصوص، وأرى أن محاولة التمرد على هذه النبرة ستفتح أمام القصيدة الجديدة مقترحات وبدائل من شأنها أن تثري قصيدة النثر وتسمح بظهور التجارب الشعرية الفردية التي اختفت منذ سنوات، بمبرر غير مقنع، مفاده أن قصيدة النثر ضد الشاعر النجم، وباستعارة لغة الدراما قيل إن البطولة ستكون جماعية، وعلى ما يبدو ها هو المأزق الآن قد صار جماعياً، وإن كان الحديث حوله لا يزال يدور بحذر، وذلك أمر غريب لمسته بنفسي، وهو أن قصيدة النثر بمواصفاتها الراهنة تحولت عبر منتجيها ونقادها إلى سلطة لها منابرها وحراسها، وبعض حراس هذه السلطة لا يقبلون النقد ويمكن أن يتهموك بالرجعية والحنين إلى الماضي إذا ما قلت إن ثمة ركاكة شعرية تحتمي بالنثر.
> في ما يخص الثقافة ثمة موت ثقافي إذا صح التعبير في الشعر، في القصة، في الرواية، ربما روايات قليلة صدرت، وهناك محاولات تبدو يائسة كإصدارات ثقافية متناثرة هنا وهناك، مواقع إلكترونية، ومؤسسات ثقافية تحاول أيضا، أين تكمن المشكلة.. في الجهة الرسمية، في المثقف، في المجتمع؟ وعلى عاتق من تقع المسؤولة الكبرى؟
– لم نشهد حتى الآن مرور فترة يمكن وصفها بأنها كانت ذهبية للثقافة، لكي نقارن بتذمر بينها وبين الفترات اللاحقة، وما حدث في 2004 لا يمكن القياس عليه، لأن الفعاليات والمطبوعات كانت مدعومة بميزانية استثنائية مكرسة لمناسبة صنعاء عاصمة للثقافة العربية، وأدارها وزير ومثقف استثنائي هو خالد الرويشان. أما الموت الثقافي حسب تعبيرك فقد اعتدنا عليه لدرجة أننا لم نعد نتبادل العزاء.
لاحظ أنك اختزلت حالة الموت في الوجه الأدبي والمؤسساتي للثقافة، بينما العلاقة المباشرة للجمهور كانت مع السينما التي اختفت من صنعاء بالتزامن مع حالة الشلل التي أصابت المسرح، ناهيك عن تقوقع الفنانين والمطربين في صالات الأعراس في وجود شركات إنتاج ومحطات فضائية تغازل الجمهور بأصوات مستنسخة تقلد مطربين أحياء وراحلين، وكأن الزمن توقف منذ السبعينيات.
أظن أن التحليل المنطقي لتفسير هذا الركود الشامل يتجه نحو إلقاء المسؤولية على انعدام الاستقرار السياسي في البلد، فالفنون والآداب تتراجع دائماً في أوقات الأزمات وأثناء الانهيارات الاقتصادية التي تتعرض لها الدول، واليمن منذ إعلان الوحدة قبل عقدين، لم تفارق الأزمات الاقتصادية والسياسية، علاوة على الحروب والاضطرابات التي تتخلل الزمن الوحدوي بمعدل أخطر مما كانت عليه في زمن التشطير.
أما بالنسبة للمبدعين كأفراد ستجد أن الدافع الوحيد الذي ما يزال يربطهم بالقراءة والممارسة الإبداعية يتصل فقط بمقدار ما تبقى لديهم من شغف وميول شخصية، وباستثناء هذا الشغف لا يوجد ما يغري بالتعلق بحرفة بائسة كهذه.. حتى إننا نكذب على أنفسنا حين نشير مجازاً في مقالاتنا إلى الساحة الثقافية والمشهد الثقافي، بينما لا يمكنك العثور في العاصمة على ساحة لديها أجندة أو مشهد يراكم الخبرات ويبني عليها، ولن تعثر حتى على مكان يلتقي فيه الأدباء بعد أن تحول اتحادهم إلى محمية سياسية يحظر على الآخرين الاقتراب منها!
> مؤخرا كتبت أكثر من مقال عن الجيل التسعيني، كواحد من هذا الجيل بداية ألا توافقني أنه هش سرعان ما يسلِّم…
– يسلِّم بماذا؟ دعني أقول إن جينات التسعينيين متوارثة، لذلك ستجدهم ينخرطون مثل الأجيال السابقة في أداء مهمات بعيدة عن الإبداع، والفارق أن الزمن الحاضر أكثر هشاشة من الماضي، لذلك تضيق مساحة الاختيار بين الإبداع وسواه.
ضع في الحسبان كذلك أن هذا الجيل منذ أن وعى نفسه في بداية التسعينيات والبلد يستهلك السياسة بجرعات زائدة.. استيقظنا على واقع ملغم بالأزمات السياسية والحروب الأهلية والاستقطابات، حتى الذين يعيشون في العاصمة؛ كبرى مدن البلاد، لم يتجولوا بين المسارح ودور السينما وحفلات الموسيقى، ولدنا على برع في ميدان التحرير، ونشرات أخبار مملة، وتعرضنا لموجة أناشيد وطنية يغيب فيها اسم الوطن. ربما نكتشف ذات يوم أننا عشنا بلا هوية ننفعل بها ومعها، وبلا وطن يشبه أوطان أصدقائنا الذين يبعثون لنا كتبهم الأنيقة المطبوعة على ورق فاخر. هويتنا متخيلة، وأحلامنا بالهجرة لا تكف عن مراودتنا. والذين في أعمارنا يعيشون مثلنا حالة انفصام بين حداثة متخيلة يتشربها اللاوعي من التليفزيون والانترنت، بينما يتعايش الوعي مع نمط حياة تقليدية تمضي ببطء شديد.
> إنجازات هذا الجيل بدأت بمشاريع ربما برؤية واضحة قادرة على إحداث فارق في الواقع الثقافي/ الأدبي، وانتهت إلى مشاريع شخصية. من يتحمل مسؤولية هذا التراجع برأيك؟
– لم يكن لدى التسعينيين أي مشروع جمالي متفق عليه.. توزع الشعراء بين العمود والتفعيلة والنثر.. والشيء الذي كان يجعلهم يبدون وكأنهم كتلة واحدة هو الاتفاق بصمت على الدفاع عن حقهم في الوجود، فلما تحقق هذا الهدف انتهى التحالف. وستجد في تاريخ الأدب أن الذين صنعوا التحولات هم أفراد، وبالتالي يبقى التجييل توصيفاً شكلياً لا يلزم كل فئة عمرية بتنفيذ مشروع استراتيجي موحد، وجيل التسعينيات ليس فرقة موسيقية مطالبة بتقديم عرض جماعي.
وعادة ما يتكرر السيناريو مع كل جيل أدبي، حيث تتوقف العربة ليهبط منها البعض بإرادتهم في منتصف الطريق، وقد لا تصل إلى محطة النهاية إلا وهي تقل 3 أو 4 أشخاص، ويمكنك أن تستعيد قائمة جيل الثمانينيات لتعرف كم تبقى على متن قطار ذلك العقد.
> هل فعلا جيل التسعينيات، انقسم كما ورد في مقال لك، إلى 3 ندابين ومنجمين يحذرون من الانهيار، كتاب شعارات ومدائح للاستقرار في زمن الفوضى، ومن آثر الصمت والانشغال بمتاهات الحياة؟ وما الرابط برأيك في توجه كل هؤلاء؟
– لم أكن أعني في هذه المقالة القصيرة جيل أدباء التسعينيات فقط.. بل أعني جيل التسعينيات بأكمله من أدباء وصحفيين ونقابيين وحزبيين وغيرهم ممن تخرجوا من الجامعات. حتى إنك لا تعرف أين يذهب الأطباء والمهندسون والمحامون الذين يفترض أن يشكلوا نواة لمجتمع مدني. كلما كنت أشاهد حفل تخرج لطلبة جامعة كنت أظن أن نمطا جديدا من التفكير سيفرض نفسه ويدشن حياة مختلفة ومطالب تتعلق بعصرنة أسلوب المعيشة في المدن، وأن من بين هؤلاء من يفترض أن يكون مستهلكا لما ينتجه الشاعر والروائي.. كنت أقول هؤلاء هم الذين سيحدثون انقلاباً في البنية الاجتماعية، وهم جمهور الثقافة المستقبلي. ولكن لا تدري كيف يبتلعهم الواقع بشراسة، وينتظمون في الطوابير الثلاثة التي ذكرتها.
> قلت في مقال آخر أيضا “اختلفنا مع الماضي بعدوانية تحجب الفهم والمعرفة، وعلى أيدينا تحول الصراع بين الأجيال إلى صراعات شخصية”. هل هي دعوة للمصالحة مع الماضي والحاضر بمكوناته، وإقرار باقتراف الخطأ؟
– لم يكن السياق الذي كتبت فيه هذه العبارة يفضي إلى المعنى الذي توحي به حين تكون مجتزأة على هذا النحو، وينبغي أن تعيد قراءتها في السياق مع استحضار المناسبة التي جعلتني أكتبها.
كنت أتابع أصداء حملة قاسية ضد الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي الذي لا تروقني كتاباته، لكن الحملة انتقلت من الحديث عن تجربة الرجل إلى الحديث عن صلعته، وأنا ضد أن تكون الحداثة عدوانية وذات مواقف شخصية. أظن أن الحداثة تعني التسامح والقبول بالتعدد، واختلافنا مع الموروث الشعري لا يعني أن تتأسس القطيعة مع ذلك الموروث على القطيعة مع مبدأ الاستيعاب والحكم على التجارب في إطارها الزمني، وهذا ما عنيته بالقول إن العدوانية تحجب الفهم والمعرفة، وأي مصالحة بين الماضي والحاضر لا تعني خلط الأوراق أو التنازل عن خيارات اللحظة الشعرية الراهنة.
———

معرض صنعاء ال27 للكتاب.. ضعف في الإقبال، والكتب الدينية تتصدر المبيعات لتبقى اليمن الثانية عربياً
“النداء”
وحدهم قرَّاء الكتب الدينية التراثية من مثَّل لهم معرض صنعاء الدولي هذا العام مكاناً مناسباً وثريا، أمَّا قرَّاء الأدب والسياسة والتاريخ والعلوم والقانون… فلا شيء يسر إلا اليسير.
عدم التوازن هذا يحكمه الجمهور، وهو ليس خاصاً باليمن، فهذا قد يحدث في مدينة كالقاهرة أيضاً. أمَّا في معرض الكتاب في فرنسا، وقبل 5 أعوام، نشر تقرير يشير إلى أن كتب الطبخ هي أكثر الكتب مبيعاً!
الأكثر إثارةً هذا العام في معرض صنعاء ال27، الذي افتتح السبت 25 سبتمبر، واستمر ل10 أيام تالية، بيان أصدره 7 من الأدباء يعلنون مقاطعة المعرض بسبب “كثافة كتب معروضة تدعو للتطرف والإرهابـ”، وبسبب عدم حضور دار نشر رياض الريِّس، ودار الساقي في المعرض ودار الآداب. لكن قد لا يكون كل ما ورد صحيحاً. فما ورد في البيان زوبعة مفتعلة من قلة لا يتعدون أشخاصاً.. كما تحدث رئيس الهيئة العامة للكتاب د. فارس السقاف. فاتحاد الأدباء، ووزارة الثقافة، والناشرون اليمنيون، واتحاد الأدباء مشاركون في المعرض.
كما أن سببا رئيسيا يفترض أنه كان وراء تلك المقاطعة، ورد في نفس البيان، وهو منع رواية للكاتب محمد الغربي عمران. وتحدث الغربي عمران عن منع الرواية في المعرض، لكن ليس علينا أن نصدق كل ما يقول الأدباء. ففي 3 تصريحات ينفي وزير الثقافة منع الرواية، ويصرح أحمد ضيف الله العواضي أن الرواية موجودة، ويضيف السقاف: أنا اشتريتها بنفسي، كما أنَّ لا رقابة مسبقة على الكتب، وإنما الرقابة لاحقة، فإذا كان هناك كتب ما سيتولى القضاء النظر في منعها أو عدم منعها.
يتصدر معرض صنعاء الدولي للكتاب المركز الثاني في إقبال الجمهور بعد القاهرة منذ سنوات، من السهل معرفة ذلك من جهة رسمية أو من ناشرين يشاركون في كل المعارض العربية. ويتفاوت الإقبال على معرض صنعاء بين الزيارة والفرجة، وبين الشراء، فيما يؤكد لك الجميع أن اليمنيين أفضل من الخليجيين في الاهتمام بالكتاب.
شارك هذا العام في المعرض 300 دار نشر وتوزيع حسب إحصائيات رسمية، فمقابل دور النشر التي تهتم بالأدب والسياسة والفن والتاريخ، تتزاحم عشرات الدور التي تطبع الكتاب الديني التراثي: كتب المذاهب، والطرق الصوفية، وكتب التفسير والفقه، وغالباً ما تباع كتب التراث بالجملة للمؤسسات، ويقل الشراء بالتجزئة، ويتصدر كتابا “لا تحزن” لعائض القرني، و”تفسير الأحلام” لابن سيرين المبيعات.
ويرى معظم دور النشر المشاركة أن الإقبال ضعيف هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة، ففيما ارتفعت قيمة المتر الذي يوفر لهم من 60$ إلى 70$، تقل الدعاية للمعرض. ويبقى التوقيت عاملا مساعدا في ضعف الإقبال، خاصة أن فترة المعرض تأتي بين عيدين.
علينا أن نكون حذرين عند قراءة عنوان يشير إلى “نجاح يرتكز على قاعدة الجمهور”، فبرغم أن أصحاب دور النشر اليمنية الخاصة -وهي أغلبها مهتمة بالكتاب الديني- أقل تذمراً من دور النشر العربية الأخرى، يعتقد نادر صالح مدير التسويق في مكتبة الفاروق (مصر)، أن نسبة الإقبال لا تتعدى 30&#1642_، فيما يرى رشدي عبدالسلام من مكتبة خالد بن الوليد، أن الإقبال متوسط ولا يقارن بالسنة الماضية.
في جناح مكتبة “ميدل إيست أوبزرفر”، وهي صحيفة يومية تصدر في مصر، كما تعمل في التوزيع، وتغطي معظم الدول العربية، بما فيها اليمن، يجد الزائر الكتب العلمية المتخصصة، وأغلب من يبتاعون كتب الطب والكمبيوتر والهندسة هم طلاب الجامعات. يقول جمال القيسي أحد الخريجين، إن معرض الكتاب يوفر له كتاب الصيدلة بسعر أقل وبفارق يصل إلى 4000 ريال عن سعره في المكتبات اليمنية، وهي تزيد في السعر لأنها بلا منافسين.
لا جديد، وإن كنا في المرة ال27 لمعرض صنعاء الدولي للكتاب. أما البيانات فقد يكون عليها أن تسأل عن كيف لمدن لا تنتج الكتاب ولا تعلم القراءة قبلا، أن تفرح باستضافة معرض للكتاب؟
على كلٍّ، كعادتها اليمن تبدو فيها الأشياء شخصية، وإن جاءت في إطار عام!