في أحداث انقلاب 1955.. من صاحب الموقف الوطني.. الثلايا أم الإمام؟!

في أحداث انقلاب 1955.. من صاحب الموقف الوطني.. الثلايا أم الإمام؟!

د. عبدالله أبو الغيث
تحتفل اليمن بمرور نصف قرن على ثورة 26 سبتمبر، التي أقامت النظام الجمهوري على أنقاض النظام الإمامي، وهذه هي المدة الزمنية التي تحددها مناهج البحث التاريخي لانتقال أحداث الماضي من كونها حوادث سياسية معاصرة إلى أحداث تاريخية يتم التعامل معها وتدوينها وفق المناهج العلمية لقراءة التاريخ، التي تقوم على تتبع الحقائق وإبرازها كما هي في الواقع، دون التدخل في التعديل أو الحذف والإضافة؛ فالتاريخ ليس ألعوبة بأيدينا حتى نخضعه لأهوائنا وحساباتنا الخاصة. وبناء على ذلك لا يخفى حاجة تاريخنا اليمني للمراجعة، خصوصاً أحداث بعض الفترات التي تم تدوينها في ظروف معينة ساعدت على تحويرها وتبديلها، وأصبحنا مع الأسف الشديد نتعامل معها بصفتها مسلمات لا تقبل التغيير والتعديل.
ليس كل تمرد ضد الإمامة عملاً وطنياً
لعل الأحدث التي شهدها عصر الإمامة في اليمن، خصوصاً مرحلته الأخيرة، خلال القرن العشرين، هي من أهم الأحداث التي تحتاج إلى مراجعتها تاريخياً، شريطة التجرد من الأهواء والمصالح، واعتبار هذا العصر مثله مثل بقية عصور التاريخ اليمني السابقة له واللاحقة؛ له إيجابياته وسلبياته، لأنه لا يوجد عصر تاريخي في أي زمان ومكان يمكن اعتباره خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً.
وانطلاقا من هذا المفهوم علينا مراجعة أحداث الحركة الوطنية اليمنية الحديثة، لكونها قد دونت وفق قاعدة غير سليمة تقوم على أساس اعتبار كل التمردات ضد الحكم الإمامي بمثابة أعمال وطنية يستحق أصحابها التخليد في تاريخ اليمن بصفتهم بعض أبطاله، بغض النظر عن دوافعهم. بينما كان الأجدر بنا فرز تلك الحوادث؛ فما كان منها بدوافع وطنية ولمصلحة عامة عُد من ضمن الحركة الوطنية، وما كان منها بدوافع شخصية أو أسرية أو قبلية أو مناطقية أو غيرها من الدوافع الفئوية الضيقة، نتعامل معه وفق دوافعه، ولا ندرجها ضمن الحركة الوطنية، لأن ذلك ليس من حقنا، فهي لم تكن من أجل الوطن، ولم تنطلق من المصلحة العامة للشعب.
دوافع غير وطنية لانقلاب 55
وفي هذا الإطار يمكن أن نقرأ وقائع انقلاب 55، الذي كانت أحداث منطقة الحوبان/ تعز بين العسكر والمواطنين، الدافع الأول لحدوثه، وسوف نورد هنا شهادة العميد محمد علي الأكوع الذي يمتلك أهم وثائق هذا الحدث، وكان شاهداً عياناً على تفاصيله، وسنكتفي بما ذكره في مقابلة مطولة له في برنامج “تلك الأيام” على قناة اليمن؛ فقد قال إن هبة أهل الحوبان ضد العسكر لم يكن سببها نهب العسكر للحطب كما هو الشائع، مبرراً قوله بأن ذلك كان قد أصبح من الأمور التي تعود عليها الشوافع في مملكة الإمام. وقال بصريح العبارة إن الموضوع كان متعلقاً بالدفاع عن العرض، وهو ما يفسر موقف أهل الحوبان إلى درجة قتلهم بعض العسكر، رغم معرفتهم اليقينية بالعواقب الخطيرة لفعلهم.
ورغم ذلك الفعل المشين للعسكر، فقد استغله قائدهم الثلايا لتحريضهم ضد الإمام أحمد لأنه قد رفض السماح للعسكر بالانتقام من أهل الحوبان، وقرر التحقيق في القضية لاستجلاء حقيقتها واستيضاح مبهمها، وهو ما لم يرق للثلايا الذي انطلق في موقفه من عنجهية استعلائية وفق منظور طائفي مناطقي مقيت تربى عليه وتجذر في نفسه، لذلك فقد أباح منطقة الحوبان لعسكره يعيثون فيها فسادا. وحسب شهادة العميد الأكوع بأنه لولا فرار أبناء الحوبان من قراهم لكان الجيش فعل بهم الأفاعيل، ومع ذلك فقد دمروا ونهبوا كل ما وجدوه أمامهم، وكانوا -حسب الأكوع- كلما عادوا إلى ثكناتهم معتقدين أنهم قد أشبعوا رغبتهم في الانتقام، كان الثلايا يعترضهم محرضاً لهم على معاودة التدمير والتخريب في قرى الحوبان، مثيراً حماسهم بعبارة “يا حمران العيون”. بعد ذلك قام الثلايا باستغلال غضب العسكر لينتقم من الإمام أحمد الذي وقف في صف أناس هم في نظر الثلايا مجموعة من الرعاع لا يأبه لهم، حتى وإن كانت الوقاحة بعسكره قد وصلت للتفكير بانتهاك أعراض بعض أبناء شعبهم الذي يفترض أنهم حماته.
الثلايا ومقولته الزائفة
ومع كل تلك الأحداث التي يندى لها جبين كل إنسان حر، فقد أبى مزيفو التاريخ إلا أن يجعلوا من الثلايا المتعصب ضد شعبه بطلاً، ومن عسكره العابثين ثوارا. وعندما نفذ الإمام فيه حكمه بالإعدام، قوّلوه ما لم يقل ورددوا باسمه عبارة “لعن الله شعباً أردت له الحياة وأراد لي الموت”، مع أن شهوداً عياناً حضروا واقعة إعدامه وما زالوا على قيد الحياة، ينكرون تماماً أن يكون الثلايا قد نطق بهذه العبارة أو بغيرها.
وأنى له أن يقول هذه العبارة، وكيف لها أن تستقيم مع أفعاله، فهو إنما انتفض من أجل توهمه الاستعلاء على بعض أبناء شعبه الذين أراد لهم الموت وليس الحياة حسب المقولة الملفقة. وكذلك عمل على استبدال الإمام أحمد بأخيه عبدالله لكونه قد رفض أن يحقق له رغبته السادية بإنزال الموت بأهالي الحوبان. ومع ذلك يُجبَر أبناء الشعب بمن فيهم ضحايا الثلايا وعسكره في تعز، أن يلقنوا أولادهم بما تحتويه كتبهم المدرسية بأن الثلايا ثائر عظيم، ومن أجلهم ضحى بحياته. ثم يأتي بعض الطفيليين على التاريخ ليصفوا انقلابه المصلحي بأنه حركة وطنية وثورة ضد الظلم؛ وكأننا بالثورات وقد أصبحت معلبات يبيعها بعض الصبية في تقاطعات الشوارع عند توقف إشارات المرور!
السيف عبدالله وارتباطه بالامبريالية العالمية
يروج مثورو انقلاب 55 بأن تغيير الإمام أحمد بأخيه عبدالله المنفتح على الغرب، كان سيصب في مصلحة اليمن وتطورها، من غير أن يدركوا؛ أو ربما لا يرغبون في ذلك، أن السيف عبدالله كان له ارتباطاته بالحركة الامبريالية العالمية وقوى الاستعمار، وزعامته لليمن كانت ستجعل منها نقطة محورية لضرب قوى التحرر الوطنية والقومية، وفي مقدمتها قضية الجنوب اليمني المحتل. وقد عزز ذلك من الموقف السلبي لأحرار اليمن من الانقلاب، وفي مقدمتهم أستاذ الأحرار النعمان الذي كان مقيماً في تعز آنذاك، حيث استدعاه الثلايا مع بعض الوطنيين وهددهم بطريقة فجة -حسب الأكوع- إذا لم يعلنوا تأييدهم لانقلابه، الأمر الذي اضطر النعمان لمداراته مؤقتاً ريثما تمكن من الخروج من تعز، وأعلن موقفه الرافض للانقلاب.
وكان ارتباط السيف عبدالله بالامبريالية العالمية هو ما دفع الدول العربية المحورية لرفض الاعتراف بالانقلاب، وفي مقدمتها مصر عبدالناصر، رغم موقف الإمام أحمد العدائي منها. وذلك لأنها كانت تدرك الأبعاد الخطيرة لنجاح هذا الانقلاب على المستويين اليمني والعربي، وجعلتها تنظر للإمام أحمد بصفته أخف الضررين. ولعل ذلك قد أثر في الإمام أحمد، وجعله يخطو بعض الخطوات التطويرية، حيث شهدت الفترة الواقعة بين الانقلاب وثورة سبتمبر، تنفيذ العديد من المشاريع التنموية، مثل ميناء الحديدة والطرق الرئيسية التي تربط بين المدن الثلاث الكبري: صنعاء وتعز والحديدة.