عن إرث مهمل في صنعاء وثارات في بردون.. قرية الشاعر إذ تتحول إلى ساحة صراع

* البردوني 1998: عندما يبيد المجتمع المجتمع تتفرج الدولة وكأنها ليست من هذا المجتمع ولا من هذه البلاد
* تتصارع عائلات «آل الفراصي، الأعماس، الدعاديع، بني حسن، وبني نمر» في ما بينها منذ سنوات بسبب قضايا الثأر. وتقف «بني محمد، بني الشكيل، بني الميندي، وبني الورد» موقف الحياد
*  300 يتيم ويتيمة، 18 ثكلى، 16 أرملة، ما يقارب 60 مصاباً، 20 منزلاً مدمراً كلياً، 33 منزلاً مدمراً جزئياً، 21 امرأة وطفلة مصابة، و16 قتيلاً من طرفي الصراع هذا العام
*  في بردون توقف 1200 طالب عن الذهاب إلى المدرسة، والمستشفى الريفي متوقف منذ إنشائه قبل 3 أعوام، ومشروع المياه منذ الانتخابات المحلية الفائتة، ومولد الكهرباء منذ 5 أعوام، وشبكة الاتصالات قبل 10 أعوام
*  الدكتور الفراصي: لو وجد النظام والقانون لما قامت الحرب من الأساس، ومن واجب الدولة وقف القتال ووقف المآسي وحل مشاكل الثأر
*  ذمار – صقر أبو حسن
لا تختلف اليوم صورة قرية الشاعر الكبير عبدالله البردوني “بردون” عن الوصف الذي وصفها به عام 1998 في حوار أجرته معه صحيفة “الوحدوي”، فمنذ قال وبعدما رحل ما زالت قريته: “في قتال حتى إنهم أبادوا كل حي في القرية من الكباش إلى الكلاب إلى البقر إلى البيوت، أحرقوا جميع معاصر القصب وخربوا كل البيوت. والقرية تعمر بالحجار الحمر، والحجار الحمر هذه تتلقى النار بقابلية قوية، فأمكنهم أن يجعلوا قريتهم خرابا يبابـ” والقرى المجاورة والقريبة والبعيدة تجيء ترتمي بالعقائر والتصالح، وآخرتها يقول الكل واحد: ما عندنا دولة… ما لليمن دولة… ما في البلاد دولة، بيننا وبين الحكومة 15 كيلو ليش ما يخرجوا 15 طقما مثلما يقبضوا على واحد يريدونه؟ لكن عندما يبيد المجتمع المجتمع تتفرج الدولة وكأنها ليست من هذا المجتمع ولا من هذه البلاد. كأن التاريخ توقف، فزيارة واحدة لقرية البردون اليوم كفيلة بمعرفة كيف.
ستتوقف أنفاسك وأنت تحصي الدمار الهائل الذي حدث للقرية، 300 يتيم ويتيمة، 18 ثكلى، 16 أرملة، ما يقارب 60 مصاباً، 20 منزلاً مدمراً كلياً، 33 منزلاً مدمراً جزئياً، 21 امرأة وطفلة مصابة، 16 قتيلاً من طرفي الصراع (الأعماس وآل الفراصي) الذي اندلع في سبتمبر الماضي، بينهم فتاتان وطفلان. بينما حصيلة القتال الدائر بين “الأعماس وفيصل من بني حسن” وصل العدد فيه إلى 13 قتيلاً و5 مصابين، والذي اندلع قبل 3 أعوام إثر مقتل أحدهم في عملية ثأر.
كل ما في بردون يعيد حديث البردوني الذي أدلى به حرفا حرفا: “ما هي الدولة؟ تقول هي الأمن العام.. الأمن العام حتى إنهم يتغاضون عن الرشوة عن سوئها، يتغاضون عن كل شيء إلا الأمن، والواحد يلاحظ أن الوضع جيد، الاهتمام بالمشاريع أو محاولة مشاريع، لكن المشروع الجاهز الذي هو الإنسان لا يبالون من إبادته وكأنهم يقتلون أعداءهم بأيدي أعدائهم، مع أنه يقتل المواطن بيد الموطن، وابن القرية بابن القرية، مع أنهم قالوا إن فترتنا التي نمر بها ليست عشائرية وإنما أصبحت قروية أو مناطقية. فالآن تقتتل هذه المنطقة بمن فيها وما فيها، ولا يتوقف القتال إلا حين يتعب المحاربون، أو حين لا يجدون مدداً، وقيل إنهم يحصلون على المدد من الدولة أو من عساكر الدولة”.
المشاريع ظاهرة في القرية كما ذكر البردوني، فالدولة لم تصل سوى بمشاريعها تاركة للقبائل إدارة شؤونها بنفسها في السلم أو الحرب باستثناء اهتمام متزايد قبل موعد أي “انتخابات” لكسب أصوات المواطنين هناك. لكن لن تدعك رؤية المشاريع تفرح كثيرا، فالمدرسة النموذجية التي توقفت لعامها الثاني ويدرس فيها 1200 طالب “ابتدائي، إعدادي، ثانوي” منهم 40% من الإناث، والمستشفى الريفي متوقف منذ إنشائه قبل 3 أعوام من اليوم، ومشروع المياه متوقف منذ الانتخابات المحلية الفائتة، بينما فشل ترميم مشروع إعادة تأهيل نبع مياه أثري يعود إلى العصور السبئية التي سكنت المنطقة، عمل حديث أدى بحسب الأهالي إلى تعطيله ونضوب المياه منه، ومولد الكهرباء متوقف منذ 5 أعوام، أيضا شبكة الاتصالات توقفت قبل 10 أعوام. كما توقفت الدراسة بدار الصديق لتعليم القرآن الكريم منذ اندلاع المواجهات الأخيرة ومقتل مديرها. ولم تسلم حتى دار وجامع الصديق والذي بني على نفقة فاعل خير ويتسع لألفي مصلٍّ، فقد هجر كما هجرت مدرسة التحفيظ التابعة له وابتعد منها طلابها، وكذلك تعرضت “صومعته” لطلقات نارية، وخلال الحرب لم يرفع منه الأذان لوقوعه وسط منازل طرفي القتال، ويمتلك الطرفان مسجدين كل يمتلك واحداً يقع ضمن النطاق السكني له، خلال زياتي أكد عدد منهم “أن الناس امتنعوا عن الصلاة في المساجد خوفا” هكذا أوقفت الحرب الحياة تماماً هناك.
خارطة الصراع
قبل 8 أشهر تفجرت حرب جديدة بين أكبر العائلات في القرية “الأعماس وبعض من آل الفراصي” بعد مقتل شاب من آل الفراصي في عملية اتهم فيها أشخاص من “الأعماس” راح ضحيتها قتيل واحد، لازال صدى رصاص البنادق يعكر هدوء المكان بعد أن وضعت الحرب أوزارها. لكن الحال الذي تعودت عليه بردون مهدد بالعودة.
تتألف بردون من 9 فروع سكانية هي “آل الفراصي، الأعماس، الدعاديع، بني حسن، وبني نمر”، وهي فئات تتصارع في ما بينها منذ سنوات بسبب تجدد قضايا الثأر بين أفرادها. فيما يقف “بني محمد، بني الشكيل، بني الميندي، وبني الورد” موقف الحياد. وتعد قرية البردون مركز الدائرة 201، وتضم ما يقارب 5000 نسمة، يخترقها طريق أسفلتي ممتد إلى قرى بعيدة في مديرية الحداء المترامية الأطراف، وتمتلك مدرستين ومستشفى ومشروعي كهرباء ومياه “لكنها بفعل تجدد الحروب توقفت بشكل كلي وحرم منها أبناء القرية” كما يقول محمد صالح البرودني، مضيفاً: الدولة وفرت لنا المشاريع لكنها لم توفر لنا الأمن والاستقرار، فالناحية الأمنية معدومة ونحن نعيش في خوف، والمفروض أن يكون للدولة اليد الأطول في وقف أي حرب ولو بالقوة.
الرجل خلال حديثه أرجع وجود الحروب في قريته إلى “التعصب الأعمى والنعرات القبيلة وعدم وجود نظام يحكم الظالم وينصف المظلوم”. “لو ساد النظام وشرع الله لما وجدت خلافات بحيث يأخذ الجاني جزاءه”.
نساء وأطفال في مهمة الإمداد:
لم يتبق إلا النساء والأطفال من يحق لهم الظهور في النهار، فهم من يعملون في المزارع ورعي الأغنام وجلب الماء وسقي الزرع. وهم أيضا من يتحملون وحدهم المخاطرة والذهاب إلى البقالة أو لجلب المياه، وأحيانا مجازفة الصغار بالذهاب إلى “المقوت”. فيما يتخفى المحاربون ليمدوا بالطعام و”القات” منهم.
البردوني إرث مهمل في صنعاء وبردون
فيما لا يزال إرث البردوني خلافا بين الورثة في صنعاء، فالموروث الفكري سلم لجهات نافذة حسب تصريحات زوجته، وهو مجموعة من المخطوطات، كتاب “الجمهورية اليمنية”، رواية “العم ميمون”، “المؤسسات الثقافية في اليمن”، “الجديد والمتجدد في الأدب اليمني”، وديواني “رحلة العشق على مرافئ القمر” و”ابن من شاب قرناها”. أما الإرث الآخر المادي فهو في خلاف بين الورثة. في بردون يحدث هذا للمنزل الذي ولد فيه البردوني وكأنه سيبقى دائما على موعد مع عدم التقدير واللامبالاة، يقول ابن شقيق الشاعر البردوني عبده أحمد صالح البرودني، إن عمه ولد في دار “العلف”، وقد تهدمت أجزاء كبيرة منه بسبب عوامل التعرية وتعرضه للقصف خلال الحرب. وقال: الحرب أكلت الأخضر واليابس وجعلت الناس تنسى البردوني وشعره، وبدأ الناس هنا يلتفتون إلى العصبية القبيلة والثأر في ما بينهم. مشيراً إلى أن الحرب أفقدت القرية سمعتها التي صنعها شعر البرودني، لتصبح اليوم قرية يضرب بها المثل في الثأر والحروب. مستعرباً من تجاهل السلطات “لمنزل البردوني”، وقال: قبل عدة أعوام قام وزير الثقافة السابق “الرويشان” بعمل حفل في ساحة المنزل وتعهد بتحويله إلى متحف، والاهتمام بالقرية في المجال الثقافي والفكري، لكن شيئاً من ذلك لم يتم إلى اليوم.
منازل بدون نوافذ ومحال بدون أبواب
خلال زيارتي لمنزل البردوني الشاعر، أدخلني ابن شقيقه عبده أحمد إلى “الديوان”، وكان شديد الظلمة ونوافذه موصدة بالأحجار و”البلكـ”، وعندما جاء المقيل في منزل أحد عقال آل الفراصي، كان الديوان الذي ضم مفاوضات الصلح هو الآخر موصد النوافذ بالبلك والأحجار، ومن النادر أن تشاهد نافذة سوى إذا كانت تطل على مساكن أبناء العمومة، وتغطى واجهات المنازل بـ”الطرابيل أو المفروشات”، تمنع تحديد الطرف الآخر لنوافذ المنازل، وكذلك المحال التجارية القليلة الموجودة هناك غطيت أبوابها بجدران لمنع وصول الطلقات النارية إلى داخل المحل.
صحافة
القليل من سكان القرية هم من يعرفون الصحف، ولكن أغلبهم يختزلون الصحافة في “الثورة” على اعتبارها تنشر أسماء المقبولين في الكليات العسكرية والوظائف الجديدة، لذا لا ريب أن أمطر بكم هائل من الأسئلة عن طبيعة عمل الصحفي وأين يعمل وكيف يعمل، وأخيرا: كم يستلم راتباً.
اللوحة
عندما بدأت القرية تكشف تفاصيل ملامحها كانت لوحة معدنية كتب فيها اسم القرية “البردون”، لم أتمكن من التقاط صورة لهذه اللوحة، لذا كان لابد أن ألتقط لها صورة عند عودتي. صورة كلفتني المشي لمدة ساعتين بعد أن تركتني السيارة الوحيدة التي مرت من هذا الطريق، ليستقر أمري على “قلاب للأحجار” أكملت معه باقي طريقي إلى مدينة ذمار.
المقبرة
منذ 3 أعوام أوقفت قطعة أرض لتكون مقبرة القرية الجديدة بعد امتلاء المقبرة القديمة، لكن القاطنين فيها حتى اليوم ماتوا “قتلى” بفعل التناحر القبلي الحاصل اليوم، تلك القنبلة التي فجرها أحد عقال المنطقة ويدعى عبده محمد الفراصي، على مسامعي، كانت كافية لمشاهدة المآسي التي تحدث في هذه القرية.
الأسلحة المستخدمة في الحرب
لا يكتفي المتناحرون باستخدام الكلاشنكوف “الآلي” في حربهم فقط، بل يستخدمون أيضا، الرشاش وأسلحة متوسطة. ما زالت واجهات المنازل شاهد عيان يحكي عاماً من الحرب وأعواماً من الثأر.
صمت وتخلي الدولة
رغم الصمت الذي تواجه به الحرب، لا زل الأهالي يأملون أن تجد لهم السلطات حلاً يخرجهم من “دائرة العنف والثأر إلى مربع الأمن والسلام”، فلا يمكن تبرير الإهمال من السلطات لقرية شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني، “والنظر إليها وهي تُطحن بين حجري الرحى بدون أن تعرف أنها تغتال تاريخها وتقتل مستقبلها، بتكرار الثارات والحروب القبلية بين أبنائها بين فينة وأخرى، ودفعها ثمن “عصبية القبيلة”.
“فالدولة تتحمل جزءا كبيرا في هذه الحروب بسبب سكوتها عما يحدث” يقول أحمد الفراصي وهو أكاديمي بجامعة ذمار، فقد 7 من أقربائه خلال الحرب الأخيرة أحدهم شقيقه الأكبر، وتابع حديثه بالقول: الدولة هي المسؤول الأكبر عن مثل تلك الخسائر، إذ لو كان النظام والقانون موجودين لما وجدت الحرب من الأساس، ولو تمكنت الحكومة من توعية القبائل بضرورة الالتزام بالشرع والقانون لما وصلوا إلى ما هم عليه الآن.
وأضاف: المسؤولية التالية يتحملها أبناء القبائل أنفسهم، إذ لو أنهم نزعوا ما في صدورهم من غل وتخلوا عن عصبيتهم الجاهلية لما سالت دماء الأبرياء ولا ترملت النساء ولا هدمت البيوت.
الشاب أبدى تخوفه وتشاؤمه معاً من وجود ما أسماه “تفكير جاهلي وتخلي الدولة عنهم”. معتبراً أن من واجب الدولة “وقف القتال ووقف المآسي وحل مشاكل الثأر”.
المدرس الجامعي لا يجد حرجاً في الحديث عن خوفه من الموت ثمن “لاشي” في المقابل حرب تستمر دون مبرر أو حل ينهي ذلك الخوف الذي ارتسم في تفاصيل حياة طرفي الصراع في قريته الصغيرة.