محرقة المخلفات ومقلب النفايات سابقاً، ومنطقة سكنية يقطنها مئات من المهمشين حالياً بعيداً عن نظر الدولة

محرقة المخلفات ومقلب النفايات سابقاً، ومنطقة سكنية يقطنها مئات من المهمشين حالياً بعيداً عن نظر الدولة

محرقة ملتهبة بمآسي المواطنين وأمراضهم تشكو من أزمة خانقة وتفتقر
 إلى أدنى مستوى من الاهتمام
* الحديدة – عبدالرحمن رامي
قبل 9 سنوات تم تحويل مقلب النفايات من المنطقة المعروفة باسم “المحرقة” إلى منطقة أخرى بعيدة عن مركز محافظة الحديدة، فاستوطن تلك المساحة مئات من شريحة المهمشين، وأنشأوا “أحراشهم”، التي اعتمدوا لإقامتها على الأشجار والزنك والصفيح والألواح الخشبية، على أكوام النفايات المتراكمة منذ سنوات.
نستطيع أن نشعر بمأساة ساكني المحرقة (مقلب ومحرقة النفايات السابق، ومحرقة المواد الكيماوية السامة والمهربة التي ما زالت حتى الآن)، من خلال مشاهدة حياتهم المليئة بالمشاكل والمعاناة المتراكمة التي نقلتها “النداء” لدى زيارتها لهذا الحي.
وسط السواد وبقايا النفايات المحترقة يتقاسم هؤلاء همّاً واحداً هو: التلوث البيئي والأمراض الخطرة. فمنذ سنوات والجهات المعنية تستخدم هذه المنطقة لإعدام النفايات السامة والأدوية المهربة، ومكاناً للتخلص من المخلفات والنفايات من أحياء المدينة ونفايات السفن التجارية واليخوت السياحية. وخصصت المساحة المجاورة لها لحرق وإتلاف المواد الكيماوية والمهربة وغيرها مما يتم ضبطه في جمارك الميناء، وهذه المساحة ما زالت تستخدم لهذا الغرض، حتى بعد نقل مكان محرقة النفايات واحتلال المهمشين لمكانها.
سنة 2001 وبسبب أزمة السكن التي ألمّت بأبناء محافظة الحديدة، خصوصاً شريحة المهمشين، بسبب سيطرة الباسطين على مساحات شاسعة من أراضي المحافظة، منها أماكن كان يسكنها هؤلاء، وجد مئات من المهمشين أنفسهم مشردين ولم يعد أمامهم من مكان يسكنون فيه سوى المحرقة التي نقلت الجهات المعنية المخلفات من وسطها إلى منطقة أخرى، فاحتلوا تلك الأرض قبل أن يتنبّه لها هواة البسط في المحافظة.
تقع “المحرقة” شرق البوابة الرئيسية لميناء الحديدة بمحاذاة خط جيزان الدولي المدخل الشمالي للمدينة. ويقول السكان إن بعضهم عثروا، في السابق، على “قذائف ومخلفات عسكرية” كانوا يجلبونها إلى أحواش بيع المعادن “مكافحة للفقر”، إضافة إلى بعض المواد المعدنية التالفة.
ويتداول المواطنون أنباءً تفيد بأن هناك مشروعاً يسعى إلى تحويل المحرقة الحالية ومقلب النفايات إلى منظر جمالي كحديقة عامة برعاية رجل الأعمال السعودي الأمير وليد بن طلال.
عشرات الأمراض تفتك بالمواطنين
لا يوجد أي اهتمام بصحة السكان ورعايتهم. فالمحرقة السابقة تفتقر حتى بعد أن أصبحت مأوىً لمئات المهمشين، لمستشفى أو مركز صحي يعالج مرضاهم.
عندما زارت “النداء” المحرقة استمعت إلى أنّات عديد من السكان وشكاواهم من انتشار أمراض لا يعرفون عنها شيئاً، ولا يملكون المال للاطمئنان على أنفسهم وأبنائهم من خلال معرفة تلك الأمراض، فيقاسون الألم ويتحسرون على حكومة لا تهتم إداراتها الصحية بإنشاء مركز صحي لرعايتهم.
يبدي السكان خشيتهم من أمراض خطيرة ومزمنة مستقبلاً، ويودون لو يعيشون في أمان وسلامة وفي مناطق صحية بعيداً عن التلوث والوباء. لكنهم مضطرون للبقاء في المنطقة الموبوءة لمحرقة النفايات، المنطقة التي تشكل خطراً صحياً عليهم. ويتساءلون: أيش ممكن نعمل؟
يقول عمر بخيت، 60 عاماً، أحد أبناء المنطقة: نعاني في هذا المكان من أمراض لا حصر لها، ول انجد أي تجاوب من مكتب صحة الحديدة. ويوافقه الرأي سعيد أحمد على عزعزي، 58 عاماً، موضحاً ماهية هذه الأمراض “الفتاكة” بالمواطنين، حيث يقول: في هذه المحرقة نعاني كثيراً من الأمراض التي تشكل خطراً على حياتنا وأطفالنا؛ مثل الملاريا، البكتريا، الالتهابات الرئوية، التيفوئيد، حمى الضنك وأمراض غير معروفة بالنسبة لنا، إضافة إلى الإسهالات وجميع “البلاوي”.
يبطش البعوض بساكني المحرقة ويعتاش على دمائهم. يضيف عمر: لا يوجد أي نشاط مكافحة من الجهات المعنية، خاصة مراكز مكافحة الملاريا التي وعدتنا قبل عام بتوزيع عدد من الناموسيات كأقل إجراء وقائي، لكن هذه الناموسيات بيعت في ما بعد كما عرفنا في بعض مدراس الحديدة.
محرقة ملتهبة وأزمة مياه خانقة
تعاني المحرقة التي يصلاها مئات من فئة المهمشين، من أزمة مياة خانقة. ولا يوجد أي مشروع للمياه. ولأن الوضع المعيشي للسكان تحت الصفر لا يستطيع الناس أن يجلبوا مياهاً للغسيل والشرب بواسطة “ناقلات الماء”، ما يجعلهم مضطرين إلى استخدام مياه مكشوفة يجلبونها من بركة تابعة لمعمل البلك البعيد إلى حد ما عن مسكنهم.
تمتلئ البركة بالمياه الملوثة، لكن ظمأ السكان يجعلهم يتزاحمون على سفحها، ويكون غالبية هؤلاء من الأطفال والنساء، حيث يقومون بتعبئة جوالين صفراء يحملونها على ظهورهم أو عربات صغيرة لمواد البناء، والبعض يستخدم عربات تجرها الحمير لنقل جوالين الماء من مسافات بعيدة تصل إلى أكثر من كيلومتر.
أم عبدالله، 55 عاماً، تعاني كباقي جيرانها من أزمة المياه الأكثر من خانقة في هذه “المحرقة”، تقول: أعاني العجز والفقر والمرض. أبحث عن الماء في هذا المكان المتصحر، أقوم بجلب الماء من “الإنشاءات” تشير إلى الخط العام غرباً، حيث المسافة الفاصلة أكثر من كيلومتر فوق الرمال المتلهبة.
النهب مستمر ولجنة تقصي
الحقائق مرت مرور الكرام
ما تزال مدينة الحديدة بسهولها الواسعة مجالاً لصولات وجولات عصابات النهب والفيد والمتاجرة بأراضي الدولة والمواطنين، وفي ظل غياب القانون صارت “المحرقة” جزءاً من كل، حيث يتم فيها نهب وجرف وحرق البيوت والأراضي التابعة لمواطنين، كذلك أراضي الدولة التي لم تعلن عجزها بعد في حماية حقوق المواطنين بالأقل، ترسيخاً لمبادئ القانون والأمن والنظام والعدالة الاجتماعية، وبما يوفر حياة كريمة وآمنة للمواطنين الذين لا ظهر لهم سوى قبضة الدولة في ردع الفاسدين والعابثين والمستهترين وأعوانهم، ووضع حد لتصرفاتهم الجشعة اللامسؤولة حيال ذلك.
يقول وهبان إسماعيل فتيح، 60 عاماً: قام “الرويشان” وهو أحد التجار، بمساندة قوات الأمن، بجرف ما بين 80 و120 بيتاً من الزنك بواسطة الجرافات، وحرقها نهائياً، قيمة البيت الواحد من الزنك تقدر ب120.000 ريال، ودون مراعاة لضعف النس وبساطتهم وفقرهم.
ويضيف وهبان: قام العسكر في الأمن بتوفير حماية لعشرات الجرافات وهي تجتث بيوت الفقراء وتسويها بالأرض، حتى إنهم (العسكر) قاموا بإنزال صور الرئيس علي عبدالله صالح من على هذه البيوت وحرقها. وقد عُرفت تلك العملية لدى عامة المواطنين المتضررين من غياب القانون والنظام هنا، باسم “غزة”.
أما عن “لجنة تقصي الحقائق” التي أوفدها مجلس النواب إلى محافظة الحديدة للتحقيق في قضايا نهب الأراضي الحكومية والشعبية التي شهدتها الحديدة أخيراً، وحسب محمد علي، 60 عاماً، فإنها “مرت مرور الكرام”.
يقول محمد علي: 3 أشخاص من لجنة تقصي الحقائق كما يقال عنهم، مروا خلف “المحرقة” على سيارة فارهة دون أن يتكلفوا عناء النزول البسيط للتجول في المكان المفترض التحقيق به، وعادوا لمكان إقامتهم دون مقابلة أي مواطن “متضرر” لأخذ أقواله حيال القضية وسماع همومه ومشاكله.
ويصف حالة “المحرقة” بأن قد صارت أراضيها الواسعة فريسة في مخالب “الطواهيش”. هؤلاء هم الضباط والمشائخ والتجار، ينهبون حق الغلابى والمساكين باسم أنها “ملك للدولة” و”حقوق الدولة”، مساحات مد البصر تم نهبها وقضمها بطرقهم الملتوية، واستبدوا بالمواطنين الضعفاء واستباحوا كرامتهم وممتلكاتهم.
كما يفيد محمد علي بأن هناك وكما يعرف الجميع حدوث جرائم قتل لمواطنين تُنهب أراضيهم وتحرق بيوتهم، ف”المحرقة” واسعة، لكن الأطقم الأمنية والعسكرية لا تأتي سوى للبطش بالمواطنين بإيعاز من المسؤولين والنافذين والتجار، تحت ذريعة أن هؤلاء المواطنين “يأخذون أراضي الدولة”.
امرأة عاجزة تستغيث بالرئيس
في ظل الأوضاع المتردية في الحديدة، خصوصاً “المحرقة”، وفي جانب الأمن والنظام، توجد أم عبدالله التي تعاني من ظلم وتسلط جهات نافذة حكومية في بلدية وتخطيط الحديدة، ومضت فترة طويلة على معاناتها دون أن ينصفها أحد!
تقول أم عبدالله: أعاني المرض والعجز، وحيث لدي أرضية يهددني بأخذها محمدوه موظف أراضي وزميله صادق، وكذلك شخص ثالث يدعى خالد الحيدري، أخذوا القش والزنك وجذوع الأشجار التي اشتريتها بآلاف الريالات من أجل بناء بيت يؤويني من الضياع على هذه الأرضية، ثم هددوني بطردي نهائياً منها!
يريدون في الحقيقة إعطاء أرضيتي لسيناء شقيقة مسؤول مهم في البلدية والتخطيط في الحديدة، مدعين أن سيناء تمتلك أرضيتي بعقد إيجار! لضعفي وقلة حيلتي وبساطة تفكيري أوهموني بالقسمة مع سيناء، أن يقسموا بيننا الاثنتين “أرضيتي” مقابل تعويضي بأشياء أخرى، لكنهم في الحقيقة لم يعوضوني سوى الخسارة” فقد خسرت بسببهم 160 ألف ريال قيمة مواد بناء من جذوع الخشب والزنك والألواح الخشبية، وبعد أن أخذوا هذه المواد من أرضيتي عدت لأبني بيتي مرة أخرى فاتهموني بأنني أتيت لأبني بيتي في أرضية سيناء بالقوة، بينما هي أرضيتي، وجميع الجيران أثبت من خلالهم صدق أقوالي حيث امتلكت هذه الأرضية منذ أكثر من 8 سنوات بعد وفاة زوجي رحمه الله!
وتناشد أم عبدالله رئيس الجمهورية قائلة: أيها الرئيس، وقد استبدت بنا شلة من الفاسدين، فكن عوناً لنا في إنصافنا، فلم نجد من يعالج قضايانا بحق وعدالة، ونحن من أعطيناك أصواتنا فلا تنسنا بإعطائنا حقنا من العدالة كأقل المعروف!
أما كدافة يحيى، 60 عاماً، فتتذمر بشدة من غياب كافة الخدمات الحكومية الأساسية، حيث قالت بنبرة حزن خافت: فقيرة ومعدمة، لكن لا أسأل الناس إلحافا، أقبع في بيتي بفقري وبؤسي، لكن لا توجد أية خدمة تقدمها لنا الحكومة تخفف من فقرنا وعنائنا وتعوضنا سنين الصبر على وعود الحكومة. ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وتجاه الأوضاع المتردية والمؤسفة جداً في “المحرقة” تشاركهن عائشة هبة قاسم، 35 عاماً، في نفس الرأي حيث تقول: بكل مشاعر الحزن والألم واستجداء الدولة نرجوها أن تلتفت لعنائنا المرير والمستمر حيث الأطفال جميعهم تفتك بهم الأمراض بما فيها “مرض شلل الأطفالـ”، طفلنا كان يركض في “المحرقة”، وفجأة أصيب بالشلل. نرجو من الدولة أن تقوم بالواجب الصحي على الأقل لحماية أطفالنا إذ تفتك بهم مختلف الأمراض!
لا وجود للأمن على الإطلاق
أينما وجد الأمن توفرت الحياة المستقرة والكريمة، لكن “المحرقة” لا وجود فيها للجانب الأمني في حماية الناس وصون كرامتهم من المستهترين والعابثين بها، لذا فبها “يحترق كل شيء حتى الكرامة”، وحيث واجبات الجهات الأمنية المنوطة بها حماية هذه الفئة المهمشة الفقيرة، إلا أن هذا الواجب غائب تماماً على أرض الواقع.
يقول يحيى إبراهيم حسن، 25 عاماً: لا وجود للأمن على الإطلاق في هذه “المحرقة”، وقد حدثت جريمة قتل قبل 3 أشهر حيث وجدنا رجلاً عاجزاً مقتولاً في الصباح الباكر ولم تحضر الجهات الأمنية إلا بعد الظهر، حيث قد سلخت جثة المجني عليه حرارة الشمس، ومنذ ذلك الوقت حتى الآن لم تقبض الجهات الأمنية على الجاني، والجريمة مقيدة ضد مجهول.
الخروج..
بعد زيارتك للمحرقة ومشاهدة كل ملامح هذا الحرمان والفقر والجوع والأمراض التي تفتك بأرواح البؤساء، وفي بوابة المدينة الساحلية الأكثر دخلاً والأخصب أرضاً والأكثر تطبيقاً للقانون، حيث أسميت بـ”العروس”، سوف لن تعود سوى على إيقاعات “حُزن”، وفي مخيلتك آخر المشاهد المؤسفة والمؤلمة: غياب القانون وسطوة النافذين وتهدم أركان العدالة الاجتماعية!
يقول سعيد أحمد علي العزعزي، 58 عاماً: كل أهالي “المحرقة” جياع، كلهم أمراض، فقراء، أميون، بائسون. تجتاحنا من الشمال رائحة قذرة جداً، هي رائحة أحواض مجاري الحديدة بمسافة كيلومترين خلف المحرقة الجديدة. وكلنا في “المحرقة” مُستبدون ومظلومون نعاني سطوة المشائخ والنافذين والضباط والتجار من أحلوا لأنفسهم ما حُرم على غيرهم من نهب وسلب وقتل وحرق واستبداد فظيع. بشير الشرعبي ضربه عساكر الشرطة ضرباً مبرحاً، وهم يتبعون “للحمامي” رائد في الشرطة العسكرية، هذا الرجل له باع طويل في نهب الأراضي. وهم يضربون بالرصاص ليلياً وبصورة مستمرة، ويتبادلونه أحياناً في مشاكلهم، ما أشعرنا وسيظل يشعرنا بالرعب، ما لم تتدخل الحكومة لوضع حد لهذه السلوكيات الغابية، فبيوتنا مكشوفة وأطفالنا نتيجة ذلك في خطر.
ويضيف العزعزي: شكونا الحكومة من سطوتهم، لكن لم ينصفنا أحد. البلدية والتخطيط كصورة من صور مخالفة النظام والقانون، تستغل الكثير من المواطنين الفقراء مبالغ مالية بطريقة لم ترد لا في القانون ولا الدستور!