إلى متى ستبقى الفتاة ضحية للزواج المبكر؟

إلى متى ستبقى الفتاة ضحية للزواج المبكر؟

* إشراق وأماني: الحد من الزواج المبكر هدف المشروع
* العسالي: الزواج المبكر غير جائز شرعاً
* د. منذر: للزواج المبكر أضرار صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية
* شفيع العبد
تعد ظاهرة “الزواج المبكر” من الظواهر التي باتت شائعة في مجتمعنا، وقد انقسم الناس عليها بين مؤيد ومعارض، ويتطلب الحد منها تفعيل برامج التوعية المجتمعية بمخاطرها وأضرارها على الفتاة.
وفي هذا الإطار يعمل مشروع “الحد من الزواج المبكر” في اتحاد نساء اليمن بمحافظة تعز، منذ شهر يونيو الماضي، مستهدفاً 3 مديريات (القاهرة، صالة، وصبر)، كما يستهدف 14مديرية أخرى في كل من إب، تعز، حج،الجوف، صعدة، وعمران.
عن طبيعة عمل المشروع وأهدافه تحدثت لـ”النداء” منسقتا المشروع في محافظة تعز الأختان إشراق محمد المقطري وأماني محمد سيف.
تقول إشراق: “جاء هذا المشروع بناءً على مخرجات برامج قامت بتنفيذها شبكة شيماء بالتعاون مع منظمة أوكسفام وصندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA، ركزت على قضايا العنف ضد المرأة، وجاءت كأولوية لأشكال العنف ضد المرأة التي يجب التركيز عليها، ومنها قضية الزواج المبكر”.
أهداف المشروع
من جانبها، تحدثت أماني عن أهداف المشروع التي يسعون إلى تحقيقها على أرض الواقع، حيث أكدت أن الهدف العام للمشروع يتمثل في تطوير عدالة النوع الاجتماعي، وتمكين النساء في اليمن من خلال التركيز على الزواج المبكر كأولوية إستراتيجية عن طريق حملات التوعية وكسب التأييد والمناصرة، هذا على المدى البعيد، أما على المدى القريب فيهدف المشروع إلى زيادة الوعي المعرفي والقانوني والديني والاجتماعي والصحي بمخاطر وآثار الزواج المبكر لأفراد المجتمع (ذكوراً وإناثاً) وكذا الشخصيات الاجتماعية والتنفيذية في المديريات المستهدفة، وتنظيم حملات المناصرة لتحديد الحد الأدنى لسن الزواج على مستوى السياسات واتخاذ القرار.
المشروع يستهدف عدداً من الجهات ذات العلاقة بموضوع الحد من الزواج المبكر، ومن هذه الجهات: المجالس المحلية ومدراء مدارس وعقال الحارات وأولياء الأمور (آباء وأمهات) والشخصيات الاجتماعية والناشطات من النساء والإعلاميون ومنظمات المجتمع المدني والفتيات في الفئة العمرية (10 – 18 سنة) وإدارة التوثيق وتسجيل العقود وأعضاء البرلمان.
وأوضحت أماني سيف أن المستفيدين النهائيين من المشروع هن الفتيات في الفئة العمرية (10 – 18 سنة).
يقوم المشروع على عدد من الأنشطة من أهمها، بحسب إشراق المقطري، تنفيذ 12 حملة توعية مجتمعية للفئة المستهدفة في المديريات المستهدفة تحت شعار “قل لا للزواج المبكر”، يضاف إليها عقد جلسات توعية لمسؤولي كتابة عقود الزواج بأهمية الأوراق الثبوتية عند كتابة عقود الزواج (البطاقة الشخصية وشهادة الميلاد)، إضافة إلى تقديم الاستشارات القانونية للنساء المعنفات خصوصا ضحايا الزواج المبكر عبر خط تلفون خاص بتقديم خدمة الاستشارات القانونية يجيب عليها استشاريون قانونيون مختصون.
وقد تم حتى الآن تنفيذ 8 حملات توعية مجتمعية في المديريات المستهدفة ل20 مشاركاً في كل حملة، بإجمالي 160 مشاركاً، تم من خلالها رفع الوعي المعرفي لديهم بمخاطر وآثار الزواج المبكر. كما قدم المشروع عدداً من الاستشارات القانونية لطالبي الخدمة، ويعكف فريق العمل حالياً على تصميم بوستر إعلاني ملون يوضح مخاطر الزواج المبكر.
وأوضحت المنسقة أن المشروع يقدم خدمة الاستشارة القانونية فقط لضحايا الزواج المبكر، وإذا ما صادفتهم حالة تستوجب تقديم العون القانوني يقمن بإحالتها إلى مشروع الحماية القانونية والمناصرة بالفرع لتقديم العون القانوني المناسب لها.
أسباب الظاهرة وأضرارها
من خلال تجربتهما في المشروع أكدت المنسقتان أن أهم أسباب الزواج المبكر تكمن في العادات والتقاليد الاجتماعية الخاطئة والفقر والأوضاع الاقتصادية والتنموية السيئة وانتشار الأمية والجهل وكذلك انتشار ظاهرة العنوسة.
ومن خلال تجربة المشروع اتضح أن الحمل المبكر والولادة المتعسرة والتسمم الحملي والمواليد ناقصي الوزن أو المعاقين تعد من الأضرار الصحية المباشرة للزواج المبكر، يضاف إليها أن احتمالات وفاة الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 10 و14 أثناء الحمل والولادة تكون أكبر بمقدار 5 مرات من احتمالات الوفاة بين الشابات اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 20 و24 سنة.
لا يجوز شرعاً
عبدالعزيز العسالي أحد الذين شاركوا في أنشطة المشروع، تحدث لـ”النداء” عن الزواج المبكر من الناحية الشرعية، حيث رأى أنه لا يجوز نظراً لأن البنت لم تنضج أنثوياً ولم تنضج عقلياً، والشريعة الإسلامية جعلت عقد الزواج قائماً على الإيجاب والقبول بين الطرفين، وتزويج الصغيرة لا يصح لأنها غير مكتملة النضوج، مؤكداً في ذات السياق أنه يجوز شرعاً أن تضع حداً للمباح وأن تقيده، وقد فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومنهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي منع المسلمين من الزواج باليهوديات بينما القرآن أجاز ذلك وقد صرح بالحل، وجاء منع عمر لهذا المباح خشية أن يذهب المسلمون لجمال اليهوديات ويتركوا بنات العرب.
وأضاف: الذين يقولون بجواز الزواج المبكر يستدلون بقوله تعالى “اللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا” (الطلاق:4). وبدورنا نقول بأن هذا لم يأتِ بخصوص الزواج، وإنما بخصوص الطلاق، فالمرأة قد تكون في سن اليأس أو في حالة الرضاع وأخريات لا يكون لهن حيض البتة، وهناك قاعدة فقهية تقول: “إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل الاستدلالـ”.
وعن السن المناسبة للزواج قال: لقد ثبت علمياً وصحياً أن للزواج المبكر أضراراً، فمن باب أولى أن نعمل ضوابط لسن الزواج، والسن المناسبة لزواج الفتاة نجدها في قوله تعالى: “وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا” (النساء:6). فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد اشترط على أولياء اليتامى القائمين عليهم ألا يعطوهم أموالهم إلاَّ إذا بلغوا سن النكاح، ولم يكتفِ عند هذا الحد، بل حتى يجدوا فيهم حسن التصرف، وهو الرشد، فكيف يصح زواج الطفلة الصغيرة التي ستكون القائمة على مال زوجها وعلى كافة أعباء منزله! كذلك قوله تعالى: “وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا…”، فأطلق على ما دون الاحتلام أطفالاً، لذا فالسن المناسبة للزواج هي 18 سنة، وذلك ما قاله القرآن “فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا”.
تباين الآراء
الدكتور منذر إسحاق نائب عميد كلية الآداب بجامعة تعز، وأحد من الذين عملوا مع المشروع، تحدث إلينا في البداية عن مفهوم الزواج المبكر بالقول: تتباين الآراء حول تعريف الزواج المبكر، فالبعض يقول إنه: الزواج قبل سن البلوغ، ولا يخفى على أحد أن هنالك صغيرات يدخلن سن البلوغ في السنة التاسعة من عمرهن. والبعض الآخر يعرف الزواج المبكر بأنه: أي زواج دون الثامنة عشرة، باعتبار أن هذه السن هي سن الرشد وسن انتهاء الطفولة، بالاعتماد على اتفاقية حقوق الطفل التي تقول: إن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة. فإذا اتفقنا على أنه الزواج دون الثامنة عشرة سيكثر المعارضون لهذا التعريف، باعتباره مستمداً من اتفاقيات الغرب، وليس من واقعنا وأدياننا التي لم تحدد سناً للزواج.
ويؤكد الدكتور منذر أن الزواج المبكر في اليمن يرجع لأسباب اقتصادية واجتماعية تتمثل في الرغبة بالتخلص من تعليم وتربية الفتاة، ولقلة فرص العمل يفقد الأهل الدافع في إكمال التعليم ويفضلون العريس الجاهز، بالإضافة إلى الخوف من ضياع فرصة الزواج للفتاة، بسبب ازدياد انتشار ما يسميه المجتمع بـ”العنوسة”. والبعض يرجعه لأسباب دينية فالأديان تجد في الزواج المبكر طريقة للحفاظ على الشرف ومنع الانحراف.
أضرار عديدة
وعن أضرار الزواج المبكر يقول إسحاق: “للزواج المبكر العديد من المخاطر والأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، وتعتبر مخاطر الحمل المبكر أحد أبرز المخاطر الناجمة عنه، وقد يؤدي الحمل المبكر إلى زيادة نسبة التعرض لمضاعفات الحمل مثل فقر الدم، وتسمم الحمل، وهو ارتفاع ضغط الدم أثناء فترة الحمل، وقد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة للأم والجنين. كما أن الولادة المبكرة لها تأثيرها المباشر على زيادة نسبة وفيات الأطفال حديثي الولادة، بالإضافة إلى إنجاب مواليد ناقصي الوزن، وهو ما يجعل هؤلاء المواليد أكثر عرضة للمخاطر الصحية، كما قد يؤدي الإنجاب المبكر إلى زيادة معدلات الإجهاض، وإلى زيادة الإصابة بالعدوى البكتيرية مثل حمى النفاس نتيجة لضعف مقاومة الجسم وسوء التغذية.
أما عن الأضرار الاجتماعية للزواج المبكر فهي عديدة، ولكن أبرزها يتمثل في: تحمل الزوج أو الزوجة مسؤولية اجتماعية قد تكون أكبر من أن يستطيعا تحملها، وعدم القدرة على القيام بمسؤولية رعاية وتربية الأطفال كما يجب، في ظل عدم معرفتهما بحقوقها وواجباتهما نحو نفسيهما وأطفالهما، مما يؤدي إلى القلق وعدم الأمان، وتعرضهما للضغوط النفسية والنفور من بعضهما، بالإضافة إلى زيادة المشاكل الزوجية التي قد تؤدي في الغالب، إلى الطلاق.
وفي ما يتعلق بالأضرار الاقتصادية فإنها عديدة، ومن أبرزها أن الزواج المبكر غالباً ما يسهم في عدم إكمال أحد الزوجين أو كليهما التعليم، مما يؤدي إلى تقليل فرص الحصول على عمل ملائم ومجدٍ، كما يعتبر الزواج المبكر عائقاً لتنمية المعارف الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى زيادة العبء المعيشي للأسرة نتيجة زيادة عدد أفراد الأسرة بسبب الحمل المبكر، وما يترتب عليه من زيارات مستمرة للمؤسسات الصحية، وما تستلزمه من أعباء مادية إضافية.
ويضيف: “ومن هذا كله نجد أن زواج الصغيرات يؤثر سلباً على التنمية المجتمعية، ولابد من العمل على إيجاد حلول لمنع إتمام هذا الزواج بداية، والعمل على التوجه للأرياف، والمناطق النائية والحارات الشعبية، للعمل على الترويج لأضرار الزواج المبكر على الفتيات، وذلك عن طريق نشاط الجهات التي تهتم بقضايا المرأة والأسرة عموماً، سواء الحكومية ممثلة باتحاد نساء اليمن ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة…، أو الجهات غير الحكومية متمثلة بمنظمات المجتمع المدني. لهذا كله نحن بحاجة لتعديل الحد الأدنى للزواج بعمر 18 سنة، علماً أن العديد من الدول العربية قد عدلت في سن الزواج، ففي المغرب الزواج للطرفين في عمر 18 عاماً، وفي الجزائر للفتى 21 عاماً، وللفتاة 18 عاماً، وتونس 20 عاماً للفتى، و17 عاماً للفتاة.
الزواج المبكر في اليمن ولغة الأرقام
< تُظهر المعلومات المتوفرة أن الزواج المبكر في اليمن ينتشر بين الفئة العمرية الأقل من 15 سنة، إذ تصل نسبة النساء المتزوجات من هذه الفئة إلى 48% من إجمالي الفئات العمرية للنساء، وأن 13% منهن تزوجن أكثر من مرة، بل إن نسبة المتزوجين من إجمالي عدد السكان في سن 10 سنوات بلغت 46% فأكثر لكلا الجنسين.
< وفقاً لنتائج آخر مسح ميداني متوفر لتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، فإن 24،6% من النساء تزوجن في الفئة العمرية (10 – 14)، و56% في الفئة (15 – 19)، فيما هناك 30% من الرجال الذين تزوجوا في الفئة العمرية (15 – 19)، و39% قد تزوجوا لأول مرة وأعمارهم تتراوح بين 20 و24 سنة، في حين تزوج منهم ما نسبته 6% فقط في عمر أقل من 15 سنة.
< وبينت النتائج ذاتها أن الزواج المبكر بين الرجال في الريف أعلى منه في الحضر، فقد بلغت نسبة من تزوجوا في الفئة العمرية (15 – 19) 31% في الريف، مقابل 27% في الحضر. وأظهرت أن الرجال يفضلون الزواج بنساء أصغر منهم عمراً، فقد بلغ متوسط الفارق بين الزوج وزوجته الأولى حوالي 6،6 سنوات وبين زوجته الثانية والثالثة وأكثر لمن في عصمته أكثر من امرأة حوالي 14 سنة.
< يشير تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء وفقاً لنتائج المسح الديموغرافي لصحة الأم والطفل، إلى أن الزواج المبكر ينتشر بين الفئة العمرية من 15 وأقل إلى 18 سنة؛ حيث وصلت نسبته إلى 48%، منهن 13% قد تزوجت أكثر من مرة.
< وبيَّن المسح القاعدي للصحة الإنجابية عام 2000، أن 24.6% من النساء قد تزوجن بين 10 و14 سنة، و65% في عمر (15 – 19)، وأن المشكلة لا تكمن خطورتها في الزواج المبكر في حد ذاته، ولكن في الحمل والإنجاب المبكرين.
< دراسة أساسية عن الزواج المبكر في حضرموت والحديدة عام 2005، قام بها مركز أبحاث ودراسات النوع الاجتماعي والتنمية بجامعة صنعاء، كشفت أن 52.1% من النساء تزوجن عندما كن دون سن 18 سنة في مقابل 6.7% من الرجال. وبينت الدراسة أن غالبية الرجال تزوجوا فوق سن 18 سنة.