حوار الكارثة

حوار الكارثة

*عبدالباري طاهر
لم تكن الاستجابة للحوار طواعية، فقد رفض الحكام إصاخة السمع لنداء الضمير والواجب، لأنين الجياع، وصراخ الثكالى، ومناشدة الضحايا من حروب امتدت إلى كل بقعة في اليمن “الموحد” بالحروب والفتن والمآسي.
كان المؤتمر الشعبي العام يفاخر بوحدة معمدة بالدم، ويدين صباح مساء الوحدة السلمية والطوعية التي أجهز عليها وعلى أحلام الناس في يمن آمن ومطمئن، واعتقدوا أن العسكرة والسلاح (داء اليمن الوبيل) هو الحل، فأعلنوا الحرب في صعدة ليصلوا إلى العجز المدقع، ولكن نواياهم وخطبهم وممارساتهم ما تزال تضمر الحرب.
كما فشلوا في المواجهة مع الإرهاب المصنوع على أيديهم والأمريكان والعربية السعودية، بل إن الأطراف الثلاثة المعنية ما تزال تخلق الإرهاب “لحظيا”، فالأمريكان سادة الإرهاب الأكبر في العالم، يخلقونه بإعلان الحروب الاستعمارية في العراق وأفغانستان، وبدعم الكيان الصهيوني بتدمير وتهويد فلسطين، وتهديد لبنان وسوريا وإيران، والتطاول على تركيا، أما العربية السعودية فخطابها الديني السلفي “الجهادي” ضد العرب والمسلمين طبعاً بالأساس، وتمويلها للتعليم الديني خصوصاً خارج حدودها، ويكون ضحايا التمويل والتعليم الجهادي: بلدان مثل الصومال والسودان وأفغانستان وباكستان وبنجلادش واليمن طبعاً، وتمويلها حروب أمريكا في أكثر من مكان.
يتحدث مسؤولون يمنيون عن مدارس دينية سلفية تتجاوز ال4 آلاف مدرسة في طول اليمن وعرضها.
أما الطرف الثالث في صناعة حمى الإرهاب، فهي اليمن، فقد اشتغل الحكم في اليمن أو بعضه على الأقل “كمقاول أنفار” في تزويد “الجهاد” بكوادر بشرية في عمر الزهور يتطلعون لمستقبل واعد بالخير. كانوا يرسلون إلى أفغانستان بتذاكر ذهاب بدون عودة وكأنهم منذورون للقتل، والذين عادوا منهم إلى اليمن زج بهم في حرب ضد الحزب الاشتراكي الكافر والانفصالي، كما دفع بهم أو وظفوا في اغتيال كوادر هذا الحزب بالعشرات والمئات، ولم تكن إرادوية الحكم الشريرة المسؤول الأول والأخير عن صناعة الإرهاب بالتحالف والتعاون والتواطؤ مع الأمريكان والمال العربي الخليجي تحديداً، فالبيئة القبلية المدججة بالأمية والسلاح، وحالة الفقر التي تلف نصف السكان، وفقدان هيبة الدولة كلها عوامل صناعة الإرهاب بامتياز.
ينتقد بعض الكتاب تشكيكي بالحوار ونقده، ولوم أحزاب المشترك تحديداً على تكرار الحوار بدون ضوابط محددة، أو على الأقل وضع الشعب وأعضاء أحزابهم في صورة “صفقات” الحوار الذي يدور في غرف مغلقة ولا يعرف الناس إلا بزفة التوقيع.
يقول المفكر العربي العبقري أبو حيان التوحيدي الذي أحرق كتبه تحت وطأة الجوع والخوف، إن “تجربة المجرب خلل في العقل ونقص في التجربة”. ويا منظري مشتركنا نحن ننقد أحزابكم بحب لأننا نعرف أنهم سيكونون غداً ضحايا عهود ومواثيق لا يلتزم بها، ولا يعرف عنها الشعب إلا بعد إبرامها.
ونسأل: لماذا لا يطرح على أعضاء أحزابكم والجماهير تفاصيل الحوار قبل البت فيه؟ ثم لماذا لا يتفق على آلية تضمن وتحدد زمن التنفيذ؟! ثم لماذا لا يشترك الطرف الدولي كوسيط في الحوار؟
والأهم من ذلك كله لماذا تتحاورون مع الحكم ولا تتحاورون مع شعبكم وتنزلون إلى دوائركم لطرح قضايا الحوار والخلاف؟
ما نعيبه عليكم أنكم تنظرون بعين واحدة باتجاه الحاكم ولا تتبنون -بما يكفي- قضايا الناس المؤرقة والحارقة، ولا تنزلون إلى الناس الذين تعتقدون أنكم تمثلونهم.
إن السلطة تدمر اليمن بفسادها واستبدادها بمجمل سياساتها الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، والعسكرية والأمنية، قصدت ذلك أم لم تقصد! أما أنتم قادة معارضتنا، فإن مهادنتكم، وعدم الجدية في الحوار، والتخلي عن الشارع الذي تمثلونه، والاستهانة بالاحتجاجات في الجنوب وتبني قضيتها في التحاور معها كطرف أساسي وليس تابعاً لأحد، وخذلان معارضة الخارج وعدم التمسك بالإشراف الدولي على تحاوركم، والتكتم على التحاور.. كلها تصمكم بالتخاذل وعدم الجدية في الحوار الذي لن يكون مجدياً بدون إشراك الجبهة العريضة من الشعب في المشاركة فيه بتعريفهم أولاً بأول بما يجري وراء الكواليس، وتهيئتهم للاحتجاجات الشعبية والاحتجاجات المدنية في المدن.
لقد تخلت المعارضة عن قضايا الجنوب، ولم يعترف بها كقضية، ونكصت عن اتفاقها مع معارضة الخارج، وتخلت عن سلاح الانتخابات بعد التمديد للحكم والحاكم سنتين، فاستطاع الحكم تحويل هذا السلاح ضداً على المعارضة، ويجد الشعب نفسه مشغولاً بهمومه اليومية ابتداء من لقمة الخبز ومياه الشرب وفواتير الماء والكهرباء، وتدهور قيمة الريال وارتفاع الأسعار، وغياب الأمن والسلام والاستقرار. أليس لافتاً أن تغيب مؤسسات المجتمع المدني وبعضها مؤسسات حية وفاعلة ربما أكثر من بعض أحزاب المشترك؟
تغيب مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات العامة ومعارضة الخارج وبالأخص الحراك الجنوبي، ومعارضة الخارج هي كعب أخيل في تشكيل اللجنة/ ولا يمكن التعلل بأن اللجنة “المائتين” للتهيئة للحوار، فمثل هذا الصنيع يقنع إخواننا الجنوبيين بأن التحاور يدور بين أطراف شمالية، وإنه لكذلك!
عضو الإصلاح أو الاشتراكي أو الناصري أو التجمع أو البعث في الجنوب مع الحراك. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف فإن غياب معارضة الخارج والحراك عن التشكيلة الأساسية شاهد عدم الجدية في الحوار. ويبدو أن الوضع اليمني الشائك والمعقد بحاجة إلى أكثر من طاولة حوار، وستكون طاولة الحوثيين والحراك ومعارضة الخارج والمشترك وربما تظهر أطراف أخرى هي البديل الأنسب.
لقد حدد الأستاذ الجليل محمد سالم باسندوة رئيس اللجنة التحضيرية، موقفاً يليق بتاريخه ومكانته، ولكن هل يدرك الأستاذ أن اللجنة التحضيرية التي يرأسها قد انفرط عقدها بعد أن ذهبت في طريق “المأزق”؟
يستطيع الحكم ادعاء تمثيل حلفائه (المجلس الوطني)، ولا تستطيع المعارضة ادعاء تمثيل الحراك الجنوبي أو معارضة الخارج أو مؤسسات المجتمع المدني، أو أعضائها في الجنوب.
لقد حدد الحكم بصدق وصراحة ما يريده من الحوار، وكمواطنين نشعر بالحيرة من موقف “المشتركـ”. يريد الحكم الدخول في الانتخابات بلا قيد أو شرط، ويريد جرهم جميعاً إلى صفقة تقسيم الدوائر أو بعضهم على الأقل، ويريد أن يثبت جاهزيته للاستحقاق الانتخابي، وأن المعارضة هي المترددة والخائفة. أما المعارضة فرغم أنها قد طرحت مطالب صائبة وديمقراطية، إلا أنها تعول على كرم الحكم ومنحه، بمعنى أنها كالسيد المسيح “قل كلمتك وامض”!
المأزق اليمني كبير، ربما أكبر من الحكم والمعارضة معاً. وإذا كان التوافق على التقاسم كارثة فإن ذهاب المؤتمر الشعبي وحده إلى الانتخابات يعني الانتحار، و”اللهم احمني من نفسي”.