مقرئات القرآن في مصر

مقرئات القرآن في مصر

بثت الإذاعة المصرية، عام 1920، تلاوةً جميلة للقرآن الكريم بصوت فتاة مصرية كفيفة في ال18 من عمرها. كانت هذه هي المرة الأولى التي تبث فيها إذاعة عربية ترتيلاً مباركاً من القرآن بصوت امرأة. ومن تلاوة واحدة فقط أصبح صوت المقرئة “منيرة عبده” مثار حديث كل من له أذن مرهفة.
في الحقيقة لم يحترف، في التاريخ الإسلامي، قراءة القرآن من قبل النساء وتشتهر سيدات في التلاوة إلا في مصر، كالمقرئة المعروفة بـ”أم محمد” في عهد محمد علي باشا. من الشائع تاريخياً أن “أم محمد” كانت تقوم بإحياء ليالي شهر رمضان، كسيدة مجتمع، في حرملك الوالي وفي قصور كبار رجال الدولة والجيش. ولشدة مكانتها في المجتمع المصري، وإعجاب محمد علي بصوتها واحترافها في التلاوة، فقد “دفنت في مقبرة خصيصاً لها في الإمام الشافعي”.
كيف أفتى المشائخ الكبار أن صوت المرأة عورة فتوقفت الإذاعة عن بث القرآن بصوت
منيرة عبده وذهبت ابنة الشيخ الحصري إلى الغناء، أما وقد حرّموا عليها تلاوة القرآن!
محمد عبده العبسي
وعودةً إلى مصر القرن العشرين: كانت مصر تزخر بعدد من المقرئات المجيدات المحترفات، أشهرهن، على الإطلاق، كريمة العدلية. تليها نبوية النحاس (توفيت عام 1973)، وكلتاهما كانتا تقرآن القرآن في مسجد الحسين، والاستماع، بطبيعة الحال، محصور على النساء. وقد شهدت ثلاثينيات القرن الماضي، بشكل خاص، تشكّل جيل من المقرئات المحترفات اللواتي شاعت أعمالهن، لمواهبهن وجمال واحتراف أدائهن، في المجتمع المصري.
يوجد أكثر من سبب لشيوع ظاهرة المقرئات في مصر. يقول الصحفي المصري محمود السعدني: “كان للأسر المصرية حتى بداية القرن تقاليد ظلوا متمسكين بها حتى الربع الأول من القرن الماضي. كانت ليالي المآتم تقام 3 أيام للرجال و3 أيام للنساء، وكان لا بد من وجود مقرئات لإحياء ليالي المآتم عند السيدات”. ويضيف: “الآن، ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين، اختفت هذه الظاهرة من مصر والبلاد العربية عموماً، لكنها لما تزل منتشرة في بلاد جنوب شرق آسيا كالفلبين وماليزيا وإندونيسيا وغيرها”.
بأي ذنب وئدت؟
“منيرة عبده” إذن هي المقرئة الوحيدة التي أتيح لها، على الأرجح، ما لَم يتح لزميلاتِها من المقرئات المصريات. لقد تسنى لهذه الفتاة الكفيفة، ذات الصوت الشجي، قراءة القرآن في الإذاعة، فسُمع صوتها خارج مصر وداخلها، ومن كافة شرائح المجتمع: رجالاً ونساء طبعاً، ومن دون رقابة مسبقة.
سرعان ما انتشر اسم المقرئة منيرة عبده في أوساط مُقرئي القرآن الكريم في مصر والوطن العربي إجمالاً. وعندما أنشئت الإذاعة الرسمية في القاهرة كان لها، لموهبتها وبراعتها في الأداء، مكانة رفيعة داخل هذه المؤسسة، حتى إنها كانت تتقاضى وقتها من الإذاعة: “خمسة جنيهات في الوقت الذي كان يتقاضى فيه الشيخ محمد رفعت شيخ المقارئ المصرية، بامتياز، عشرة جنيهات”.
كانت تجربة فريدة بالتأكيد بدأت مبكراً وانتهت مبكراً. لقد بقيت المقرئة “منيرة عبده” تقرأ القرآن بانتظام في الإذاعة المصرية لأكثر من عقد من الزمن، غير أنها أُحيلت، مكرهةً، إلى التقاعد في عقدها الثالث. ولم يكن سبب الاعتزال المبكر طبعا تمزق في الحبال الصوتية أو ما شابه، وإنما كان السبب: “المشائخ الكبار”!
يقول مؤلف كتاب “ألحان من السماء” الصحفي محمود السعدني: “قبل الحرب العامية الثانية بقليل أفتى مجموعة من المشائخ الكبار بأن صوت المرأة عورة. وهكذا اختفت الشيخة منيرة من الإذاعة المصرية”. ونتيجة ذلك طبعاً “توقفت إذاعة لندن وباريس عن إذاعة اسطواناتها خوفاً من غضب المشائخ الكبار”.
“لا يوجد في المسيحية باباوات من النساء -يقول روائي معاصر- ولا في اليهودية حاخامات سيدات”. يبدو لي أن تجربة منيرة عبده كان من الممكن لها، لو لم توأد باكراً، أن تنتج في المجتمع الإسلامي طبقة تدعى “شيخات”.
للزمن، على أية حال، قراراته الفادحة. فمن المؤكد لو أن السيدة “منيرة عبده” ظهرت في الألفية الثالثة لكان الأمر مختلفاً تماما. فاليوم على قناتي اقرأ والرسالة، وغيرهما، توجد العشرات من معدات ومقدمات البرامج التلفزيونية الدينية من النساء. لم نسمع أحد المشائخ الكبار يقول، علناً، إن أصواتهن عورة، مستنكراً ظهورهن على الشاشة على نحو ما استهدف المشائخ الكبار، في الثلاثينيات، بشكل مباشر، المقرئة منيرة عبده بفتواهم تلك. الفتوى التي وأدت صوتاً جميلاً ودفنت ظاهرة كان لها أن تضفي إلى النهر مياهاً جديدة. ولكن.. إنهم المشائخ الكبار!
ماذا عن صوت السيدة عائشة؟
روت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر عدداً كبيراً من الأحاديث النبوية، يفوق، من حيث العدد، ما روته زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، مجتمعات. وهذه الأحاديث، في مجملها، سمعها مجموعة من الرواة عن أم المؤمنين عائشة، عن رسول الله، سماعاً مباشراً وليس سماعاً عن بُعد، وذلك حرصاً منهم على سلامة الأحاديث النبوية من الزيادة والنقصان: ولو في لفظ أو حرف جر أو حتى حركة إعراب.
بل إن هؤلاء الرواة كانوا يلتقون، كما هو مثبت في كتب السيرة والحديث، بأم المؤمنين عائشة وغيرها من نساء النبي (ص)، ويستمعون إليهن: إما مباشرةً، وإما من وراء حجاب، حرصاً منهم على معرفة أدق التفاصيل عن حياة النبي الكريم. وإذن فهناك طرفان: مُتكلم (هو السيدة عائشة)، ومستمع (هم الرواة من صحابة رسول الله). وقد تكلمت هي بلسانها. وسمعوا هم، أيضاً، بآذانهم وليس بآذان زوجاتهم أو قريباتهم كما تقتضي الأعراف الاجتماعية.
لقد سمع الصحابة الأحاديث النبوية، وسمعوا معها، بالتأكيد، صوت أم المؤمنين عائشة. فكيف بعد ذلك بسائل يسأل: هل صوت المرأة عورة؟ بل كيف بالمشائخ الكبار وفتواهم التي وأدت صوت منيرة عبده؟
ليس لدي أدنى شك أن هذه الفتوى كانت السبب المباشر الذي دفع ابنة الشيخ محمد خليل الحصري، في ما بعد، إلى تجربة الغناء واحترافه بديلاً عن القرآن وتلاوته، وهذا، بطبيعة الحال، نتيجة تحريم المشائخ الكبار تلاوة القرآن بصوت المرأة: حرّموا عليها القرآن فذهبت للغناء. أم كلثوم، التي بدأت مقرئة ومنشدة، إلى حد ما، وإن كان وضعها مختلفاً تماماً: زمنياً وعائلياً، كما وإباحة وتحريماً، فلا هي ابنة مقرئ معروف في العالم الإسلامي ويرأس إدارة المقارئ المصرية في وزارة الأوقاف المصرية، ولا الفتوى في زمانها كانت قد صدرت.
تذكرني حال “هدى الحصري” هذه بكلمة عجيبة للخليفة عمر بن الخطاب قالها لأحد ولاته أثناء سؤاله عن غلاء الأسعار وأحوال الناس والبطالة. قال عمر: “إن هذه الأيدي خُلقتْ لتعمل. فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً أخرى”. وهذا بالضبط ما كان من ابنة الحصري التي حرّموا عليها القرآن فذهبت للغناء. وينبغي الإشارة، كما تحب ذلك، إلى أنها اعتزلت الغناء بسرعة ونشطت في الدعوة الإسلامية، وكان من أهم إسهاماتها تقديم ودعم الداعية عمرو خالد في مستهل مشواره.