نصر الكلمة

نصر الكلمة

عبدالباري طاهر
الكلمة الحياة الكون تحيي وتميت، فهي الشعلة المقدسة، احترق بها ومن أجلها برمثيوس، ونهشت صدره النسور، قربان هابيل، وعصى موسى، ومزامير داود، وسر عذابات محمد قبل البعثة كإبداع عبدالودود سيف.
اندغم بها عيسى فصلب، وشنق من أجلها الحلاج “ما في الجبة إلا الله”. الكلمة الفاكهة التفاحة. الكلمة هي من أخرج آدم من الجنة.
احترق بها جردانو أبرونو، وقذف بإبراهيم في نارها، فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم.
مال ابن المقنع إلى دار عبلة فشوي بالسفود، ومات السهروري مختنقاً بالعزلة، وطعن نجيب محفوظ في عنقه من قاتل لم يقرأ ما كتبه محفوظ.
أفتى الشيخ محمد الغزالي بأن قتل فرج فردة افتئات على السلطات. بمعنى آخر “مبادرة شعبية”! أو أخذ اختصاص الحكم الذي لم يقم بواجبه في قتل فودة، فبادر أهل “الحق” في أخذ حقهم بأيديهم.
قاتل جار الله قال لنا في منزل الشيخ عبدالله الأحمر، إنه استند إلى وجوب قتل الشهيد جار الله، إلى قول للبراء بن عازب في تفسير ابن كثير عن الجهاد الفردي.
أما أنت أيها الفادي الجديد نصر حامد أبو زيد، فمحنتك عظيمة تليق بعظمة اجتهادك، وجراءة تحديك، وطبيعة عصرك. أبوك آدم عندما طرد من الجنة خرج متأبطاً حواء التي حرضته على قضم التفاحة، أما أنت فقد حكم قضاء الطغاة الفاسدين والمستبدين على تطليقك من زوجتك “ابتهال يونس”.
غضب عبدالصبور شاهين غضباً شديداً لأنك لم تتب ولم تعتذر. كانوا يريدونك أن تتخلى عن شعلتك التي حملتها. ويا فقيد أمتنا “كادت الدنيا أن تكون دار جزاء”، فقد كفر مكفرك شاهين من قبل رفيقه في هاوية التكفير يوسف البدري، ولم يشفع له من العقاب إلا وجود اسمه في كشوف البركة، وهي شفاعة مخزية له ولهم.
اقتربت من النار المقدسة فاحترقت بها. قرأت النص الأول قراءة مختلفة ومغايرة، قراءة لم تألفها العقول المحنطة، ولم تفطن إليها بلادة قرون من الجمود والتقليد. أدركت عمق الترابط بين الدين والدنيا، وبين البعد الإلهي للنص الأول ومتعلقه البشري. فضحت المتاجرين بالدين، المتكسبين بتقديس النص بدون وعي وإدراك.
بسبب من اجتهادك العظيم لم يتسع لك الوطن العربي كله. خرجت من مصر كموسى خائفاً تترقب، لم تجد شبراً واحداً في الأرض العربية يستقبلك. أستثني لبنان.
أتذكر عندما زرت اليمن مطلع التسعينيات، وكانت اليمن حينها تحتفل بوحدتها العظيمة، وتفاخر بدستورها العلماني “المعدلـ”! لم يحتفِ بك أحد، واستقبلت بجفاء عظيم، وكان اللقاء اليتيم بك في مركز الدراسات والبحوث، وذهبت دون وداع.
رفضت الكويت واحة الديمقراطية في الجزيرة والخليج، استقبالك، وهي الواحة التي استقبلت واحتضنت أسلافك عبدالرحمن بدوي وفؤاد زكريا وأحمد بهاء الدين وعشرات غيرهم.
رفضت نقابة الصحفيين عقد مؤتمرك الصحفي الاحتجاجي. كما رفض اتحاد الأدباء والكتاب إقامة حفل تأبين لأنك لست عضواً فيه.
بالأمس غير البعيد كانت مصر الملاذ الآمن للآتين إليها من الوطن العربي الكبير والبلاد الإسلامية. استقبلت مصر الأدباء والفنانين والشعراء والمفكرين من مختلف البلاد العربية والإسلامية: جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وعبدالخالق محجوب والزبيري والنعمان.. ولكنها أصبحت تضيق باستقبال واحد من أهم أبنائها، ومن أهم مفكري القرن الحادي والعشرين.
استضافتك هولندا، وفتحت لك أبواب أهم جامعاتها، وأهم مراكز علمها في ليدن، في حين رفضت الكويت تحت ضغط المتشددين المتباهين بجهل الدين.
حكامنا (حماهم الله) مختلفون في كل شيء، ولكنهم متوحدون بالجهل والفساد والاستبداد. عدوهم الوحيد المعرفة. يتقاتلون مع الإرهاب، وينتجونه بنفس القدر وربما بأسرع. يخلقون الإرهاب كما تخلق الكير النار. فهم كالتنين الخرافي ذي الرؤوس المتعددة التي تتقاتل مع نفسها.
أدرك نصر حامد أبو زيد هذه الحقيقة مكبراً؛ يقول إن الخلاف بين الاعتدال والتطرف في بنية الخطاب الديني ليس خلافاً في النوع، بل هو خلاف في الدرجة. وكان من أهم الأدلة التي استندت إليها لإثبات هذا الحكم أن كلاً من الخطابين يعتمد التكفير وسيلة لنفي الخصم فكرياً عند المعتدلين، ولتصفيته جسدياً عند المتطرفين. وإذا كنت قد امتنعت في ذلك الكتاب عن استنباط وجود أي نوع من التعاون أو “تقسيم العملـ” بين التيارين، فإنني هنا أقرر -بضمير مستريح- أن هذا الضرب من التعاون والتعاضد قائم بالفعل على مستوى الخطاب على الأقل (“التفكير في زمن التكفير”، ص61، ط دار ابن سيناء، 1995).
درس أبو زيد عميقاً “النص الأولـ” ومشكلات الخطاب في البعدين: الإلهي ومتعلقه البشري. كما درس وبعمق أيضاً زيف الاعتدال في الوسطية “الأيديولوجية الشافعية”، وبين خطأ الارتقاء بالسنة إلى مرتبة النص الأول، ومخاطره على الحياة الفكرية بصورة عامة.
أليس لافتاً أن الشافعي الذي عانى حتى الموت بسبب اعتداء متعصب من أتباع الإمام مالك، وهو من أساتذة الشافعي، يتعرض نصر حامد أبو زيد بسبب نقده لأيديولوجيته، إلى الحسبة والتطليق والتشريد والتكفير؟ ألا يعني هذا أن الاستبداد كله ملة واحدة بقطع النظر عن المذهب والمعتقد والدين أو اللادين؟
أنكر شاهين أنه كفرك، ولكن بعد أن شرب من كأس التكفير جزاء وفاقا.
كنت وأنت المزندق والمكفر أكثر إيماناً منهم، فقراءة النص الأول وفهمه عبادة حقيقية. أليس نوم العالم أفضل من عبادة الجاهل، خصوصاً إذا كان هذا الجهل مركباً؟
حياة نصر على قصرها بامتداد الحضارة العربية الإسلامية والإنسانية، فقد قرأ التراث العربي الإسلامي قراءة مختلفة ومغايرة ومكتشفة، كما قرأ العلمانية واستوعبها، وقرأ مناهج البحث الحديثة، وطبقها كأداة ومنهج وبفكر نقدي خلاق ومجدد. فرحم الله نصر حامد أبو زيد. فمثله لم يمت بعد أن فتح كوة في جدار التقليد العربي والإسلامي الصلد، وراح يؤسس لقراءة نيرة وعقلانية لتراث طالما احتاج لعقول نيرة ومتفتحة تستوعب الجديد، ولا تدير الظهر للقديم الذي يتحول جديداً بإعادة القراءة.
بفرح غامر قرأت ما كتبته الباحثة الأكاديمية إلهام مانع عن الفقيد الكبير نصر حامد أبو زيد. وكم أتمنى لو تناولت قراءته للعلمانية، فهي من القضايا الإشكالية عند هذا المفكر المجدد والمجتهد. ولا أستبعد أن يكون قد جرى نقاش معه حولها.