السياسة التركية الجديدة.. محاولة أولية للفهم (4-4)

السياسة التركية الجديدة.. محاولة أولية للفهم (4-4)

* عبدالله سلام الحكيمي
في الحلقة السابقة تطرقنا إلى مسألة تفجر الصراع بين تركيا و”إسرائيلـ”، وآفاقه في الأهمية والثقل والوزن الإقليمي والدولي لتركيا وعلاقاتها الاستراتيجية الوثيقة بالمنظومة الغربية العسكرية والسياسية، وأبعاد السياسات والمواقف التركية المهمة إزاء العالم العربي، وانتهينا إلى سؤال حول كيفية ممارسة تركيا لدورها وحضورها العربي، والعقبات والمعوقات والتعقيدات التي واجهتها وكيفية تعاملها معها. والواقع أن تركيا لم تكن غافلة، على الأقل منذ عقد من الزمن، أو غير مدركة لما يشهده ويعيشه العالم العربي، من خلافات وتباينات وتنافرات وحساسيات بين الأنظمة الحاكمة لبلدانها، وما يعكسه ذلك من تمحورات متصارعة ومتخاصمة، وتمزق وتفرق وانقسام سياسي واسع بين دوله وحكامه، بل كانت تدرسه وتتابعه وتحلله بعناية واهتمام ملحوظين. ويبدو أن أهم ما استخلصته من كل ذلك أن العالم العربي، في مستواه السياسي الرسمي، يعاني من أزمتين عميقتين تؤثران، على نحو سلبي وخطير، على وحدة وتلاحم الموقف العربي، وبشكل أفقده قدراً كبيراً جداً من الفاعلية والقوة والتأثير، وهما:
الأزمة الأولى: تتمثل بإخفاق الحكومات العربية في الاتفاق على رؤية إستراتيجية سياسية عامة، تمثل ولو الحدود الدنيا والقواسم المشتركة العريضة في ما بينها، لموقف وتحرك عربي موحد تجاه التحديات والمشاكل والمخاطر التي تستهدف مصالحهم وحاضرهم ومستقبلهم، وكيفية خلق القوة والقدرة اللازمة لمواجهتها والدفاع عن مصالحهم العليا، وذلك ما أضعف إلى حد كبير قوة الحضور العربي وضمان احترام أهدافه وتطلعاته المشروعة إقليمياً ودولياً.
الأزمة الثانية: أن العالم العربي يعاني، منذ عقود خلت، من غياب “القوة القائدة” القادرة والمؤهلة على إنهاء حالة اختلال التوازن والتشتت والتمزق والتنافر بين أنظمته الحاكمة، وضبط وتنظيم إيقاعاتها وخطواتها، وصولاً إلى وحدة الهدف والصف والتحرك العربي المشترك.
إن غياب “القوة القائدة” ذات الوزن والثقل والقوة، أدى إلى انعدام أو ضعف العمل من أجل إقامة “مركز ثقل استراتيجي عربي” يشد إلى فلكه وحركته وثقله سائر البلدان والحكومات العربية نحو خدمة مصالح العرب وقضاياهم الاستراتيجية على نحو منسق متناسق متكامل منظم يحشد طاقات وإمكانيات العرب الهائلة لخدمة تلك المصالح والقضايا والانتصار لها.
والواقع أن مشكلة “الفراغ القيادي” في العالم العربي، قد نتج بفعل انكفاء وانحصار اهتمامات وسياسات كل دولة من دوله، وخاصة الدول الكبرى الرئيسية فيه، على نطاقها ودائرتها الوطنية الضيقة، وعدم مد نظرها ودورها إلى نطاقها القومي، فراحت كل دولة من دوله ترسم وتدير سياستها، محلية الاهتمامات والقضايا، بمعزل عن ترابطها مع المصالح القومية والمصير المشترك عربياً، وبالارتباط والتحالفات مع قوى دولية كبرى، على حساب المصالح القومية العربية المشتركة وشديدة الترابط.
وفي ضوء تلك الرؤية لهذا الموقف العربي الضعيف والمفكك والمنقسم، راحت تركيا تتخذ سلسلة من المواقف والخطوات والإجراءات بهدوء وتأنٍّ بالغ، وبحذر وعناية فائقة، بادئة بسوريا، وكان منطقياً وضرورياً أن تكون سوريا البداية، حيث شهدت علاقات تركيا معها تطوراً متسارعاً وواسعاً شمل كافة المجالات، من الناحية الكمية والنوعية، وأصبح من الملاحظ جلياً أن تلك العلاقات تسير حثيثاً نحو علاقات “شراكة استراتيجية شاملة”. ومثلما كانت “بلاد الشام” بوابة “الدولة العثمانية” قديماً إلى العالم العربي، فإن سوريا، ومعها وإضافة إليها لبنان وفلسطين، شكلت اليوم بوابة الدولة التركية الحديثة للعالم العربي، بأساليب وغايات معاصرة، مختلفة تماماً عن أساليب وغايات الماضي المنصرم. والكل يعلم ما يربط الشعبين في سوريا وأرض الشام من ناحية وتركيا من ناحية أخرى، من علاقات تاريخية ثقافية اجتماعية اقتصادية متداخلة وعميقة وموغلة في القدم، وامتداد جغرافي طبيعي واسع بينهما، وهي علاقات وثيقة وراسخة العرى وصلت إلى إدارة تركيا المحادثات غير مباشرة بين سوريا و”إسرائيلـ” لحل الصراع بينهما، قطعت شوطاً بعيداً جداً وكادت توصل إلى نتائج مهمة وعملية لولا قيام “إسرائيلـ” بنسفها وتدميرها بعدوانها العسكري الكاسح على قطاع غزة وتدميره في أوج المحادثات غير المباشرة تلك.
إن العنجهية وغطرسة القوة وغرورها بدون أي اعتراض دولي من أي نوع، دفع تركيا إلى التصدي لها بكل قوة وفاعلية، ولجمها وإخضاعها لأحكام وضوابط القانون الدولي. وقد تميزت السياسة التركية بحكمة وحنكة مشهودة في نجاحها لإقامة علاقات وثيقة وواسعة ومتميزة مع سوريا ولبنان وفلسطين، متحاشية الارتطام بحقول ألغام الخلافات والحساسيات والمحاور العربية الرسمية المتنافرة بشدة، منطلقة نحو العراق، في وضعه المضطرب غير المستقر، لتشيد معه أسس علاقات متينة متطورة قائمة على حسن الجوار والمصالح المشتركة، وفي الوقت نفسه لم تتردد في فتح قنوات حوار وتفاهم وعلاقات طيبة مع إقليم “كردستان العراق” شبه المحكوم ذاتياً، بهدف صياغة رؤية مشتركة وإيجابية وعملية في اتجاه التحرك المتناسق للحيلولة دون تمكين تحركات “حزب العمال الكردستاني التركي” من تفجير ونسف العلاقات الطيبة والمصالح المشتركة بين العراق، بما فيه إقليمه الكردستاني، وتركيا، في ظل مساعٍ جادة ومتدرجة ومتأنية لوضع حلول معقولة ترضي جميع الأطراف، للمشكلة الكردية في البلدين. ولم تكن المشكلة المائية غائبة في هذا التحرك التركي النشط في كل من سوريا والعراق، بل كانت حاضرة، وصولاً إلى معالجات ودية جوارية أخوية بين دولة المنبع ودولتي المصب، بما يحفظ الحقوق المتعارف عليها لجميع الأطراف.
ولم تتوقف السياسة والدور التركي الجديد على الدول العربية المجاورة جغرافياً بشكل مباشر (العراق وسوريا) إضافة إلى لبنان وفلسطين، بل واصلت حركتها وتحركها بشكل أكثر اتساعاً، فشهدت علاقاتها انطلاقات هامة مع دول عربية أخرى، في الأردن والسعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي، واليمن، وإلى الغرب العربي مع ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وصولاً إلى إلغاء تأشيرات الدخول بين مواطني تركيا ومواطني أكثر تلك الدول العربية المذكورة آنفاً، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي وحتى العسكري.
إن الملاحظة الرئيسية للسياسة والدور التركي الجديد في العالم العربي، أنها استطاعت باقتدار ملحوظ أن تقفز من فوق الخلافات والحساسيات والتباينات بين الدول العربية، ونأت بنفسها عن الانزلاق إلى دوامة المحاور العربية الرسمية المتنافرة والمتصارعة، بالوقوف على مسافة واحدة بين الجميع، وبالتعامل بنفس الروح والإيجابية مع الكل دون تمييز أو مفاضلة، إلا من حيث المدى والأفق المتاح لتطور العلاقات مع هذه الدولة أو تلك.
فهل يمكننا، في ضوء ما سبق، أن نتصور إمكانية قيام تركيا، على المدى الزمني المنظور، بدور المقرِّب للآراء ووجهات النظر العربية المتنافرة، والساعي النزيه والمحترم إلى جمع الدول العربية واتفاقها على رؤية استراتيجية عربية واحدة ترص صفوفهم وتوحد هدفهم وقواهم وطاقاتهم لخدمة مصالحهم وقضاياهم القومية المهددة؟ الواقع أن ذلك أمر وارد وإمكانية نجاحه قائمة لأن العقلية العربية، المتكونة تاريخياً، أكثر استعداداً وقبولاً وتجاوباً مع طرف غير عربي، يحظى برضا واحترام وتقدير الجميع، إذا ما دعاهم إلى ما يحييهم! وأعتقد أن تركيا تتوفر لها تلك المعايير والمواصفات، وبقدر ما يخدم جهد خيّر كهذا المصالح العربية فإنه يخدم أيضاً المصالح التركية على حد سواء.
وبالتوازى مع الدور التركي الجديد على مستوى المحور العربي، يأتي أيضاً الدور التركي الجديد على المستوى أو المحور “الإيراني” بالدرجة الأولى، وما يتفرع عنه في المجال المحيط به: “باكستان” و”أفغانستان”. وفي ما يتعلق بالدور التركي على المحور الإيراني، فعلى النقيض -تقريباً- من العلاقة التاريخية للدولة العثمانية الناعمة والودية في بداية توسعها في العالم العربي، فإن علاقة “العثمانيين” بالدولة الإيرانية، الصفوية وغيرها، اتسم بالعدائية والصراع والتنافس المرير، ولاشك أن للعامل الديني المذهبي “الشيعي” بالنسبة لإيران و”السني” بالنسبة للدولة العثمانية، دوراً في ذلك، مما أثر تأثيراً سلبياً كبيراً على وحدة وتلاحم العالم الإسلامي كله آنذاك، حيث كانت الخلافات المذهبية عاملاً محرضاً بالغ الأهمية على العنف وسفك الدماء والصراعات المريرة المدمرة بين المسلمين على نحو أشد في علاقتهم بالديانات والملل الأخرى! وهنا يبرز ملمح مهم وبارز حول منهج وأسلوب تعامل القيادة التركية الحديثة مع إيران على نحو مختلف، بل ونقيض لما كان عليه الحال قديماً، واختارت منهجاً إيجابياً بنّاء يقوم على التفاهم والتنسيق والتعاون والتكامل المكرس لخدمة وتطوير المصالح والمنافع المتبادلة والمشتركة لشعبي البلدين الجارين الكبيرين، دون أدنى التفات أو اعتبار للمسائل المذهبية المختلفة، وشهدت علاقاتهما تطوراً وتنامياً متزايداً ومتسعاً، ولن تتردد تركيا في دعم ومساندة القضايا والحقوق الإيرانية المشروعة، وفي المقدمة منها حقها في تطوير برنامج نووي سلمي وفقاً للشرائع الدولية المعتمدة. وأصبح واضحاً أن ما يجمع تركيا وإيران من علاقات متنامية ووثيقة وواسعة النطاق أكثر وأوثق وأقوى مما يربط الدول العربية بعضها بعضاً! إن كلاً من تركيا وإيران معاً يتصرفان وفق مقتضيات الدولة وقوانينها ومنطقها، وليس وفقاً للتمترسات “الدينية” أو “المذهبية”، منطق الدولة الذي تفرضه وتحكمه قوانين المصالح والمنافع والمكاسب المتبادلة والمشتركة في علاقاتها وسياساتها ومواقفها بسائر دول وشعوب العالم أجمع. وعلى ذات القاعدة تمتد العلاقات المتطورة والمتنامية بوتيرة متسارعة لتحديد ورسم سياساتهما وتحركاتهما ودوريهما إزاء أزمة “أفغانستان” وخوض “باكستان” في أوحاله ومستنقعاته، فإيران من المعلوم أن لها حضوراً ونفوذاً وتأثيراً لا يستهان به في “أفغانستان”، ولتركيا قوة عسكرية مساندة هناك، مثلما لها قوات مشاركة ضمن إطار قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، وهناك لاشك محاور أخرى للدور التركي الجديد، سواء في دول آسيا الوسطى (الجمهوريات الإسلامية التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي سابقاً) وكذا دول جنوب شرق آسيا الإسلامية (إندونيسيا، ماليزيا وغيرهما)، إضافة إلى دول البلقان حديثة النشأة.
إن هذا الدور التركي الجديد النشط والمتسم بحيوية متدفقة، وعلى امتداد رقعة جغرافية شاسعة ومترامية الأطراف، تمتد إلى أجزاء واسعة من 3 قارات، وانطلاقه من مستوى رفيع من الحكمة والحنكة، ووفق رؤية استراتيجية شاملة واضحة المعالم محددة الأهداف والغايات، وأساليب ووسائل كفؤة ومؤهلة ومقتدرة، يقترن ويتواكب بإشعاعات وأنوار ساطعة وحضور غير مباشر، لنموذج يحتذى وتجربة أثبتت صلابتها ونجاحها وإيجابياتها العميقة والواسعة في تحقيق التقدم والرقي والنهوض الحضاري للشعب والبلد، ذاك هو النموذج والتجربة السياسية الديمقراطية المتألقة التي استطاعت بكل فاعلية واقتدار إعادة بناء تركيا الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية المنهارة؛ إن هذا النموذج وتلك التجربة الرائعة أصبحت اليوم محطاً لأنظار وأبصار وعقول وقلوب ملايين واسعة من المسلمين في أرجاء العالم، استيعاباً ودرساً لها وتأثراً بها وتمثلاً وتمثيلاً لها، وسعياً إلى الاقتداء بها ومحاكاتها، وهذا هو الجانب الأهم والأكبر والأعمق للدور التركي على الصعيد الإسلامي –العربي.
لقد أثبتت تركيا الحديثة أن الشعوب الحرة المتحررة من أغلال الكبت والقمع والعبودية والانسحاق، والمالكة لمصيرها والمعبرة عن إرادتها والفارضة لخياراتها الحرة، والمحققة لعزتها وكرامتها؛ هي وحدها التي تصنع مستقبلها المشرق الوضاء والحياة الكريمة لأجيالها القادمة من بعدها.
إن كثيرين من متابعي ومحللي الدور التركي الجديد، بعمقه واتساعه، يرون أن تركيا، كما تؤكد جملة من المؤشرات والشواهد الأولية، تتجه نحو هدف استراتيجي محوري في المحصلة النهائية، وهو السعي إلى تأسيس وبناء أرضية وأسس “كومنولث إسلامي واسع”، ككتلة ضخمة تهدف إلى تحقيق خير ورفاهية وعزة وكرامة وحرية الشعوب والبلدان والدول الإسلامية جمعاء، وهو هدف، لو قدر له أن يرى النور، لأحدث تغييرات كبرى في خارطة القوى والنفوذ والعلاقات الدولية برمتها.
بقيت في الأخير، ضرورة الإشارة إلي أنه لا صحة لما يشاع ويتردد من أن الدور التركي موحى به من قبل أمريكا والغرب، ومطلوب من تركيا القيام به لمحاصرة وإضعاف النفوذ الإيراني، ذلك أنه، وبرغم الحقيقة الماثلة للعيان بأن علاقات تركيا بأمريكا والغرب وثيقة ومتينة وعميقة، وقد تكون استراتيجية كما يقال، إلا أن الحقيقة الماثلة الأخرى تؤكد أن تركيا دولة مؤسسية ديمقراطية محترمة ومهابة، لا يمكن أن تقبل القيام بأدوار التابع المطيع لهذه القوة الدولية أو تلك، لكنها تقوم بدورها بإرادتها واختيارها الحر والمستقيل، ولا ضير بعد ذلك أن يتقاطع أو يتوافق مع أي القوى الدولية، بل إن ذلك مطلوب في إطار علاقات متكافئة ليس فيها آمر ومأمور، وتابع ومتبوع.
وربما كانت لنا عودة أخرى في حلقة مستقلة تناقش على نحو أكثر تفصيلاً تجربة حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم اليوم في تركيا، من حيث هو حزب ذو خلفية دينية يمارس دوره ونشاطه في ظل دولة علمانية ووفق نظامها الدستوري دون تصادم بين الطبيعتين، لا بل إن ذلك الحزب برهن أنه أكثر حرصاً على حماية تلك الدولة ومنظومتها الدستورية.
كانت هذه إذن محاولتنا الأولية لفهم وتسليط الضوء على الدور التركي الجديد المتجه، بعنفوان وحيوية، نحو الشرق الإسلامي الممتد.. لعلنا وفقنا في تسليط بعض ضوء على ذلك، وأملنا أن هذا الموضوع هو حالياً، موضع اهتمام ودرس واسع الناطق، وسيظل كذلك لفترة قادمة ليست بالقصيرة.