المبادرة تنتقل إلى يد الحوثيين والحكومة مستمرة في تسخين المزايدة بين الرياض والدوحة

المبادرة تنتقل إلى يد الحوثيين والحكومة مستمرة في تسخين المزايدة بين الرياض والدوحة

دور الجيش تراجع إلى الظل كـ”مساند” للقبائل وليس العكس، وما حدث في سفيان قد يكون السقوط الأخير لورقة “الميليشيات” الموالية للدول
* المحرر السياسي:
أنجز الحوثيون مهمتهم في حرف سفيان باستيلائهم على موقع “الزعلاء” العسكري وكسر الميليشيات القبلية وإرسال صغير عزيز جريحا إلى أحد مستشفيات العاصمة؛ لتعود الأوضاع إلى حالة “اللاحرب واللاسلم” التي كانت عليها في هذه المنطقة كما في مختلف مناطق صعدة قبل اندلاع المعارك الأخيرة.
وعلى الأرجح فإن حالة توقف الحرب وعدم استقرار السلم ستظل هي الصورة النهائية للوضع في صعدة وعمران إلى أجل بعيد، حيث بات واضحا انعدام الخيارات أمام الحكومة بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين ومع الوضع الذي خلفته الحرب بشكل عام، ضعف قدرتها على التعامل أيضا مع الحوثيين كأمر واقع، وهذا لا يؤدي إلا إلى المزيد من إرباك السياسات والتصورات الحكومية حيال ما ينبغي التعامل به مع الأمر وبالتالي ينتهي إلى شكل من أشكال التسليم بأن على صعدة أن تظل واقعا مفتوحا على عدم استقرار مطرد وبلا نهاية.
يوم الأحد قبل الماضي، سلم الحوثيون وبمبادرة منهم، إلى الشيخ حسين الأحمر رئيس مجلس التضامن الوطني 100 جندي من أصل 200 هم قوام جنود معسكر الزعلاء الذي استولى مقاتلو الجماعة عليه وأسروا أفراده إثر دعم المعسكر لمقاتلي الشيخ عزيز الموالين للدولة في مواجهتم للحوثيين.
وانطوت هذه التطورات، وصولا إلى تسليم الأسرى، على رسالة تؤكد أن “المبادرة” في أزمة صعدة بدأت تتحول تدريجيا إلى يد الحوثيين، وهو أخطر ما في تطورات الأزمة، حيث المعتاد منذ منتصف 2004 أن الحرب والسلم والتصعيد والمهادنة ظلت جميعها أوراقا محتكرة بيد الحكومة، وظل الحوثيون في موقف رد الفعل بشكل دائم. بينما ما حدث الآن في سفيان يشير إلى أن الجماعة يمكن أن تجابه التكتيكات الحكومية (كتكتيك الاستعانة بمليشيات القبائل بمعزل عن الجيش) بمبادرات قتالية تقلب الطاولة ليس على معاوني الجيش فحسب ولكن على الجيش أيضا على النحو الذي شهدنا معه وقوع معسكر كامل في قبضة الحوثيين لأنه يقف فقط “سندا” للقبائل وليس العكس.
لقد توارى دورالجيش إلى الظل، ومع التحاق النائب والشيخ وزعيم الميليشيا، صغير عزيز، ببقية المشائخ “المهجرين” من صعدة إلى صنعاء بفعل تحالفهم مع الحكومة؛ فإن ورقة المليشيات “البديلة” للجيش قد سقطت هي الأخرى وبشكل قاس، في وقت بدت فيه كآخر خيارات الحكومة ل “إلحاق الأذى” بالحوثيين الذين باتوا اليد الطولى في صعدة وأجزاء من عمران والجوف.
 وبالفعل فإن ما تحاوله السلطة منذ انهيار الجولة السادسة من الحرب إثر خروج الشريك السعودي منها وتوقفه عن تمويلها؛ لم يعد “القضاء” على الحوثيين وإنما “تعكير” هدوءهم أو إقلاقهم بالقدر الذي يرضي ما تبقى لدى الحكم من كبرياء.
 وسيحضر الآن “صوت العقلـ” أيضا، ولكن ليس احتراما للعقل نفسه بل محاولة لاستثمار ما أفضت إليه السياسات الرسمية من عجز في صعدة وجوارها، ومن هنا جاءت حكاية “إعادة تفعيلـ” اتفاق الدوحة والوساطة القطرية، ثم جاءت “الفرملة” الحكومية لهذه العودة عبر تصريحات رئاسية تهيل التراب على مضامين اتفاق الدوحة وتبقي على قدر من المجاملة للوسيط القطري.
جهود الحكومة الحثيثة لإعادة الوسيط القطري تزامنت مع تأكيدات الرئيس صالح بأن “لا عودة للحربـ” التي توقفت مباشرة إثر قبول الحوثيين بتنفيذ النقاط الست التي طالبتهم الحكومة بالالتزام بها، ثم وبعد مرور أشهر على هذا التوقف تم الاستنجاد باحتياطي التصورات والرؤى التي يمثلها الدكتور عبد الكريم الإرياني بشأن الأزمة، حيث ابتعث من قبل الرئيس إلى الدوحة ليعود من هناك بعد إنجازه مهمته كما ينبغي: لقد أقنع القطريين بالعودة للعب دور في صعدة، لكن أياما لم تمض على انعقاد المؤتمر الصحفي بين صالح والأمير القطري في صنعاء وإعلانهما إعادة تفعيل اتفاق الدوحة، حتى كان صالح يعلن أمام احتفالية تخريج دفعات جديدة من الأمن المركزي الأسبوع قبل المنصرم، أن على الحوثيين الالتزام بتنفيذ “النقاط الست” وآلية “اللجنة الوطنية” المشرفة عليها، ما عنى ببساطة أن لا مكان لاتفاق الدوحة خصوصا بعد الخلاف مع القطريين بشأن رفضهم للنقطة السادسة التي حاول الرئيس إدخالها على الاتفاق والمتعلقة بـ”عدم الاعتداء على الأراضي السعودي”.
ثم، ومرة ثانية، أطل الرئيس بداية الأسبوع الماضي ليبدي في خطاب متلفز آماله في أن يقوم “الأشقاء القطريون” ب “الذهاب إلى الحوثيين” وإقناعهم بالالتزام بالاتفاقات المبرمة معهم (لم يقل اتفاق الدوحة)، ومؤدى هذا الطلب الرئاسي هو أن على القطريين أن يتحولوا إلى “رسلـ” لدى صالح ينقلون عنه إلى الحوثيين جملة مطالبه كما هي حال الوساطات المحلية.
لدى قطر أجندتها لحل المشكلة بشكل آمن في صعدة، ولكن طبقا لضمانات مسبقة من الرئيس صالح وحكومته بالالتزام بنتائج مساعيها هذه وعدم تعريض الدوحة ل “مرمطة” أخرى كالمرمطة السابقة التي انتهت باتهام القطريين في خطابات مسئولي الحكومة ب “دعم الحوثيين”.
وعلى الأرجح فإن صنعاء لا تريد بذل هذه الضمانات وهي تحاول التلكؤ بعد اعتقادها أن “مجاملة” القطريين بإعادتهم كوسطاء أمام وسائل الإعلام سيكفل عادة تطبيع العلاقات معهم إثر تضررها منذ الحرب الخامسة، إذ ليس مطلوبا من قطر، بأي حال من الأحوال، أن تقوم بأي دور حقيقي في صعدة، فمثل هذا الدور يعني، لدى بعض الأطراف في السلطة وحلفائها المحليين في صعدة. أن يبدأ القطريون أيضا عملية إعادة إعمار تصب في صالح الحوثيين.
من هنا تأتي التحركات التي تحاول نقل الكرة إلى ملعب السعودية مرة أخرى، سواء جاءت من قبل أطراف في السلطة أو أطراف قريبة من الحوثيين؛ وهي تحركات تهدف إلى إقناع الرياض بتولي وساطة إنهاء المشكلة في صعدة، دون أن يعني ذلك خرقا لمنطق الأشياء، حيث السعودية منذ البداية “طرف رئيس” في الأزمة ولا يمكن لها أن تكون “حلا”.
إن دخول السعودية على خط “الوساطة والصلح” بعد أن كانت جزءا من النار التي احترق بها كل أخضر ويابس في صعدة، سيضمن أن يكون ريع أي مشاريع لإعادة الإعمار مسيطرا عليها من قبل حلفاء السعودية، وسيضمن أيضا نفوذا سعوديا يبقى على الحالة الحوثية أكثر “تقزما” وأقل حضورا.
وهنا يكمن سبب آخر من اسباب استدعاء الوسيط القطري: تخويف الرياض والإبقاء على أبواب المزايدة بشأن “سوق” إعادة الإعمار ساخنة وأكثر إغراء للطرف السعودي الذي مهما كان الأمر سيظل أوضح “عدو” للحوثيين، وأفضل حليف ل صنعاء أيا كانت التقلبات العابرة في المزاج المتحكم بالعلاقة غير المتكافئة، وغير المتزنة، بين الطرفين.