مسلمون هنا.. وإسلامٌ هناك

مسلمون هنا.. وإسلامٌ هناك

* نادرة عبدالقدوس
عجباً لهذه الأمة العربية التي رُزئت بحكام وزعماء من صلبها، إلا أنهم بعد أن يصلوا إلى سدة الحكم ينسون عهودهم تجاه أمتهم ويبدؤون بتشويه صورهم أمام الملأ بأيديهم، وذلك من خلال ممارستهم السلطة في الاتجاه المعاكس لرغبات شعوبهم، السلطة التي أنستهم حكمة الخالق في وصولهم إلى قمتها فأعمت بصيرتهم.
فلا نجد بلداً عربياً إلا ومعظم شعبه يعاني صنوف القهر والاضطهاد والفقر والمرض والأمية والجهل، وكل بلاوي الدنيا التي لعلها لم تكن موجودة إبان الاحتلال الأجنبي.. حتى تلك البلدان التي تدّعي تطبيق الديمقراطية وممارسة الشفافية، من القمة إلى القاعدة.
وعندما يستمع المرء إلى خطابات الحكام العرب، يخال أن شعوبهم تعيش في بحبوحة ونعيم، وأية حركة معارضة لسياسة هؤلاء الحكام وعجرفتهم وسياستهم، فإنها، من وجهة نظرهم، ما هي إلا افتراءات كيدية وادعاءات حقيرة، الغرض منها تشويه صورتهم أمام شعوبهم، فما هم إلا نسور رحيمة، وأسود أليفة، وحمائم سلام.
وها هي حال الأمة العربية، المتشابهة في كل الوجوه وكأنما حاكم واحد يحكمها، ومن يقول غير ذلك فليقارن بين ما هو موجود في بلده وما هو موجود في بلد عربي آخر:
– في كثير من البلاد العربية يزيد عدد المساجد، كما يزيد عدد السجون والمعتقلات.. بنفس زيادة نسبة الأمية في صفوف الجنسين، ذكوراً وإناثاً، حيث وصلت النسبة إلى 29،7%. أما نسبة الأميات فتصل إلى 46،5%.
– وفي البلاد العربية تنخفض قيمة الإنسان الذي لا ينتمي إلى عشيرة ما أو قبيلة ما أو طائفة ما، أو الذي لا تربطه علائق بأصحاب فوق.. في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار المواد الاستهلاكية المختلفة، الغذائية والدوائية والتعليمية. فليجع الفقراء المعدمون، وليموتوا هم ومحدودو الدخل، من سوء التغذية وصعوبة شراء الدواء.
– في البلاد العربية مساحة الحرية تضيق، كضيق مساحة الوطن على المواطنين المغلوبين على أمرهم، فلا يجد هؤلاء مساكن تؤويهم، ولا بقعة أرض يبنون عليها عششاً أو أكواخاً صغيرة، لغلاء الأراضي، وعدم بناء مساكن شعبية من قبل الدولة من ناحية، ولاغتصاب أراضي الدولة من قبل الأقوياء أصحاب النفوذ من ناحية أخرى.
– في البلاد العربية للديمقراطية معانٍ عدة، ويتم التعامل معها في حكم البلاد والعباد حسب خصوصية كل دولة.. ومن ليس مع الحاكم وديمقراطيته فهو ضده.. ولا مجال للاختلاف في الرأي.
– في البلاد العربية لا يحاسب الحاكم على مثالبه، وكأنه منزه من الخطايا، ويظل ملتصقاً بكرسي الحكم إلى ما شاء الله، كما لا يحاسب أي وزير أو سفير أو مدير على تقصيره الوظيفي، بل تتم ترقية بعضهم إلى درجات وظيفية حكومية أعلى، أو يتم ترشيحهم في الانتخابات البرلمانية، تكريماً لأدوارهم الجليلة في خدمة الوطن والمواطنين. وفي بعض البلدان العربية تورث الوظيفة الحكومية الكبيرة للأبناء بعد ترك آبائهم لها، وكأنها مزرعة خاصة أو شركة خاصة للأسرة، أو كأن الأسرة قامت بشراء الوظيفة من الحكومة، فتصبح ملكية خاصة بها يتوارثها الأبناء عن الآباء.
– في البلاد العربية للحاكم ألقاب لا بد من ارتباطها باسمه، والبعض يبالغ في ذلك إلى درجة المساواة بالذات الإلهية.
– في البلاد العربية حقوق الإنسان ضائعة في دهاليز السلطة الجائرة والنظام السياسي الفاسد. وتقارير المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية، تؤكد على وجود انتهاكات عدة لإنسانية الإنسان العربي، منها استعباد الإنسان في القرن الحادي والعشرين الميلادي، كما هو الحال في اليمن، الخارج عن تعاليم وأخلاقيات ديننا الحنيف، والسلطة أذن من طين وأذن من عجين.
– في البلاد العربية، التي يصل تعداد سكانها إلى 335 مليون نسمة، تنتشر البطالة بين الشباب، فتزيد الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتزيد بالتالي نسبة الجريمة، وبدلاً من إيجاد الحلول الناجعة لهذه الآفة (البطالة)، نجد الإسراف في التصرف بالمال العام من قبل الحكام العرب وحاشيتهم وذويهم وأتباعهم، وكأنما هي أموالهم الخاصة ورّثها لهم أجدادهم وآبائهم، والتصرف بثروات البلاد وكأنها ملكية خاصة بهم، ولا من رقيب أو حسيب. بل إن بعض الحكام ينصح الشباب بالهجرة إلى خارج بلدانهم بحثاً عن الرزق، في الوقت الذي حبا الله بلدانهم كنوزاً لا تضاهيها كنوز الأرض الغربية والأوروبية، واليمن أنموذجاً لذلك.
– في البلاد العربية لا يقدم الوزراء استقالاتهم حتى لو انطبقت السماء على الأرض، أو مات الناس أجمعون في بلادهم نتيجة أخطاء في سياساتهم الفاسدة، ويا جبل ما يهزك ريح.
– في البلاد العربية الأجهزة الأمنية بمختلف أشكالها مصدر رعب للمواطنين.
ولنأتي على حال البلاد الأوروبية والغربية:
– في البلاد الأوروبية والغربية، بلاد النصارى والملحدين، تُطبّق الأخلاق التي جاء بها الدين الإسلامي، فالقانون هو الحاكم، ووحده فقط الذي يخضع له الحاكم والمحكوم معاً، ولا توجد خطوط حمراء أو خضراء أو.. أو..
– في بلاد النصارى والملحدين لا يورث الحكم للأبناء، وهناك دستور وقانون يحدد فترة حكم الرئيس، لذا لا يؤله أي من يأتي إلى سدة السلطة السياسية، ولا تمنح له الألقاب المعظّمة لشخصه، ولا تُعلق صوره في أرجاء البلاد وعلى جدران المباني والمكاتب ودور العرض السينمائي والمسرحي والملاهي الليلية الخ.. الخ، لأن في هذا الفعل تصرفاً غير قانوني للأموال العامة يحاسب عليه الحاكم والوزراء والمسؤولون. وليس ببعيد ما حدث للوزير الفرنسي الذي صرف على دخان سجائره من المال العام، فأُقيل من منصبه. وفي بلجيكا (الملكية) قدم رئيس الوزراء استقالته من الحكومة بسبب صراع لَغَوي بين الفرانكوفونيين والفلامانيين، وهما الحزبان اللذان يفترض أن تشكل الحكومة بالتوازن بينهما. وفي بريطانيا قدم وزير الشؤون المالية استقالته لأنه أنفق مبالغ طائلة، غير مبررة لدفع إيجار سكن له. وكثيرة هي الأمثلة، وما يحدث في البلاد الأوروبية يحدث أيضاً في بلاد الشرق الأدنى، ففي كوريا الجنوبية قدم رئيس الحكومة استقالته بسبب فشل سياسة حكومته، وفي اليابان قدم رئيس الوزراء يوكيو هاتوياما، استقالته من حكومته بسبب وعد قطعه في حملته الانتخابية ولم يفِ به.
باختصار؛ فإن فضائل الإسلام وقيمه تتحقق عند قومٍ من خارجه ولا يفقهون عنه شيئاً، فنجد عندهم التسامح واحترام الآخرين والصدق في التعامل والمساواة أمام القانون. عندهم هناك تتحقق قيم الإسلام التي من أساسياتها الارتقاء بإنسانية الإنسان، وتحقيق السعادة له، وتعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم، واستتباب الأمن والأمان في المجتمع، وتوفير فرص التعليم والتطبيب، واستثمار الأيدي العاملة وتسخيرها لخير البلاد، والاستفادة من ذوي الخبرات في المهن المختلفة لتطوير المجتمع وتحقيق الحياة المثلى للإنسان، طالما يدفع المواطن ضريبة للدولة.
بإيجاز شديد.. أليس ما قاله الشيخ محمد عبده (رائد الإصلاح) صحيحاً في انطباعه عن الغرب والمسلمين؟ إذ قال: “في الغرب وجدتُ إسلاماً ولم أجد مسلمين، وفي الشرق وجدتُ مسلمين ولم أجد إسلاماً”. وكان تصريحه ذاك قبل أكثر من 100 عام. فلتعتبروا يا أولي الألباب.
nadra1@maktoob.com