السياسة التركية الجديدة.. محاولة أولية للفهم (3-4)

السياسة التركية الجديدة.. محاولة أولية للفهم (3-4)

* عبدالله سلام الحكيمي
في الحلقة الثانية السابقة استعرضنا طبيعة الظروف والمتغيرات الدولية والداخلية التركية والعوامل والبواعث التي حتمت إعادة صياغة السياسة الاستراتيجية الخارجية لتركيا، والأهداف والغايات المتوخاة منها على صعيد الدور والمكانة والأهمية للدور التركي الإقليمي.
وفي هذه الحلقة نواصل محاولتنا الأولية للفهم باستكمال سياق الحديث في الحلقة السابقة، لنشير إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم، استطاع باقتدار ملفت، وكفاءة ووعي سياسي عميق، أن يفرض وجوده وأحقيته الديمقراطية المشروعة في حكم البلاد، وأن يعيد مؤسسة الجيش والقضاء إلى وضعهما الطبيعي داخل إطار الشرعية الدستورية للدولة، وليس فوقها أو خارجها، كل ذلك من داخل الدولة القائمة، وباستخدام أدواتها وآلياتها ومؤسساتها ومنظومتها الدستورية والقانونية، وليس عبر الانقلاب عليها ومواجهة مؤسساتها النافذة والمهيمنة، محدثا جملة من الإصلاحات والتغييرات والتعديلات لإعادة تكييفها وملاءمتها للأصول الديمقراطية الطبيعية والمتعارف عليها، لأول مرة منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة إبان عشرينيات القرن الماضي، دون تعارض أو تصادم مع أسس وطبيعة النظام العلماني القائم، بل تطويرا وتحديثا له، استنادا إلى أغلبية برلمانية ساحقة تمكن من تحقيقها بأداء مقتدر وحركة فاعلة ونشطة وناجحة، وفي ظل إنجازات ومكاسب ونجاحات مذهلة في تحقيق انتعاش اقتصادي وتنمية شاملة في تركيا بدأت بحرب حادة وحقيقية ضد الفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتحسين مستويات الدخل والمعيشة بشكل ملموس وهام للمجتمع التركي… الخ.. مثلت نقلة نوعية واسعة وغير مسبوقة في مختلف مجالات الاقتصاد التركي، بالإضافة إلى الالتفات الرسمي، ولأول مرة في تاريخ تركيا، إلى مشاكل الوحدة الوطنية الداخلية، والشروع بمقاربات عملية بطيئة، لكنها مدروسة وهادفة، لمعالجة مشكلة الأقلية القومية الكردية الكبيرة وإعطائها بعض حقوقها الثقافية المشروعة والاعتراف بالهوية القومية للأكراد في تركيا والسماح باستخدام لغتهم الوطنية وإطلاق قناة تلفزيونية ناطقة بالكردية وغيرها من الحقوق المؤمل مواصلتها وتوسيعها، ناهيك عن معالجة مشكلة الأرمن التاريخية من خلال التقارب وإقامة علاقات طبيعية مع جمهورية أرمينيا. كل ذلك وغيره من الإجراءات والخطوات والسياسات الهادفة إلى ضمان وضع سياسي داخلي قوي ومتماسك ومتناغم يهيئ تركيا للنهوض بأعباء استراتيجيتها السياسية الإقليمية الجديدة بآفاقها الرحبة ومسؤولياتها الجسيمة، والتي لم تكن وليدة لحظتها، بل جرى رسم معالمها وأبعادها وأهدافها ووسائلها منذ ما يزيد عن 20 عاما خلت، ووضعت موضع التطبيق المتأني والمتبصر منذ ذلك الحين.
ويمكن من رصد المؤثرات والشواهد، أن نتبين عدة محاور أو مجالات للسياسة والدور التركي الجديد يتم تحركها وفق طبيعة وظروف وملابسات كل محور على حدة. وقبل الدخول في هذا الجانب لابد من التأكيد على حقيقة مؤداها أن السياسة والدور التركي الجديد المتجه –أساسا- نحو الشرق الواسع، لن يتم على حساب، أو كبديل لدورها وارتباطها التقليدي بالغرب وحلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي، إذ من المؤكد أن هذا الدور سيستمر، والمرجح أن يتعزز ويتقوى أكثر مع ما تقتضيه الظروف والمتغيرات من تعديلات وتحسينات وتنقيحات بين فترة وأخرى، إذ سيظل الدوران يتعاملان ويعزز أحدهما الآخر ويدعمه ويقويه بحيث يصبان معا في مجرى الأهداف والمصالح الوطنية التركية، فدورها الشرقي يوفر لها مزايا وقدرات ومكانة ضمن المنظومات الغربية، ويضاعف من قيمتها وتأثيرها على النطاق العالمي، ودورها الغربي يعطيها قوة دفع قوية ومكانة وتأثيراً في ممارستها لدورها الشرقي. وهكذا فإن تركيا لن يقتصر دورها في المستقبل وتأثيرها ونفوذها على المستوى الإقليمي فحسب، بل سيجعل منها لاعبا له اعتباره وكلمته على المستوى الدولي أيضا. وهنا يجب ألا نفاجأ أو نصدم بأنه حتى دورها وعلاقتها بـ”إسرائيلـ” لن تنتهي، بل ستستمر هبوطا أو صعودا وفق مقتضى تطور الأحداث والمتغيرات في المنطقة.
ويبدو واضحاً أن المحور العربي للتحرك التركي الجديد المستند إلى استراتيجيتها السياسية الجديدة، يحتل أهمية خاصة وأولوية أولى، في ما يبدو، وذلك راجع إلى جملة من الاعتبارات “الجيوسياسية” من ناحية، بالنظر إلى العامل الجغرافي الواسع والممتد بين تركيا والعالم العربي، وإلى الاعتبار “الثقافي التاريخي الحضاري” المشترك، والذي تكون وتبلور وتجذر عبر تاريخ ثقافي حضاري سياسي امتد متواصلا لمئات عديدة من السنين؛ مما جعله ممتزجا بطابع “روحي عاطفي” عميق الجذور في العقلية والنفسية لكلا الأمتين العريقتين؛ العربية والتركية، ظل يعمل كجاذب طبيعي تلقائي بينهما، وإذا عدنا للتاريخ؛ فإننا نلاحظ أن الدولة أو الإمبراطورية العثمانية؛ تعاملت في بسط نفوذها وسيطرتها، السياسية والعسكرية في العالم العربي؛ تعامل “الفاتح الحميم” وليس تعامل “الغازي الفج” والغليظ، ربما كان هذا الملمح التمييزي في محاور توسع رقعة الامبراطورية العثمانية، الذي امتد ليشمل أجزاء واسعة من أوروبا بالإضافة إلى امتدادها إلى أجزاء واسعة وشاسعة من قارتي أفريقيا وآسيا، يعود إلى الثقافة العقيدية “الإسلامية” المشتركة والنشطة آنذاك، والتي تعتبر العرب مادة الإسلام وحملة رايته وألوية دعوته ابتداء واهتداء واقتداء بالرسول والنبي “العربي” محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي بُعث رحمة للعالمين كافة، وداعيا إلى الله سبحانه وسراجا منيرا، ولهذا فقد حرص العثمانيون على اللين والمودة والرفق، غالبا، في بسط سلطانهم باسم الإسلام، على العالم العربي، إلا ما شهدته المرحلة المتأخرة من تاريخها -أقصد “الدولة العثمانية”- من تغليب لممارسات البطش والقمع وأساليب القوة والعنف في مواجهة حركات المعارضة والرفض لسياسات “التتريكـ” الفجة وإثقال كاهل الناس بأعباء وأحمال تفوق طاقتهم على التحمل، وذلك نهج وسم ما يمكن توصيفه بمرحلة “الانحطاط والوهن” بشكل خاص، ومع ذلك فيمكن القول بأن العرب رحبوا بالفتح العثماني واستبشروا به؛ خاصة حين جاء لمواجهة تحديات وأطماع وغزوات القوى الأوروبية الاستعمارية، غير الإسلامية، التي أرادت فرض سيطرتها السياسية والعسكرية واحتلال العالم العربي. ولم تبرز حركات المقاومة الرافضة للسيطرة العثمانية بوجه أخص، إلا حين تظهر زعامات محلية، في هذا الجزء أو ذاك من العالم العربي، طامحة إلى فرض حكمها وبسط سلطانها بشكل مستقل عن “الدولة العثمانية”، مستخدمة وسائل وأساليب من “الدعايات” المبرمجة الهادفة إلى تشويه صورة “الحكم التركي” والإساءة إلى مقاصده وغاياته، حيث وجدت تلك “الدعايات” غير الصحيحة والمندرجة ضمن نطاق “الحرب النفسية والدعائية المضادة”، مناخا متقبلا ومنخدعا بها، بالنظر إلى انتشار “الجهلـ” و”الأمية” وغياب أبسط مقومات الوعي السياسي المستنير.
غير أننا لسنا هنا بصدد تقييم ودراسة تاريخ وتجربة ومسار “الدولة العثمانية”، بل فقط لاستخلاص عبرة ما تخدم محاولتنا الأولية للفهم هذه، ومختصرها يشير إلى أن الدولة العثمانية أدركت إدراكا عميقا وصائبا الأهمية “الجيوسياسية” والاقتصادية والعسكرية القصوى للعالم العربي بالنسبة للحاضر والمستقبل والغايات والتطلعات “الامبراطورية” الطموحة للدولة العثمانية، وأن الإحجام عن السيطرة عليه وبسط سلطانها عليه من شأنه أن يحصرها ويحاصرها ويجعل منها مجرد قوة صغيرة عادية لا وزن لها ولا ثقل ولا تأثير إقليمي وعالمي. وإذا كان هذا الإدراك مثل ثاقب بصر وبصيرة “تركيا العثمانية” في الماضي، فإنه اليوم، كما كان بالأمس، يمثل شمول وعمق وصواب الرؤية الاستراتيجية والدور الجديد لتركيا الحديثة، التي تسير بخطوات متئدة ومدروسة ومتدرجة على طريقها وفي ضوئها ونحو غاياتها في ما خص “المحور العربي” لها.
ولقد تجسدت تلك الرؤية الاستراتيجية الشاملة في جانبها العربي، واضحة جلية، تقريبا منذ أواخر القرن العشرين، ومع بداية التحرك الأمريكي الغربي لضرب العراق وغزوه واحتلاله عسكريا، بداية من “حرب تحرير الكويت” وانتهاء بالعدوان العسكري الشامل واحتلاله وإحكام السيطرة عليه في العام 2003، إذ اتخذت “تركيا” منذ البدء موقفا ثابتا في رفضها القاطع استخدام أراضيها منطلقا للقوات العسكرية لضرب العراق واحتلاله، رغم كونها عضوا أساسيا في حلف “الناتو” العسكري الغربي، مستندة في موقفها ورفضها الثابت والحازم ومبررة إياه بمقتضيات “الديمقراطية” الحقة التي تسير على أساسها وبها في إدارة شؤون الدولة وسياساتها المختلفة، تلك الديمقراطية المحترمة التي جعلت نواب وممثلي الشعب في البرلمان التركي المنتخب يرفضون تماما فكرة استخدام أراضي تركيا والقواعد العسكرية الغربية فيها منطلقا للعدوان والاحتلال، وما كان للحكومة بأية حال من الأحوال، أن تخالف إرادة شعبها ومشيئته الحرة. ولم تستطع أمريكا والدول الغربية المتحالفة معها، وهي موئل الديمقراطيات العريقة، أن تعترض على قرار وموقف الحكمة التركية ولا اتخاذ إجراءات تهديدية وعقابية ضدها، لأنها تعلم أن ذلك القرار والموقف لم يتخذه “حاكم” فردي مطلق السلطات والصلاحيات، بل اتخذته “حكومة” ديمقراطية حقيقية تحترم خيارات شعبها وتعمل وفقا لإرادته الحرة، وبالتالي تفرض احترامها وهيبتها على العالم أجمع.
ثم توالت مواقفها وسياساتها الأولية المعبرة عن رفض وشجب العدوان “الإسرائيلي” على لبنان والشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، والتنديد بالاستخدام البالغ الإفراط للقوة العسكرية، ودعم صمود الشعبين اللبناني والفلسطيني في مشروعية مقاومتهما للعدوان “الإسرائيلي” الدموي البشع، مما شكل مدخلا واسعا جدا وملائما لبداية “دور تركي” فاعل ونشط وواسع في العالم العربي، وخاصة ذلك الموقف التاريخي المشهود الذي عبر عنه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على نحو قوي وحاسم وحازم وشديد في مواجهة للرئيس “الإسرائيلي” في إحدى القمم السياسية الأوروبية الدولية، وانسحابه الشامخ من المؤتمر ردا على إساءات الأخير والأسلوب السيئ والمنحاز في إدارة المؤتمر، حيث كان ذلك الموقف الشجاع والشامخ بمثابة “الشرارة” الملتهبة التي فجرت غليان المشاعر وأشعلت جحيم العواطف الجياشة تجاه “تركيا” وقيادتها، ليس على مستوى الوطن العربي، والإسلامي إلى حد كبير فحسب، بل على مستوى الشعب التركي الذي انطلق في هزيع الليل الأخير والقارس ليستقبل “فارسه” المقدام ويعرب عن تأييده ومساندته له. كان ذلك الموقف التاريخي غير المسبوق، دفعا قويا لمنحنى صاعد ومتسارع في اتجاه العالم العربي، وارتكاساً لمنحنى هابط متزايد الهبوط في علاقات تركيا بـ”إسرائيلـ”، انتصارا للشعب الفلسطيني ورفضاً وإدانة قوية لعدوان “إسرائيلـ” الهمجي والبشع ضد سكان قطاع “غزة” المحاصرين والجوعى والمظلومين. وأتت أخيرا كارثة سفن الحرية التركية لفك الحصار الظالم عن غزة، والعدوان العسكري الإسرائيلي عليها، وما نتج عنه من سقوط 9 شهداء أتراك من بين ركابها المسالمين العزل من السلاح، لتدق مسمارا قويا في نعش العلاقات الاستراتيجية القديمة بين تركيا و”إسرائيلـ”. ولئن كانت تركيا قد أجبرت “إسرائيلـ” في مسألة إهانة سفيرها على تقديم اعتذار رسمي، وهي مصممة اليوم على نفس الاعتذار الرسمي والتعويضات والتحقيق الدولي في الجريمة النكراء؛ فإن ما هو أكبر وأهم من كل ذلك هو أن تركيا أفهمت “إسرائيلـ” بصريح العبارة وأقواها أنها لن تقبل مطلقا، بعد اليوم، بتفرد “إسرائيلـ” واحتكارها الهيمنة والنفوذ والتحكم بالمنطقة وتقرير مصائرها حسب هواها وحدها، وأن تركيا سوف تكون من الآن فصاعدا القوة الإقليمية الكبيرة الموازية والمنافسة، وستدافع عن مصالحها الوطنية العليا فيها بدون هوادة أو تراخٍ، وأن الأمة والمنطقة العربية هي –بحق– تركية “الهوى” و”العاطفة” مثلما هي “تركيا” عربية “الهوى” و”العاطفة”، ولهذا فإن تركيا لن تسمح لـ”إسرائيلـ” بعد اليوم أن تعربد وتصول وتجول في العالم العربي كيف تشاء ومتى تشاء، وتستخدم قواتها العسكرية المتفوقة في اعتداءاتها عليها لفرض هيمنتها وسيطرتها وتحكمها بمصير المنطقة وإخضاعها لأهدافها التوسعية المستمرة، إذ إن لتركيا مصالح واسعة ووشائج عميقة وقرابات وثيقة في هذه المنطقة ستدافع عنها بكل السبل. وكلنا يدرك ويعي أن تركيا ليست كأية دولة من دول المنطقة، بل تكتسب أهمية حيوية بالغة وثقلا ووزنا سياسيين عسكريين كبيرين من حيث كونها؛ أولاً: قوية وصلبة ومهابة بديمقراطيتها الراسخة واحتكامها إلى إرادة شعبها الحرة، ما يكسبها احترام العالم وتقديره العاليين، ويتيح لها هامشا واسعا للمناورة والحركة الطليقة البناءة. وهي ثانياً: عضو فاعل وأساسي في الحلف العسكري الأوحد والأقوى عالميا “الناتو”، وصوتها مسموع ورأيها معتبر وتأثيرها وثقلها معترف به، ولا يمكن إدارة الظهر لها أو التعامل معها بخفة واستخفاف أبداً، كما تعامل –غالبا- بعض دول المنطقة أو معظمها. ثم هي ثالثاً: قوة اقتصادية صناعية تكنولوجية عسكرية علمية مهمة ولا يستهان بها، مما يوفر لها قدرة على التحرك والفعل للدفاع عن مصالحها وفرض دورها الإقليمي والدولي الذي تستحقه عن جدارة. وهناك أيضا عمق استراتيجي شعبي إسلامي هائل لن يتوانى في تأييدها ومساندتها والالتفاف حولها اذا ما تطلبت مسارات الأحداث وتطوراتها ذلك، ومن هنا كانت أمريكا، والغرب عموما، وهو المعروف عنه تقليديا تأييده الأعمى واللامشروط واللامحدود لـ”إسرائيلـ”، ملتزما أقصى درجات الحيطة والحذر والتأني والقلق من تصاعد “الأزمة المتفجرة” في العلاقات التركية الإسرائيلية، على غير ما عهد عنه عادة في ما يتعلق ب،”إسرائيلـ”، ذلك أنه غير مستعد على الإطلاق للتفريط بتركيا والتضحية بها لسواد عيون “إسرائيلـ”، كما أنه ملتزم بما يسمى بأمن “إسرائيلـ” وحماية وجودها!
إن الغرب عموما في ورطة بالغة الحساسية.. ولكن كيف مارست تركيا تحركات دورها السياسي الجديد في العالم العربي؟ وما هي المعوقات والعقبات والتعقيدات التي واجهتها في ذلك التحرك؟ وكيف تعاملت معها؟
ذلك موضوع حلقتنا القادمة إن شاء الله تعالى.
4 يوليو 2010