السياسة التركية الجديدة.. محاولة أولية للفهم (2-4)

السياسة التركية الجديدة.. محاولة أولية للفهم (2-4)

عبدالله سلام الحكيمي
تطرقنا في الحلقة السابقة من محاولتنا الأولية هذه، لفهم السياسة التركية الجديدة، بالإشارة إلى بعض دوافع وأبعاد وغايات هذه السياسة، مع لمحة خاطفة تاريخية لتأسيس الدولة التركية الحديثة على أنقاض الدولة أو الإمبراطورية العثمانية التي انهارت عقب الحرب العالمية الأولى، والأسس والمقومات والنهج والفلسفة التي بنيت تلك الدولة الحديثة وفقا لها، مستشهدة بنموذج الدولة في أوروبا والغرب وثقافتها وفلسفتها السياسية ومكوناتها التاريخية الحضارية؛ وقاطعة كل الصلات والوشائج والمكونات الثقافية والحضارية والتراث الفكري والسياسي للدولة العثمانية التي قامت على أنقاضها وتركتها وموروثها، وأدارت ظهرها، بشكل شبه كلي، للعالم الإسلامي وشعوبه وكياناته التي كانت في معظمها خاضعة للسيطرة الاستعمارية الغربية، وأرادت الالتحاق والالتحام بأوروبا بمختلف منظوماتها الثقافية والسياسية والاجتماعية. وفي هذه الحلقة نواصل محاولتنا تلك لفهم أبعاد وبواعث وغايات التوجه التركي الجديد باندفاعته المثيرة والقوية نحو الشرق العربي والإسلامي.
وقبل البدء من المهم التوقف قليلا أمام عبارة “العثمانيون الجدد” في توصيف وتعريف القيادة السياسية التركية الحاكمة، هذا الشعار التوصيفي الذي ترددت أصداؤه في أرجاء العالم العربي وسط غمرة الحماس الهائج المتفاعل والمنفعل، عاطفيا وسياسيا، بالتوجه التركي الجديد والقوي، والذي نجح إلى حد كبير في احتلال مكانة ومساحة واسعة للغاية وعميقة لدى الشعوب العربية عموما، وذلك لأن مدخله وقضيته كانت مواجهة الغطرسة والصلف والعنجهية الإسرائيلية التي تمادت إلى حد بعيد في اضطهاد وقمع وإلغاء الفلسطيني وتجويعه وحصاره واجتثاثه من أرض وطنه، وإذلال وامتهان وتركيع الشعوب العربية وتجريدها من كل أداة أو وسيلة أو فعل رافض مقاوم مهما كان حجمه وفعاليته محدودا وهامشيا.. والواقع أنني لا أتفق مطلقا مع إطلاق وصف “العثمانيون الجدد” على القيادة التركية الحالية؛ ذلك لأن الدولة أو الإمبراطورية العثمانية كيان قام بدوره في مرحلة تاريخية وانتهى، ولا يربطه بالدولة التركية الحديثة أي رابط أو أوجه تشابه، كما أن الظروف الإستراتيجية والتاريخية والحضارية الموضوعية وقواعد نشوء وبناء الدول والكيانات آنذاك، لم يعد لها وجود في مرحلتنا التاريخية الراهنة؛ والقيادة التركية الحالية لا يحركها ولا يتحكم بعقليتها السياسية أي نوع من أنواع النزعة التوسعية أو النزوع الإمبراطوري على الإطلاق، إنها لا تريد القيام بدور كهذا، ولا تستطيع، ولن يسمح لها في إطار منظومة العلاقات الدولية وأحكامها وقواها الكبرى، وليس من الحكمة التعلق بأوهام وخيالات وعواطف لا وجود حقيقي لها على أرض الواقع والممكن.
والواقع أن الدولة التركية الحديثة، منذ تأسيسها، استطاعت أن تحقق إنجازات ملموسة وهامة في بناء المجتمع التركي وتحديثه، وإحداث نهضة لا يستهان بها، رغم ما رافقها من سلبيات وقصور وسوء تقدير لأولوياتها ومجالاتها الحيوية ومصالحها الإستراتيجية، وشيدت تجربة ديمقراطية حقيقية بالقياس والمقارنة بدول العالم الإسلامي والعربي، وإن خالطتها شوائب تحد من نشاطها وتتحكم بمسارها ونتائجها بواسطة المؤسسة العسكرية والقضاء العلماني المساند لها. هذه الدولة بمكوناتها وخصائصها وبما لها وما عليها، برز في ظلها ومن وسطها “حزب العدالة والتنمية” بطابعه الإسلامي المنعكس على سلوك وحياة أعضائه، غير أنه يظل مع ذلك ورغم ذلك حزبا سياسيا وليس دينيا، يعمل وفق آليات وقوانين ومقتضيات نظام علماني ديمقراطي.
لقد كان “حزب العدالة والتنمية” الخلاصة والبلورة الناضجة الواعية لسلسلة سابقة عليه من الأحزاب المشابهة التي خاضت مواجهات وتجارب مريرة مع المؤسسة العسكرية ومؤسسة القضاء العلمانيتين الحارستين للعلمانية، والمحتلتين مكانة فوق الدولة والديمقراطية! لقد استطاع هذا الحزب بما توفر لقياداته من رؤية واضحة وتحليل عميق ودقيق للواقع التركي ومنظوماته وقواه وآلياته، وتلاحم عضوي وميداني بالجماهير بخدمتها وتعليمها والتعلم منها، وامتلاكه مشروعاً سياسياً متكاملاً يناضل من أجل تنفيذه على الواقع.. استطاع بحنكة وبراعة سياسية كفؤة وفعالة وصبر ونفس طويل، أن يزحزح الجيش والقضاء المتحكمين بالحياة السياسية برمتها في البلاد، من مكانتهما فوق القانون والديمقراطية بل وفوق الدولة، إلى المكانة الطبيعية والسليمة لهما داخل الدولة ومنظومتها الدستورية والقانونية المفرزة وفقا للممارسة الديمقراطية ومقتضياتها، مستفيدا في نضاله ذاك من المتغيرات والتطورات الهائلة التي سادت العالم بعد انتهاء فترة الحرب الباردة وانتشار العولمة على المستوى العالمي، ومحاطا بقاعدة شعبية هائلة وصلبة مكنته، ولا تزال، من الوصول إلى سدة الحكم باقتدار.
إن حزب العدالة والتنمية؛ كمحصلة أخيرة لعدد من الصيغ والأشكال الحزبية التي سبقته ومهدت له، والتي تعرضت للإقصاء والتصفية بكل ما قدمته من تضحيات ومعاناة مريرة وطويلة، ليس حزبا تقليديا كالأحزاب السياسية التي نعرفها في العالم الإسلامي –العربي خصوصا، ولكنه جسد نموذجا جديدا في رؤيته ومشروعه وأساليب عمله ونضاله السياسي والشعبي، حيث لم يقتصر وجوده وحركته على قاعدة شعبية واسعة ومؤثرة يقوم بتعبئتها وحشدها إبان المواسم الانتخابية فحسب، بل إنه اتخذ من الجماهير قاعدة انطلاق دائمة يعيش معها وبها، ويتفاعل مع مشاكلها ويساهم معها في الحلول والمعالجات، ويقدم أو يسهم بفعالية في تحقيق الخدمات المختلفة للجماهير؛ تعليمية وثقافية وصحية واجتماعية الخ…، واستطاع أن يبني لنفسه قاعدة اقتصادية استثمارية ضخمة (مصانع –مشاريع زراعية –مشاريع تجارية –مؤسسات ثقافية وتعليمية ورياضية الخ…) في طول البلاد وعرضها، قدمت خدمات وفوائد ومصالح جمة للجماهير من حيث تقليص حجم البطالة وتوسيع نطاق التنمية الاقتصادية الاجتماعية المستدامة. إنه حزب سياسي ليس عابرا ومعلقا بتغيير اتجاهات الرأي العام وتقلباته السياسية التي أدت إلى تلاشي أحزاب سياسية كثيرة سواء في تركيا أو في غيرها من دول العالم.
وفي ضوء ما سبق ذكره، يتضح بجلاء، أن قيادة الدولة التركية الحاكمة اليوم، والتي أفرزها وكونها ودفع بها إلى سدة الحكم حزب التنمية والعدالة، بوعي كامل واستيعاب شامل، إنما جاءت وبرزت وكونت لهدف واحد وهو إدارة دفة الحكم وقيادة الدولة التركية فقط، وفق وعلى أساس الإستراتيجية والسياسة والأهداف المرسومة بعناية ودقة لتحقيق أقصى قدر من المكاسب والمصالح والمنافع للدولة والشعب التركي، والعمل على إنجاز آماله وتطلعاته وطموحاته المشروعة في حياة العزة والرفاهية والرقي والنهوض الحضاري الشامل.
ولأن الدولة التركية، دولة ديمقراطية راسخة، تقوم على عمل المؤسسات الدستورية؛ وليس الفرد، وعلى فصل للسلطات، وعلى قاعدة فاعلة ومؤثرة من منظمات المجتمع المدني، وعلى سيادة القانون، وعلى حقوق وحريات الشعب التركي كافة، وعلى صحافة حرة وتعبير حر عن الآراء والأفكار دون قيود أو ترهيب، وعلى تداول حقيقي للسلطة، بعيدا عن تخليد الزعماء فيها مدى الحياة، فقد أدركت القيادة التركية، وحزبها المؤسسي الحاكم، واستوعبت حجم وأبعاد ومغازي المتغيرات المتسارعة والمذهلة التي شهدها العالم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وسقوط نظام القطبين العالميين المتصارعين، وسيادة الغرب بقيادة أمريكا على العالم دون منازع، وطبيعة النتائج والتأثيرات التي ستنعكس على تركيا ومكانتها ودورها، في ظل عضويتها في حلف “الناتو” العسكري الغربي، ودرست الرؤى والتحليلات المختلفة التي رأت بأن أهمية تركيا ودورها ومكانتها ستقل وتضعف إلى حد كبير، ذلك أن الأهمية الكبرى والحساسة لدور تركيا إبان الحرب الباردة، لاشك أنها ستصبح أهمية هامشية إن لم تتلاشَ أصلا.
غير أن القيادة التركية وحزبها المؤسسي الحاكم، رأت ببصيرة إستراتيجية نافذة، أن أهمية تركيا ومحورية دورها لن تقل أو تضعف أو تتلاشى، بل على العكس من ذلك سوف يزداد دورها أهمية وفاعلية، إذا ما أحسن تقييم وتحليل المتغيرات الدولية المتسارعة من حيث طبيعتها وأبعادها وأهدافها والنتائج والآثار التي ستترتب عليها، وأعيد في ضوئها، النظر في مرتكزات وأسس واتجاهات إستراتيجيتها المعتمدة منذ ما بعد تأسيس دولة تركيا الحديثة، فإذا كانت الأهمية الكبرى والدور الهام الذي لعبته تركيا، كعضو في حلف “الناتو” العسكري الغربي، نبعت من موقعها الاستراتيجي الهام وخلفيتها الثقافية التاريخية في مواجهة المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وإذا كان هذا المعسكر قد سقط مسجلا انتصارا مدويا للمعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة أمريكا عالميا، فإن اندفاع الولايات المتحدة الأمريكية الجامح والمتهور لتحقيق سيطرتها الأحادية المتفردة على العالم في سياق نزعة إمبراطورية تملكتها وتحكمت في سياساتها العالمية إبان حكم اليمين المتطرف “المحافظين الجدد”، وبروز “ظاهرة الإرهاب والحرب العالمية ضد الإرهابـ” وقيام أمريكا بدور “شرطي العالم” من شأنه اختلاق عدو جديد تبرر ذلك الدور الأمريكي الأحادي عالميا، وكان واضحا من واقع كتابات منظري “المحافظين الجدد” أو “الليبرالية العولمية الجديدة”، أن “الإسلام” هو ذلك العدو الجديد الذي يجري نصبه وتجسيم خطره، وهو ما يشير إلى أن ساحة العالم الإسلامي والعربي الجغرافية ستكون مسرحا لتلك الحرب العالمية التي تشنها أمريكا على ما يسمى بالإرهاب الإسلامي! وهنا بالتحديد أدرك قادة تركيا بوعي وعمق ونفاذ بصيرة أن أهمية تركيا ودورها الاستراتيجي ستزداد وتتصاعد على نحو أكبر وأوسع مما كانت عليه في المراحل التاريخية السابقة، ومن هنا تحديدا رسمت معالم الإستراتيجية التركية القاضية بتحويل اتجاه دورها الأساسي نحو الشرق، بمفهومه ونطاقه الواسع الممتد من أفغانستان مرورا بباكستان وإيران وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين ودول الجزيرة العربية والخليج، ووصولا إلى مصر والسودان فليبيا وتونس والجزائر والمغرب والصومال واليمن، ومنه يتفرع إلى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية التي كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه، والدول الناشئة في منطقة البلقان، وشرقا نحو جنوب شرق آسيا، وربما أيضا بعض دول القارة الأفريقية وبعض دول أمريكا اللاتينية. إنه مجال حيوي بالغ الضخامة والاتساع ومترامي الأطراف إلى حد مذهل. ويقينيا إن تركيا، الدولة الوطنية الكبيرة، لا تسعى ولا تريد ولا تفكر حتى مجرد تفكير في إعادة استنساخ نموذج الدولة أو الخلافة أو الإمبراطورية العثمانية، على هذا العالم المترامي الأطراف، فلا إمكانياتها وقدراتها تمكنها من ذلك، ولا عالم اليوم بقواه الكبرى وتوازناته وعلاقاته يمكنه أن يسمح بشيء من هذا القبيل أو حتى أقل منه كثيرا. وكل ما تطمح إليه تركيا أن تكون لاعبا حيويا ونشطا، والقيام بدور يضبط الإيقاع المختل لدول هذا العالم وشعوبه، ويعيد لها قدرا معقولا من التوازن والاستقرار، وجعل عجلة التنمية والتطور والتقدم تدور بشكل أسرع وأفعل، وحث وتشجيع دول هذا العالم على تسريع وتيرة الإصلاحات السياسية على طريق إرساء ممارسة ديمقراطية سليمة وبناءة تكفل لشعوبها حقها في الحرية والمشاركة والكرامة والسلام كمدخل لمعالجة التوترات والفتن والحروب الداخلية التي تعصف بهذا العالم، وإرساء مصالحة بين الأنظمة الحاكمة وشعوبها المحكومة. ولاشك أن العالم العربي يحتل أولوية خاصة في الدور التركي الجديد من واقع الإدراك المحسوس بما يعانيه هذا العالم من فراغ سياسي قيادي نتج عنه انسداد الأفق أمام شعوبه وغياب الأمل والاستسلام لحالة يأس وإحباط بالغة الخطورة بما قد تسفر عنه من مشاكل وأزمات وتفجرات وحروب وفتن داخلية تفسح المجال لقوى التطرف والعنف والإرهاب والجريمة المنظمة لاستغلال تلك الأوضاع وتهديد الأمن والسلام الإقليمي والدولي.
وعلينا ألا نقع في خطأ التقدير إذا نحن ظننا، للحظة واحدة، أن السياسة التركية الجديدة المتجهة شرقا، تعني أن تركيا أدارت ظهرها، أو أنها ستدير ظهرها لعلاقاتها بأوروبا والغرب، بل وحتى “إسرائيلـ”، وتستبدله بالتوجه الكلي شرقا. لا أعتقد أن ذلك سيحدث، بل ستواصل تركيا عضويتها في حلف “الناتو”، وفي سعيها للانضمام إلى أوروبا وارتباطها بالغرب، مع بعض التشذيبات والتحسينات. وكل ما في الأمر أن تركيا ستنطلق في توجهها أو سياستها الجديدة من دور فاعل ونشط وبناء في الشرق لدعم وتعزيز توجهها نحو الغرب، في صيغة تحقق توازنا دقيقا بين التوجهين بما يحقق المصالح والمنافع والمكاسب الوطنية لتركيا بشكل أكثر فاعلية ونجاحا، وفي إطار كونها دولة ديمقراطية محترمة في سياساتها ومواقفها المستقلة والوطنية، وليس كتابع مسلوب الإرادة وخانع ومستسلم.
بقي أن نسلط ضوءا، في الحلقة القادمة، حول المحاور الرئيسية لممارسة السياسة والدور التركي الجديد في الشرق، وخاصة منه العالم العربي.. فإلى هناك.
30 يونيو 2010