11 يوليو 1995 تاريخ يجب أن تخجل منه الأمم المتحدة

11 يوليو 1995 تاريخ يجب أن تخجل منه الأمم المتحدة

“كل عطور الأرض لن تستطيع تطهير الأيدي الآثمة”
مجهول
حينما بدأت الحرب الأهلية في يوغسلافيا في أوائل التسعينيات، كنت في المرحلة الابتدائية، أتذكر حينما جاءت صديقتي في المدرسة وقالت لي نكتة، وأسمت لي شخصاً من قبيلة تشتهر بالسذاجة في تلك البلاد، بأنه سمع عن البوسنة والهرسك فذهب ليتطعم، ضحكت كثيرا حينها، حيث كانت كلمتا البوسنة والهرسك لهما مذاق غريب على المسامع، فلم أكن سمعت ولا أظن أن أحدا سمع عنها في تلك الدولة التي عشت بها.
11 يوليو 1995 كان يوما عاديا لكل من يقرأ هذا المقال تقريبا، بل وربما كان عيد زواج أو يوم التخرج من الجامعة، أو ربما كان يوم حصول أحدهم أو إحداهن على وظيفة الحلم، وأكيد هو عيد ميلاد هذا أو ذاك كما يقول “حسن نوهانوفيتش” أحد الناجين من مجزرة سيربرينيتشا التي وقعت في 11 يوليو 1995، تحت سمع وبصر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، مجزرة سيربرينيتشا الأسوأ والأكثر وحشية منذ الحرب العالمية الثانية.
***
من حين لآخر تستعيد أوروبا همجيتها ووحشيتها القديمة، فمنذ أن كان الرومان يحتشدون في مسرح الآرينا وبحضور قيصر البلاد لمشاهدة الأسرى المسيحيين أو العبيد تلتهمهم الأسود والنمور والدببة، ويصاحب ذلك تصفير وتصفيق الجماهير، مرورا بالحربين العالميتين، واللتين فقد العالم فيهما –في الحرب العالمية الثانية فقط– 2% من سكانه، والذي يقدر بمئات الملايين، وحتى الحرب في البلقان في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن تأكد العالم أن الفظاعة التي مورست في الحرب العالمية الثانية لن تحصل مجددا في أي مكان في الأرض، وكيف يتم ذلك وهناك بناء مشيد وفخيم في أمريكا يدعى (الأمم ***

“على المسلمين بعد اليوم أن يعدوا أحياءهم وليس أمواتهم”
                                 الجنرال الصربي راتكو ملاديتش قبيل حدوث المذبحة

11 يوليو 1995 تاريخ يجب أن تخجل منه الأمم المتحدة
هدى جعفر
باختصار شديد جدا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأ الاتحاد اليوغسلافي بالتحلل، هذا الاتحاد الذي يضم كلا من كرواتيا وصربيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود وسلوفينيا ومقدونيا، وبعد تفكك هذه الدولة السلافية العريقة حدث ما يعرفه ويتوقعه أي محلل سياسي في العالم، وهو رغبة كل جمهورية بالانفصال عن الكيان الأم، حيث استقلت في 1991 كل من سلوفينيا والجبل الأسود ومقدونيا، ثم استقلت البوسنة والهرسك في 1992، ولما كانت صربيا تريد تأسيس جمهورية صربيا العظمى وضم جمهورية البوسنة والهرسك إليها (صربيا هي الدولة التي سببت بطموحها الأخرق الحرب العالمية الأولى، ومن ثم الحرب العالمية الثانية التي كانت نتيجة للحرب العالمية الأولى) وهو ما رفضته البوسنة بالطبع، مما أدى إلى نشوب حرب أهلية في نفس العام انتهت في ديسمبر 1995 بتوقيع اتفاقية دايتون.
خلال سني الحرب الثلاث ارتكب الصرب في حق بني جلدتهم ما لا يصدقه أحد، وما لم يصدقه البوسنة أنفسهم، حيث عاشوا قرونا جنبا إلى جنب مع إخوانهم الصرب، حيث درسوا وأكلوا وشربوا وتزوجوا ومارسوا أفعال الحب والحلم معا، هناك في تلك البلاد الجميلة تم ذبح الآلاف من الناس وتم شنق أئمة المساجد على الأبواب مستخدمين أسلاك الميكروفونات، تحولت النوادي الرياضية ومدارس الأطفال إلى ساحات تعذيب وغرف للاغتصاب والإعدام. ذكرت إحدى الناجيات من عمليات التطهير العرقي أن الجنود الصرب أحضروا امرأة ثم جردوها من ملابسها وتناوبوا على اغتصابها، وربما لو انتهت القصة عند هذا الحد لكانت نهاية مبهجة لتلك الأم، ولكنهم جاؤوا بابنها ذي الأربع سنوات وذبحوه وملأوا كأسا بدمائه وأجبروها على شربه. وذكرت ناجية أخرى أنها كانت في منزلها مع أطفالها الثلاثة حيث دخل بيتها مجموعة من الجنود الصرب، وكان ذلك كفيلا بنزع قلبها من محله خوفا، ولكن رؤيتها لزميل دراستها في مرحلتي الثانوية والجامعة ضمن المقتحمين طمأنها كثيرا، فالأمر –كما ظنت- لن يخرج عن تحقيقات روتينية أو ربما أخف من ذلك، ما حدث هو أنه تم اغتصابها أمام أطفالها، وبعد ذلك أخذ الجنود أصغر الأبناء وذبحوه وخرجوا ليلعبوا برأسه كرة القدم في حديقة البيت. مثل هذه القصص وأفظع منها كثير، وهناك صورة شهيرة لرأس مزارع بوسني تم حرقه وغرسه في أسنان معول الفلاحة الشبيه بالشوكة وقد وضعت في فمه سيجارة فاخرة.
ما يميز الجثث خلال الحرب في البوسنة، شيء محير فعلا، فأنت تنظر إلى جثة ولكن لا تستطيع أن تحدد الطريقة التي ماتت بها، فالأسباب خليط من التعذيب والحرق (قبل وبعد الموت) والهرس والذبح والطعن والتهشيم بأدوات حادة وغير حادة، والإخصاء وبتر الأطراف للرجال والنساء والأطفال، ولم يسلم من الاغتصاب حتى الرجال والمسنون، حيث تم تسجيل أكثر من 50 ألف حالة اغتصاب خلال 3 سنوات.
وقد تدخلت الأمم المتحدة بأكثر من طريقة آخرها أنها أعلنت مدينة سيربرينيتشا مدينة آمنة، وأنها تحت حماية الأمم المتحدة وفقا للقرار 819، وقد وصل المدينة 600 جندي من قوات حفظ السلام من الجنسية الهولندية (ذوي القبعات الزرقاء) وقائدهم الكولونيل كاريمانس، وعليه فقد تجمع الأهالي من القرى والمدن المجاورة في سيربرينيتشا، والذين بلغ عددهم أكثر من 50 ألف لاجئ ولاجئة، ورغم صعوبة الظروف وقسوتها، إلا أن ذلك كان أفضل شيء يمكن أن يحلم به أي بوسني في تلك الأيام الكالحة. ذكرت السيدة صاليحا أوزمانوفيتش –ولصاليحا قصة أليمة لا يسع المجال لذكرها- أنه كان هناك حمام واحد لكل 60 شخصاً، ولكن –والكلام مازال لصاليحا- ذلك كان شيئا جيدا حيث تستطيع النوم بأمان مع وجود فرصة لا بأس بها للنجاة.
خلال الفترة 6 – 8 يوليو 1995 بدأت دبابات القوات الصربية بالتحرك نحو المدينة التي يقف في مدخلها مبنى قاعدة الأمم المتحدة الشهير ذي الطابق الواحد، وقتها طلب المقاتلون البوسنيون من قوات حفظ السلام إعطاءهم أسلحتهم، حيث قد سلموها لهم بناء على بنود القرار 819 المشؤوم، ولكن طلبهم قوبل بالرفض.
وقبل المذبحة بيوم، أي في 10 يوليو، طلب الكولونيل كاريمانس دعماً جوياً من حلف شمال الأطلسي، ولكن الجنرال بيرتراند خافيير في سراييفو المسؤول عن البت في هكذا موضوع، رفض الطلب، ومع اشتداد القصف الصربي للمدينة كرر الجنرال كاريمانس طلب الدعم الجوي، وافق الجنرال خافيير، ولكنه أجل التنفيذ حتى صباح اليوم الثاني، أي إلى صبيحة 11 يوليو، في اليوم التالي تلقى كاريمانس برقية بأن طلبه قد تم تقديمه بطريقة غير صحيحة، وعليه أن يعيد الكرة. هنا كانت القوات الصربية على مرمى حجر من منطقة تجمع اللاجئين واللاجئات، وبدأوا بقصف محيط المخيم، وقتها اكتشفت قوات حفظ السلام فجأة أن وقود طياراتهم قد شارف على النفاد، وعليهم الذهاب إلى القاعدة في إيطاليا لملئها، وفي الساعة ال11 صباحا من يوم وقوع المذبحة، صرح بيرتراند خافيير بأنه ليس متأكداً من نوايا الصرب السيئة (ما هو تعريف النوايا السيئة عند هذا الجنرال يا ترى؟). وعليه فقد علق موضوع إرسال دعم جوي لقوات حفظ السلام في سيربرينيتشا، ثم أرسلها أخيرا بعد 4 ساعات.
وفي عصر يوم 11 يوليو 1995 دخلت القوات الصربية مدينة سيربرينيتشا بالدبابات بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش، الذي ظهر وهو يتوعد البوسنة المسلمين بالانتقام في شريط مصور ظهر على أكثر من قناة وفي أكثر من فيلم وثائقي، منها فيلم “صرخة من القبر” الذي أنتجته قناة BBC. كرر البوسنيون طلبهم من قوات حفظ السلام أن تعطيهم الأسلحة، ولكنهم رفضوا ذلك، بل ومنعوهم أيضا من استخدام الأسلحة الخاصة بالأمم المتحدة. وفور وصول القوات الصربية أخذت 30 جنديا هولنديا كرهينة، والتجأ عدد من البوسنة إلى قوات حفظ السلام، حيث احتموا بالقاعدة التي يعلوها حرفا (UN) بحجم يفوق جدار الغرفة التي أنت بها، 5 آلاف شخص وبقي قرابة 20 ألفاً في العراء لعدم وجود أماكن شاغرة. طلب الجنرال ملاديتش من قائد قوات حفظ السلام الكولونيل كاريمانس الاجتماع بشكل عاجل، وظهر الرجلان وهما يتهامسان بهدوء يحسدان عليه، وكأنهما يناقشان جودة البيرة التي كانا يشربانها، أو تحديد موعد زواج ابنيهما. وبعد محادثات باسمة ولطيفة كنسائم الصيف، وبعد أن شربا نخب العمر المديد والعيش السعيد كما ظهر في أكثر من قناة تلفزيونية، قررت قوات حفظ السلام تسليم المدنيين البوسنة الذين التجأوا إلى قاعدة أكبر وأهم منظمة تعنى بحقوق الإنسان في العالم، إلى صرب البوسنة مقابل تسليم الرهائن الهولنديين، وحيث كانت قوات حفظ السلام يقفون على بعد إنشات من الصرب، كان الأخيرون يطلبون من الذكور الذين تبلغ أعمارهم من سن 12 وحتى 70 في إجراء نازي هتلري عتيد، الوقوف جانبا وإجبارهم على ركوب شاحنات لأخذهم إلى المستودعات وملاعب الكرة والمدارس القريبة، حيث وعلى مدى 5 أيام تم قتل 8000 طفل ورجل ومسن بوسني -هناك نساء وفتيات، ولكن بنسب قليلة- ثم دفنوا في مقابر جماعية، ومنهم من دفنوا أحياء. وذكر أحد الذين شاركوا في عمليات الإعدام الجماعي في شهادته أمام قضاة محكمة الجزاء الدولية، أنه عانى من تعرض إصبعه الإبهام للتخدير (تنميل باللهجة العامية) نظرا للكم الهائل من الإعدامات التي تمت، حيث إنه لم يعد قادرا على قتل المزيد، وذكر شاهد عيان أن الصرب طلبوا من البوسنة حفر قبورهم بأنفسهم حفظا للوقت والجهد، وذكر شاهد عيان آخر أن رجال البوسنة استسلموا لنوبات هستيرية جنونية، مما جعلهم يطلقون النار على أنفسهم أملا في أن يظهر الصرب رحمة بالجرحى والمصابين.
وفي جبال البوسنة الوعرة وقف جنود صرب بعشرات الدبابات والخوذات والبزات الخاصة بالأمم المتحدة لاستقبال البوسنة الفارين واستدراجهم ومن ثم قتلهم ودفنهم حيث وجدوهم، وقد قيل –ومازال يقال- إن الصرب قد سرقوا الملابس والمعدات من قاعدة الأمم المتحدة في المدينة، ولا أدري كيف تم الأمر دون أن تلحظ قوات حفظ السلام ذلك، وربما كانت الإجابة هي ما شاهدته في أحد الأفلام الوثائقية، حيث وبعد ساعات من إخلاء قاعدة الأمم المتحدة من اللاجئين البوسنة، وبعد أن تم تسليمهم فردا فردا إلى قوات الصرب، ظهر الجنود الهولنديون الذين أحضروهم من بلادهم لهدف واحد أحد وهو حماية البوسنة، ظهروا وهم يرقصون في دبكة سلافية على أنغام موسيقى شهيرة (هي ذات الموسيقى التي يرقص عليها بطلا فيلم عن العشق والهوى في أحد مشاهد الفيلم)، وقد أمسك كل جندي بعبوة بيرة “هينكين” الخضراء المعروفة، وهم يثملون في فرح وانتشاء غريبين.
من استطاع الفرار من الرجال البوسنة وصل بعد 6 أيام إلى مدينة توزلا بأقدام دامية وملابس يعلوها الغبار والعرق والدماء، حيث سمع العالم بوقوع المجزرة يوم 16 يوليو مع وصول أول الناجين الذين انفجروا في بكاء مؤلم أمام كاميرات التصوير، وتم اكتشاف أول مقبرة جماعية على يد الصحفي الأمريكي ديفيد روهد، حيث ذكر في تحقيقه أنه وجد بقايا عظام آدمية في 3 مقابر جماعية، ومسابح وبطاقات انتخابية تخص مواطنين بوسنة، ولكن لوحظ ندرة وجود هياكل عظمية سليمة، والسبب أنه وبعد أن دفن الصرب الجثث أخرجوهم بالجرافات ودفنوهم في 70 مقبرة فرعية أخرى حول مدينة سيربرينيتشا، في محاولة لإخفاء آثار الجريمة.
وبعد انتهاء مهمة الأمم المتحدة العظيمة، وبعد أن لملم جنود حفظ السلام خوذاتهم وأطعمتهم وقبعاتهم الزرقاء وملابسهم الداخلية، أصدر رئيس بعثة الأمم المتحدة في البوسنة ياسوشي آكاشي تقريره الذي لم يتطرق فيه إلى أية معلومات حول أية ممارسات وحشية، كما وصف الكولونيل كاريمانس قائد قوات حفظ السلام، عملية الاستيلاء على سيربرينيتشا من قبل الصرب، بأنها عملية عسكرية خطط لها بشكل ممتاز! بل وتبادل الجنرال كاريمانس والصربي ملاديتش الهدايا الأنيقة المغلفة بورق السولوفان اللامع، ووقف ملاديتش بنفسه يودع سيارات الأمم المتحدة المغادرة بتحية عسكرية واثقة وابتسامة عريضة تحسده عليها الموناليزا.
في العام 1999 أصدرت الأمم المتحدة تقريرها حول أدائها في منطقة البلقان، وقد انتقدت نفسها بصراحة، ولكن بلطف أيضا، حيث ذكر التقرير أن على الأمم المتحدة أن تتحمل جزءا من المسؤولية عن وقوع القتل الجماعي في سربرينيتشا في 1995، أسوأ مجزرة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ولم يذكر التقرير ما هي تبعات تحمل هذه المسؤولية، أما كوفي عنان فقد قال في تقريره الذي صدر في نفس العام “إننا حاولنا حفظ السلام وتطبيق قوانينه في منطقة البلقان حيث لم يكن هناك سلام من الأصل حتى نقوم بحفظه”.
وكعادة الأمم المتحدة المملة تم إنشاء محكمة الجزاء الخاصة بيوغسلافيا السابقة، التي أدانت 7 من كبار قادة الجيش من صرب البوسنة في المجزرة، في أوسع قضية تنظرها محكمة جرائم الحرب الدولية، وقد ذهبت تحليلات دور الأمم المتحدة في وقوع المجزرة إلى أبعد من هذا، وكان أطرفها ما صرح به كبير الضباط في حلف الناتو الجنرال المتقاعد جون شيهان في مارس 2010، حيث قال إن الجنود المثليين في قوات حفظ السلام كانوا سببا لحدوث المجزرة، وهذا يثبت أن الأمم المتحدة (ولادة) فعلا، وأنها لن تكف عن تسليتنا أبدا!
وفي 2001 مثل رئيس جمهورية صربيا سلوبودان ميلوزوفيتش أمام محكمة الجزاء، وهو أحد المتهمين الرئيسين في وقوع جرائم إنسانية وإبادة جماعية في حرب البوسنة، حيث كان دائم السخرية من القضاة ولا يعترف بشرعية المحكمة، ويرفض توكيل محام عنه، واستمر الحال حتى وُجد ميتا في غرفته في 2006. مات هكذا مثلما يموت الفلاحون ومدرسو الرسم ومدربو السيرك، مات مثلما مات جدي في سلام.
أما رادوفان كاراديتش القائد العام للقوات الصربية، والذي وجهت له 7 تهم منها ارتكاب جرائم بحق الإنسانية، فقد اعتقل في 2008، ولمن أراد معرفة نوعية العدالة في هذه المحكمة عليه أن يشاهد محاكمة كاراديتش الطبيب والشاعر والمجرم الذي يظهر وهو متأنق ومصفف الشعر، ويتحدث بمنتهى الحزن النبيل عن جهل القضاة بحقيقة الحرب اليوغسلافية، ويرفض كل ما نسب إليه من تهم، واصفا حرب بلاده ضد البوسنة بأنها حرب عادلة ومقدسة، وجدير بالذكر أنه تم اعتقال كاراديتش قبيل صدور مذكرة اعتقال الرئيس السوداني البشير، مما يشكك بالسبب الحقيقي بالقبض عليه فجأة، وهو الذي ظل متخفيا طيلة 13 عاما. أما راتكو ملاديتش المسؤول المباشر عن تنفيذ القتل المنظم في سيربرينيتشا، فما زال طليقا حتى اللحظة.
وفي مارس 2010، وفي سابقة تاريخية، أعلن البرلمان الصربي بموافقة 127 نائبا من أصل 250، عن إصدار قرار يؤكد وقوع جرائم ارتكبت بحق أبرياء خلال الحرب مع البوسنة، وأنهم يعتذرون عن ذلك. وقد أغضب هذا القرار أهالي الضحايا على غير المتوقع، لأن البرلمان لم يصف ما حدث بأنه إبادة جماعية كما صرحت محكمة الجزاء الدولية، بل واعتبر هذا شتيمة جديدة لقتلى المجزرة كما جاء على لسان أحد أقارب الضحايا. وطبعا لم يكن ما قامت به صربيا خالصا لوجه العدالة، ولكن لرغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي علق انضمامها حتى يتم القبض على جميع من ذكرت أسماؤهم في لائحة الاتهام الصادرة عن محكمة الجزاء الدولية، وقد يسبب هذا ارتياحا جزئيا للمهتمين بتحقيق العدالة لولا أن الاتحاد الأوروبي علق عضوية جمهورية البوسنة والهرسك لنفس السبب!
وفي 11 يوليو من هذا العام، احتشد حوالي 50 ألفاً لإحياء الذكرى ال15 على وقوع مجزرة سيربرينيتشا، وتم دفن 775 جثة تم التعرف على هوياتهم مؤخرا. وقد حضر المناسبة –وقيل بضغط دولي- الرئيس الصربي بوريس تاديتش، ولكن حضوره لم يرق لعائلات الضحايا، حيث قالت السيدة منيرة سوباسيتش رئيسة جمعية نساء سيربرينيتشا “أظن أن خطوة تاديتش هذه غير صادقة، إنه يفعل ذلك لأنه في حاجة لأوراق في إطار سياسة التقارب بين صربيا والاتحاد الأوروبي التي ينتهجها”، ثم أردفت بأنها “خطوة جيدة مهما كانت مبرراته، ولكن في المرة القادمة عليه أن يحضر معه راتكو ملاديتش”. ولكن قبل يومين من هذه المناسبة كرمت صربيا مجرم الحرب الفار ملاديتش، وسلمت وسام التقدير إلى زوجته إيلينا، وبعده بيومين أعلن رئيس الوزراء الصربي ميلوراد دوديك استياءه لوصف ما حدث في سيربرينيتشا بالإبادة الجماعية، ووعد بإرسال لجنة للتحقيق، فهو يقر بوقوع عمليات قتل واسعة، ولكنها لا تصل إلى حد الإبادة الجماعية. إن هؤلاء القوم يدفعونك دفعا للاقتناع بأن هولاكو لم يكن على ذلك القدر من الإجرام، كما أن هبنقة لم يكن غبيا كما وصفوه.
أما أفضل طرق التعبير عن تقييم دور الأمم المتحدة في وقوع المجزرة، فقد قدمها الناشط الألماني فيليب روخ الذي قام بإنشاء “عمود العار” المكون من 16.000 فردة حذاء، بحيث يمثل كل زوج أحد ضحايا المجزرة، وقد شكل العمود ليمثل حرفي (UN)، في إدانة واضحة للأمم المتحدة، وكيف أن عليها أن تحذر في المرات القادمة إذا أرادت خدمة الشعوب وقت الأزمات، وبهذا يصبح الحذاء على رأس وسائل التنفيس للعام الثاني على التوالي بعد حذاء منتظر الزيدي في 2009، ربما اقتنع الناس أخيرا بفحوى مقال أحلام مستغانمي فائق الإمتاع “كن فصيحا كحذاء”.
ومن جانبه، اعتبر الأمين العام للمنظمة الألمانية للدفاع عن الشعوب المهددة تيلمان تسوليش، أن “أوروبا تواطأت بقوة في ما جرى بسيربرينيتشا، وفي تقسيم البوسنة إلى كيانين ما زال أحدهما يحكمه الجناة الصرب حتى الآن”.
ودعا تسوليش الدول الأوروبية للتكفير عن خطاياها بجلب المسؤول الرئيسي عن مذبحة سيربرينيتشا الجنرال الصربي راتكو ملاديتش للمحاكمة، ومنح البوسنيين تأشيرات دخول حرة، والمساعدة في إعادة توحيد وإعمار البوسنة، ومنحها عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
في نفس اليوم 11 يوليو 2010، اتجهت أنظار العالم شاخصة إلى جنوب أفريقيا لمتابعة مباراة كأس العالم بين فريقي هولندا وإسبانيا (هل كانت هزيمة هولندا انتقاماً سماوياً). وفي الأسبوع الذين يليه احتفل عدد أقل بكثير، ولكنه كافٍ جدا، بيوم العدالة العالمي، ولكن العدالة ما زالت كلمة لها مرارة الحصرم في حلوق البوسنيين، وما زالت آثار المجزرة وما سبقها تسكن الذاكرة البوسنية، ويبدو أنها لن تغادرها، ويكفينا أن نسمع خبر انتحار 6 من الناجيين من سيربرينيتشا مطلع 2010، جراء تدهور حالتهم العقلية والنفسية، لنعرف ماذا حصل بالضبط في 11 يوليو 1995، ولنعرف كيف أن عطور الأرض لم ولن تستطيع تطهير أيدي قوات حفظ السلام… الآثمة.