واتفقوا ليختلفوا

واتفقوا ليختلفوا

* عبدالباري طاهر
لا أحد يسيء لليمن كحكامها. لم يعد حكامنا يلتزمون بشيء أمام أنفسهم وشعبهم والعالم. فالاتفاقات والعهود والمواثيق فهلوة وشطارة وضحك على الذقون!
اتفاقية الوحدة غدر بها، ووثيقة العهد والاتفاق مزقتها الحرب شر ممزق، واتفاق فبراير لم ينفذ أي بند من بنوده ال10، واحتاج الاتفاق إلى اتفاق جديد لتنفيذ الاتفاق، وإلى تدخل أوروبي لإطلاق سراح المعتقلين الذين يتعامل معهم كأسرى حرب ورهائن. يتحدث بعض المفرج عنهم عن تعذيب بشع في الزنازين والمعتقلات لم تعرفها اليمن في عهود الشمولية والدكتاتورية والتشطير.
لا تعمل سلطتنا اعتباراً أو حساباً أو خاطراً لشعبها المحكوم بالغلبة والتذاكي، ولكنها أيضاً في الأخير لا تعمل حساباً أو اعتباراً لشقيقاتها العربية والعالم، فدولة قطر الشقيقة التي أرادت وتريد تجنيب اليمن الحرب، بذلت مساعي حميدة وحثيثة مشكورة لتجنب اليمن الانزلاق للحرب، فاتهمت وأثمت، وشكك في نواياها. والبنود المتوافق عليها أعلنت عليها الحرب السادسة في صعدة لتمزيقها. وجرى جر السعودية لحرب لا هدف لها غير تدمير صعدة وتهجير عشرات القرى اليمنية في الجانب السعودي.
لقد وضعت السعودية والسلطة أمام نفسيهما هدفاً مستحيلاً: تهجير عشرات القرى اليمنية في عسير والمخلاف السليماني والمتنازل عنها في اتفاقية “أخوة عربية وصداقة إسلامية”، بعد حرب 34، كثمن لهزيمة الجيش اليمني، ومن ثم مذكرة التفاهم 2002 التي أقرت بأبدية اتفاقية الطائف، متضمنة بنوداً جديدة كان من ثمارها الكريهة الحروب المتناسلة في صعدة وعمران، وربما امتد شررها إلى مناطق أخرى، وربما ما هو أخطر من ذلك، ولن يكون طرف بعيداً عنها.
يبذل الأمريكان والاتحاد الأوروبي وبالأخص الأوروبيون، جهوداً طيبة لإنهاء الحرب، وحللت الأزمة الخانقة، واحترام العهود والمواثيق وإطلاق سراح المعتقلين، ولكن السلطة تتحايل عليهم، وتشعل الحرب المدمرة لنا ولها. فهذه الحرب المسعرة في عمران اليوم، وربما غداً في أماكن أخرى، لا تحل إلا بالالتزام الأمين والصادق والدقيق والصارم باتفاقية الدوحة، والتي تتحمل الدولة وحدها مسؤولية الالتفاف عليها والتنكر لها أكثر من مرة بالقول والحرب.
ندرك ضعف المعارضة وعدم جدية أطرافها المختلفة في الموقف من الحرب والانتخابات.
كقراء ومتابعين نلاحظ أن المعارضة تمثل ما يشبه الصدى وردود الأفعال لفعل السلطة ودعايتها وألاعيبها. فقبيل اتفاق ال23 من فبراير كانت الحرب في صعدة والحرب الكلامية قد بلغت الذروة، وبغتة يعلن عن اتفاق فبراير. ولما يقرب من عامين تصمت المعارضة صمت القبور، فلا تطالب كما ينبغي بتنفيذ الاتفاق، ولا بالإصلاحات السياسية لإجراء الانتخابات، ولا تتحرك بما يكفي للإفراج عن المختطفين والمعتقلين، وأسرى الحروب في صعدة، ومعتقلي الاحتجاجات السلمية في الجنوب.
يدرك الحكم أن الحرب ميدان تفوقه واحتكاره، فيجر المجتمع كله إلى الميدان، وتقف المعارضة (اللقاء المشترك) موقف المرتبك والمفجوع، أو في منطقة رد الفعل في أحسن الأحوال.
ليس عيباً أن يكون لكل طرف من أطراف المعارضة حساباته الخاصة وأجندته المختلفة، ولكن ما يمثل قواسم مشتركة هو ما يجب تبنيه والدفاع عنه، وهو ما يغيب.
يراهن الحكم على الحرب بالدرجة الأولى، فقانون القوة والغلبة هي أساس الشرعية والحكم. ويراهن الحكم على ضعف المعارضة السياسية وعدم الجدية في المواجهة والتوحد إزاء قضية الانتخابات، فالانتخابات هي السلاح الديمقراطي الوحيد الذي تمتلكه المعارضة، ويجب أن تشهره في وجه السلطة، وتحدي الفساد والاستبداد يتحول إلى سلاح بيد الحكم يتوعد به الشعب ويتهدد به المعارضة.
تمديد المعارضة للحكم لمدة عامين كان الخطيئة الأولى، ثم كان السكوت المميت عن رفض الحكم تنفيذ الاتفاق والإصلاحات السياسية التي التزمت بها كشروط ضرورية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، هو الخطيئة الأخرى، مما اضطرها لتوقيع اتفاقية لتنفيذ الاتفاق.
لقد بدأ الخلاف على مسارها أو مساربها قبل أن تبدأ. وقد أرادها الحكم في الوقت الضائع، ويستطيع إماتتها بالحرب الكفيلة بإماتة السياسة برمتها. فالانتخابات احتمال قد يكون راجحاً، ولكن الشيء المؤكد هو الحرب، فالحرب أم الأشياء جميعاً كفلسفة هيراقليطس، والحرب بالنسبة للأذواء والأقيال، الطريق الوحيد السالك للوصول إلى الحكم والمال والجاه.
وإذا كانت السياسة تعني المدينة كما في المصطلح اللاتيني، فإنها تعني في المدينة الفاضلة نفي الحرب، ولكنها في التقاليد العربية والبدوية لا مكان لها في عقل لا يعرف ولا يعترف إلا لغة “من قوى زنده عاش في الدنيا”؛ يقول البهلول.
فيوماً عن يوم تضعف الدولة، وتضعف معها المعارضة السياسية، وتقوى عضلات الإرهاب والعنف. فالسلطة التي تعتمد خيار القوة والعنف، تخلق معارضة على شاكلتها، ومن نهجها، ففي حمى الحرب تضعف لغة العقل والحوار والسياسة، ويقوى منطق السلاح داخل الحكم وخارجه.
الاهتمام الدولي والعربي، وبالأخص القطري، نابع من إدراك أن هوس السلطة وحلفائها بالحرب أدى وسوف يؤدي إلى امتلاك تجار الحروب للمصير اليمني، وهو ما يعني دمار بلد له تأثير كبير على أمن المنطقة والعالم. فهل تدرك السلطة وتجار الحروب والسلاح أنهم بعدم الجدية في الحوار، وعدم الاقتناع بالحلول السلمية والديمقراطية والإصلاحات السياسية الضرورية لإجراء انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة، تسمح قولاً وفعلاً بتداول سلمي للسلطة، إنما يفتحون أبواب اليمن للدمار؟ فلم يعد أمام اليمنيين سواء في الحكم أو المعارضة المفجوعة أو الحوثيين أو الحراك الجنوبي أو معارضة الخارج، غير التحاور والاحتكام إلى منطق السياسة والمنطق والعقل.