صنعاء 19C امطار خفيفة

حوار بين من ومن؟ ونحو أية أهداف؟

2010-07-06
حوار بين من ومن؟ ونحو أية أهداف؟
حوار بين من ومن؟ ونحو أية أهداف؟
*عبدالله سلام الحكيمي
في المقال السابق وقفنا بالتحليل أمام دعوة رئيس الجمهورية إلى حوار مع بعض أحزاب تكتل أحزاب اللقاء المشترك، ذات التمثيل البرلماني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وناقشنا مدى جدتها وجديتها.. وأبعادها والأهداف الكامنة وراءها، والموقف المفترض من قبل اللجنة التحضيرية للحوار الوطني وأحزاب اللقاء المشترك التي تشكل مكونا مهما وأساسيا من مكوناتها وقواها المؤتلفة على قاعدة مسودة وثيقة الإنقاذ الوطني الصادرة عن اللجنة.
واليوم نتناول في هذا المقال، قضايا وحقائق نرى ضرورة ملحة للوقوف أمامها بالتحليل والنقاش لأنها كفيلة بتمكيننا من الغوص إلى عمق الأزمة اليمنية الراهنة وجذورها البعيدة التي تغذيها وتحافظ على تماسكها واستمرارها. وهذه المقالة، وذاك شأنها ومهمتها، هي على نحو أو آخر امتداد للمقالة الأولى واستكمال لمضامينها، ونحن ما فتئنا نسمع بين فترة وأخرى، طوال تاريخنا الوطني المعاصر منذ عهد الثورة وحتى الآن، دعوات للحوار والمصالحة والوحدة الوطنية إلى آخر هذه الشعارات، وعادة ما تطرح أو تظهر هذه الدعوات في ظروف أزمات ومشاكل تعصف بنا بين الحين والآخر.
وفي ما يتعلق بدعوة الحوار وتشكيل حكومة وحدة وطنية التي أطلقها رئيس الجمهورية في الذكرى ال20 لإعلان قيام دولة الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، مؤخرا، واستئناساً بخلاصة التجارب والخبرات المستحصلة من التعامل السياسي والشعبي مع النظام الحاكم منذ عام 1978 وحتى الآن.. فإننا نجد أنفسنا في مواجهة سؤال جوهري وكبير وبالغ الأهمية، يقول: حوار بين من ومن؟ وتمثل الإجابة عليه بوضوح وصراحة وموضوعية، نقطة انطلاق تاريخي للخروج من أزمات ومشاكل ومعضلات قضيتنا الوطنية برمتها.
إن الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية، علانية وفي سياق خطاب رسمي مذاع، تشير بوضوح إلى حوار بين النظام الحاكم وبعض أحزاب المعارضة الممثلة نيابيا، حوار يفضي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية. وكما هو معلوم فإن مفهوم النظام الحاكم يتحدد بالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية. والسلطة التنفيذية في نظام خليط كنظامنا الراهن تتكون من رئيس الجمهورية الذي تتركز في يده كل السلطات والصلاحيات لكافة مجالات عمل السلطة التنفيذية، بما في ذلك الجيش والأمن، وحكومة تتولى من خلال رئيس الوزراء والوزراء وسائر المسؤولين التنفيذيين، تصريف الأمور وإدارتها وفقا لأوامر وتوجيهات رئيس الجمهورية المباشرة والواجبة التنفيذ. ولكن هل سلطات النظام الحاكم الثلاث المشار إليها آنفا، والتي تشكل سلطات أي نظام سياسي حاكم في الدنيا، هي التي تمارس وظيفة الحكم الحقيقية وسلطاته وصلاحياته ومهامه الفعلية كما هو متعارف عليه؟ بمعنى آخر أكثر وضوحا وتحديدا، من الذي يحكم اليمن فعليا؟
إن كل الوقائع ومسار الأحداث والإجراءات والتطورات التي شهدها اليمن، في الشمال منذ عام 1978 وحتى عام 1990، وفي الشمال والجنوب بعد إعلان قيام دولة الوحدة منذ عام 1990 وحتى الآن، تبين لنا بكل جلاء ووضوح أن السلطة التي سيطرت على الحكم منذ عام 1978 وحتى اللحظة الراهنة، خططت بذكاء وعملت بكل دأب وإصرار وتصميم على تأسيس وبناء وترسيخ سلطة خفية موازية للنظام السياسي الحاكم الذي نراه ونلمسه أمامنا، سلطة تنفيذية (حكومة) وسلطة تشريعية (برلمان) وسلطة قضائية الخ...، حيث وضعت كل مفاتيح ومفاصل وأدوات القوة الحقيقية الحاسمة والفاعلة كالجيش بكافة وحداته وتشكيلاته الضاربة والأجهزة الأمنية (عسكرية ومدنية) تحت سيطرة وقبضة تلك السلطة الخفية الموازية على نحو شبه كلي، ومكنتها من مراكمة ثروات هائلة عبر إطلاق يدها بممارسة كافة أشكال وأساليب الفساد ونهب الأموال العامة الثابتة والمنقولة وابتزاز واستغلال البيوتات التجارية العريقة ورجال الأعمال والمستثمرين بفرض المشاركة الباطنة في أعمالهم دون مقابل والسطو على حقوقهم ووكالاتهم الخ...، والسيطرة الفجة على مؤسسات عامة كالمؤسسة الاقتصادية اليمنية (العسكرية سابقا) وتحويلها الى مؤسسة استثمارية لصالح تلك السلطة الخفية الموازية، إضافة إلى نهب عائدات مؤسسات مالية ومصرفية عديدة ومؤسسات الدولة الإيرادية وغير ذلك.. ولقد بات واضحاً ومعلوما على نطاق واسع أن قادة ورموز هذه السلطة الخفية الموازية يملكون النفوذ والسطوة التي يفرضون بواسطتها على كافة سلطات الدولة ومؤسساتها تنفيذ أوامرهم دون نقاش وفورا.
وبهذا أصبح الحكم في اليمن حكمين:
< الأول تمثله تلك السلطة الخفية الموازية، وهو الحكم الفعلي الحقيقي المسيطر والمهيمن دون منازع.
< والثاني تمثله سلطات الدولة مثل الحكومة والبرلمان والقضاء بمختلف مستوياتها ومراتبها ومهامها، وهو الحكم الشكلي الظاهر أمام الداخل والخارج على أنه الحاكم فعليا، وهو في الحقيقة عبارة عن واجهة شكلية يتخفى وراءها الحكم الفعلي الحقيقي غير الظاهر في الصورة، والمكون أساسا من أفراد أسرة أو عائلة واحدة وأنسابهم ومقربيهم. ولقد ساعد على بناء وتحقيق تلك الازدواجية الخطرة في الحكم، اتباع سياسات أفضت إلى إفقار المجتمع وتجويعه من ناحية، واستخدام الأموال الطائلة المجمعة بالفساد والطرق غير المشروعة في عملية واسعة النطاق من شراء الذمم وإفساد الأخلاق والضمائر للكثير من الفئات المتعلمة والمثقفة والكفاءات والقدرات وتوليتها الوظائف العامة شريطة أن تفعل هي ما تشاء للإثراء والفساد الشخصي على أن تمرر كل ما يطلب منها!
وفي ضوء هذه الرؤية لحقيقة الوضع السياسي القائم في اليمن، وهو وضع لا نظير له في العالم إلا في القليل النادر جدا، يقع الإنسان أو الجماعات السياسية او الاجتماعية في خطأ قاتل ومريع، إن هم اعتقدوا للحظة واحدة أن النظام الحاكم والمتمثل بالحكومة والبرلمان والقضاء، هو صاحب السلطة والقرار الفعليين في إدارة البلاد وحكمها وفق النصوص الدستورية النظرية السائدة، ذلك أن الواقع والدلائل والممارسات العملية المعاشة تؤكد جميعها على أن السلطة الخفية والموازية هي صاحبة القرار والسلطة الحقيقية الفعلية النافذة، وهي من يدير البلاد ويرتب أوضاعها ويقرر شؤونها في مختلف المجالات عبر اجتماعات قادتها ورموزها السرية وبمساعدة فنية من فرق عمل متخصصة غير معلنة، ثم تحال قراراتها وإجراءاتها المتخذة إلى رئيس الجمهورية الذي يتولى من خلال مكاتبه وأجهزته العسكرية والمدنية إنزالها على شكل قرارات وتوجيهات عليا ملزمة الى الحكومة وأجهزتها ومؤسساتها المختلفة للتنفيذ، وكذا الحال بالنسبة للمؤسسة العسكرية والمدنية. وفي الحقيقة فإن الحكومة والوزراء وكبار المسؤولين فيها وكذا البرلمان والقضاء لا يعدو كونهم مجرد خبراء وموظفين تنفيذيين (تكنوقراط) لسلطة حكم أخرى غيرهم يعرفونها تمام المعرفة، ولكنهم يحرصون على إنكار معرفتهم بها!
ونحن نلاحظ من خلال المعايشة والتجربة أن أكبر مسؤول في البناء الهرمي للسلطة الحاكمة الشكلية هذه، لا يستطيع البت واتخاذ قرار بشأن الكثير من القضايا والمشكلات إلا بعد أخذ موافقة رئيس الجمهورية رغم أنها تدخل في صميم سلطاتهم ومسؤولياتهم ومهامهم! حتى إن كل أنشطة سلطات الدولة وبناء المشاريع واتخاذ القرارات ورعاية المؤتمرات والمهرجانات المختلفة، بل وفي بدء شروع الحكومة لاتخاذ تدابير مكافحة الفقر والبطالة كلها يتم "بناء على توجيهات الأخ الرئيس حفظه الله"، وبرعايته ومتابعته الشخصية!
وإذن وفي ضوء وبناء على كل ما سبق، يصبح السؤال "الحوار.. بين من ومن؟" سؤالا جوهريا محوريا بالغ الأهمية والخطورة. فإذا كان الداعون للحوار او القابلون به يريدون حوارا بين النظام الحاكم، سواء من خلال مستشاري رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة او رئيس البرلمان او الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم، وبين أحزاب المعارضة (تكتل اللقاء المشترك) أو حتى بعضهم او الإطار المعارض الأوسع اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، فإن هكذا حوارا لن يكون إلا حوار طرشان وغير جاد ولا مجد، وعبارة عن مضيعة للوقت والجهد من غير طائل، ودروس التجربة الماضية في الحوار مع ذلك النظام، سواء في إعلان دولة الوحدة او في الحكومة الائتلافية التي أعقبت الوحدة بين شريكيها، وفي الحكومة الائتلافية الثلاثية عقب الانتخابات البرلمانية الاولى عام 1993، وحوارات وثيقة العهد والاتفاق والحرب الاهلية الطاحنة عام 1994 وحروب صعدة الدامية وحروب الجيش مع القبائل، والحراك الجنوبي وغيرها... تبرهن لنا أن مثل تلك الحوارات كانت فاشلة وعقيمة وغير جادة ولا مجدية، بل إنها أفضت إلى حدوث مآسٍ وكوارث مدمرة، لأنها لم تكن حوارات وتفاهمات والتزامات بين سلطة حاكمة فعلية نافذة وأطراف أخرى معارضة أو شريكة، سرعان ما تم نقضها والانقضاض عليها من السلطة الحاكمة الفعلية الحقيقية النافذة والمهيمنة (المستترة).
إن قوى وفعاليات المعارضة والساعية الى التغيير الإيجابي الشامل في البلاد والمنضوية اليوم في إطار اللجنة التحضيرية للحوار الوطني [أحزاب اللقاء المشترك – والحوثيون – ومجلس التضامن الوطني – والقيادات والرموز التاريخية الجنوبية وبعض فصائل الحراك الجنوبي (وإن كانت العلاقة بالطرفين الأخيرين لا تزال في طور الحوار) والشخصيات والقيادات المنتمية الى الحزب الحاكم والمشائخ القبليون ومنظمات المجتمع المدني الخ...]، وهي لا تزال تنضج وتبلور وتوسع إطارها التحالفي الواسع والذي بات يمثل أوسع قوى وشرائح وفعاليات المجتمع وأكثرها تأثيرا وثقلا، مطالبة بامتلاك رؤية صائبة وعميقة ونفاذة للواقع السياسي المعاش ومكوناته وعلاقاته، وأن تحدد موقفا واعيا وحاسما من دعوة رئيس الجمهورية للحوار وأيضا للمهام والمسؤوليات العاجلة المطالبة بإنجازها على النحو التالي:
1) القبول بدعوة الرئيس للحوار شريطة أن يكون طرفاه محددين بالسلطة الحاكمة الفعلية والحقيقية التي يمثلها كبار القادة العسكريين والأمنيين، وكذا القادة المدنيين المنتمين الى الأسرة المسيطرة على الحكم الفعلي في البلاد، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، وعدم القبول بالحوار مع ممثلي السلطة الحاكمة الشكلية لافتقادها سلطة القرار والحسم الفعلي.
2) وفي حالة القبول بحوار جاد كهذا الذي أشرنا إلى طرفيه في الفقرة الأولى آنفا، فيجب أن يتسم بالصراحة والشفافية والصدق، وعلى ممثلي اللجنة التحضيرية في ذلك الحوار أن يطرحوا بوضوح تام أن صيغة (ازدواجية أداة حكم البلاد) التي حكمت على مدى 3 عقود، لم تعد مقبولة بأية حال من الأحوال، وقد أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه من تدهور وانهيار، وإن استمرار تلك الصيغة غير الطبيعية ستقود البلاد الى أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، ويجب العمل على إنهائها فورا، بحيث تمتلك اللجنة التحضيرية برنامجا كاملا وخطط عمل تفصيلية للشروع فورا بإعادة بناء الجيش والامن على أسس وطنية وعلمية حديثة بما تضمن ألا يكون الجيش أداة بيد أسرة أو طائفة أو منطقة أو فرد طامح مغامر أبدا.
3) وفي كل الأحوال، فإن اللجنة التحضيرية للحوار الوطني مطالبة بالإسراع إلى أقصى حد بتشكيل مؤسساتها وهيئاتها الديمقراطية الداخلية وتجاوز السلبيات والأخطاء والنواقص التي واكبت مرحلتها التأسيسية الاولى، وعلى الأخص تشكيل فرق عمل متخصصة من الكفاءات الأكاديمية المؤهلة لتشخيص وتحليل ودراسة المشاكل والاختلالات، وتصور الحلول السليمة والفاعلة لها كل في مجال تخصصه (الجانب الاقتصادية –الجانب التعليمي –السياسات النقدية والمالية –السياسة الخارجية إلى آخره...)، بحيث يتأسس على هذا الجهد العلمي إنشاء ما يسمى "حكومة الظلـ" المتعارف عليها في النظم الديمقراطية، إذ لا جدوى من معارضة لا تعد نفسها ولا تتهيأ للحكم في أية لحظة، وبما يجعلها على دراية واستعداد كاملين لإدارة الحكم في حالة استلامه بشكل أو بآخر.
4) ولما كان النظام السياسي في جوهره وطبيعته ومضمونه هو الوسيلة والأداة الحاسمة للنهوض او النكوص معا، فينبغي إعطاء المسألة السياسية أولوية في نشاط وفعالية اللجنة التحضيرية، وذلك لأنه من الثابت أن ما تعاني منه بلادنا من أزمات وانهيار ناتج عن تخلف بنية النظام السياسي واختلاله وانحرافه، حيث لم يعد نظاما صالحا لتطورات العصر ومتغيرات الواقع الداخلي. وفي هذا الصدد من المهم أن يكون للجنة التحصيرية رؤية متكاملة واضحة لطبيعة وشكل ومضمون النظام السياسي البديل والمنشود؛ نظام معاصر وحديث اتحادي ديمقراطي حقيقي يحقق مشاركة الشعب بمختلف مكوناته وأطيافه وفئاته في إدارة شؤون بلاده ومجتمعه دون إقصاء أو تهميش أو إلغاء، نظام يقوم على عمل مؤسساته التنفيذية والتشريعية والرقابية والقضائبة في ظل فصل للسلطات، وبضمانات الحيلولة دون الانقضاض عليه وعودة السيطرة الشمولية الديكتاتورية الفردية القمعية مرة أخرى، نظام تكون المؤسسات فيه فوق الأفراد، وسيادة القانون فوق الزعيم، وحرية الإنسان وكرامته وآدميته قبل كل شيء.. نظام يصبح فيه الشعب صاحب السلطة وواهبها بحق وحقيق وليس زيفا وادعاء.
5) وفي الأخير فإن على اللجنة التحضيرية أن تجعل من نفسها ومن تركيبتها وعلاقاتها وآليات عملها وسلوكياتها نموذجا مصغرا لطبيعة النظام السياسي البديل المنشود الذي تعمل من أجل تأسيسه وبنائه في واقع حياتنا الجديدة التي نعمل جميعا على صياغتها والانتصار لها.. وبديهي أن اللجنة التحضيرية كإطار تحالفي وطني واسع، ستكون عاجزة عن النهوض بمسؤولياتها ومهامها الوطنية الجسيمة تلك ما لم تعمل وسط الجماهير وبالجماهير وللجماهير، فالشعوب هي وحدها صانعة التاريخ والانتصار للجديد المشرق الحر والمزدهر، متى ما توفرت لها قيادة واعية مناضلة مضحية صلبة.
والله سبحانه وتعالى هو الموفق والهادي الى سواء السبيل.
19/6/2010

إقرأ أيضاً