قبل البدء

قبل البدء

* عبدالباري طاهر
في قول منسوب لقس بن ساعدة الإيادي “يا بني إذا رأيت حرباً شجاعها يفر، وجبانها يكر وخسيسها يحتد وكريمها يرتد، فاعلم أن في الأمر خيانة. فالتجئ إلى أقرب تبة واعتزل الحربـ”.
ماذا نريد؟! نحن اليمانيين نطرح على أنفسنا أسئلة كاثرة مصدرها قلق وجودي يتعلق بالحياة والمصير.
كأب مريض يريد قبل العلاج تشخيص أوجاعه وعلله، وتحديد العلل الأخطر فالأقل خطراً. أوجاع الرأس قبل المفاصل مثلاً.
علة عللنا اليوم الحكم. الحكم الجائر والمستبد.
بعد خروج الأتراك من اليمن عقب الحرب العالمية الأولى، كان طموح اليمانيين دولة في المتوكلية إسلامية وشوروية وعادلة، وخاب أملهم.
وثيقة السياسي العربي عبدالعزيز الثعالبي المقدمة للإمام يحيى والسلاطين 1924، ما تزال ضمن رشدة العلاج، فهو يطالب بحكم دستوري تحدد فيه اختصاصات وصلاحيات الإمام التي لا تطغى على مسؤوليات النواب والوزراء “أي زعيماً روحياً يملك ولا يحكم، وتطرح وحدة ديمقراطية تحققت وأكلتها الحروبـ”.
الميثاق المقدس الذي صاغه الأحرار في 47، ومثل دستور دولة الدستور ما تزال بنوده مطروحة على الحياة السياسية، فتوزيع الاختصاصات والفصل بين السلطات وتحريم اشتغال الأمراء وسيوف الإسلام بالتجارة قد تلاشى في ظل سلطة تتاجر بكل شيء، ويشتغل قادتها في التجارة والمضاربات والعقارات والتوكيلات والمقاولات. والقطاع العام والمختلط والتعاوني الذي حمى الثورتين: سبتمبر وأكتوبر، حوله النافذون إلى ملكيات خاصة بعد أن ألحقوا به الدمار، وباعوه بثمن بخس “وكانوا فيه من الطامعين”.
ولم يعد للفصل بين السلطات معنى بعد أن أصبح التلفون هو المرجع الأول في إصدار التوجيهات وصنع القرار، وسلط الجيش والأمن على القضاء، وفقد استقلاله وكفاءته وهيبته. أما مجلس النواب فألعوبة سمجة بيد السلطة التنفيذية، أو فلنقل بيد الحاكم الفرد.
الميثاق السياسي للجبهة القومية التي حققت استقلال الشطر الجنوبي ووحدت 22 مشيخة وسلطنة، ألغاه التطرف والتحارب داخل التنظيم السياسي والحزب الاشتراكي في ما بعد، ودفعت الإجراءات الاقتصادية المتطرفة والضارة بفئات وأعداد واسعة من المجتمع ومن الفئات الوسطى غالباً، إلى خارج الجنوب، ليلتحق جزء منها بالقوى المناوئة للثورة.
كانت كارثتا أحداث أغسطس 1968 في صنعاء وأحداث ال13 من يناير 1986 علامة انهيار قوى التقدم والحداثة والمجتمع المدني في اليمن بشطريها. ولا شك أن لغياب الديمقراطية ولتخلفها وجهلها دخلاً في الوصول إلى مأزق الاقتتال.
وكان الخاسر هنا وهناك بناء الدولة الموحدة الديمقراطية والحديثة.
لم يستطع الحكام في الشمال والجنوب الاستمرار في المواجهة المستمرة بعد حربي 72 و79، ومواجهات في الأطراف بينهما.
كما لم يستطيعا بالقدر نفسه بناء بنية تحتية حديثة ومتطورة، ولم يستطيعا بناء اقتصاد يوفر حياة معيشية مزدهرة وآمنة.
وكان الصراع نفسه بينهما وداخل كل شطر هروباً من تبعية فشل التنمية والبناء.
تآكلت الشرعية الثورية في الشطرين، وأصبحت “القوة والغلبة” عاجزة عن تبرير الاستمرار في مسلسل صراع دامٍ وعنيف.
كان المخرج للنظامين الشطريين اللجوء إلى وحدة مثلت متنفساً لخزان بارود من الاحتقان والخيبات الكبيرة في مختلف مناحي الحياة شمالاً وجنوباً.
لم يكن العجز عن بناء الدولة الملمح الأوضح وحده حاضراً، بل إن الدولة قد آلت -خصوصاً في الشمال- إلى يد قوى لا تريد أو لا تتفهم أهمية وجود دولة بدستور ونظام وقانون يجعل أكبر رأس في القبيلة الكبيرة صغيراً أمام جندي المرور أو شرطي الأمن الذي يحمي القانون.
قامت الوحدة أو تحققت في ال22 من مايو 90، ولكن الأسس التي تقوم بها وعليها الدولة غابت بل غُيّبت من قبل قوى لا تفهم معنى الدولة، ولا تدرك أهميتها. فالماضي سيد الموقف، فهو الحاضر والمستقبل، فإذا كان حلم مؤسسي المتوكلية اليمنية أنموذج الدولة القاسمية، فإن السلطنة والمشيخة هو ما يراود حلم الحكم اليوم.
من هذه العلة الكبرى تولدت وتناسلت كل المصائب والعلل، فما إن تصبح الدولة أو يستعاض عنها بالسلطنة والمشيخة حتى تتحول الجامعة إلى معلامة وكتاتيب، ويصبح الفقر نعمة تقربنا إلى الله زلفى، ويكون المرض التطهير لدخول الجنة، ويموت القضاء أو يحول إلى عصا غليظة لعقاب الناقدين والرافضين للفساد والاستبداد، وتسيد القيم والأعراف البالية والقمعية.
كانت الوحدة حلماً ووسيلة لبناء دولة النظام والقانون؛ دولة المؤسسات؛ دولة الديمقراطية والعدالة والمواطنة.
غياب الأسس في بناء الدولة، وانشغال الشريكين بالاقتسام وتوزيع المغانم، مكّن الرافضين للدولة من تهيئة الأوضاع للحرب والعودة باليمن إلى عهود التفتت والتجزئة والتمزق والاحتراب.
فبناء الدولة “بيت الداء وأس البلاء” لا تستطيع القبيلة أن تبني الدولة، والقبيلة (تاريخياً) ليست موحدة، وسواء كانت في الحكم أو المعارضة فإنها بعيدة كل البعد عن التوحيد بسبب عصبيتها الجاهلية، وانغلاقها وعزلتها عن روح الحياة والعصر.
لم تقبل القبيلة الدولة في المتوكلية اليمنية أو الـ”ج.ع.ي”، وقاومت امتداد السلطة بالسلاح. وعزل القاضي الإرياني، والحرب ضد ثورة سبتمبر، ومقتل الحمدي لا يمكن أن تفسر في جانب مهم إلا برفض بناء الدولة ومد سلطانها ونفوذها.
المصيبة كل المصيبة أن رافضي بناء الدولة هم الحاكمون، وكثير من مناوئ السلطة أيضاً لا يطرحون أو لا يدركون أولوية بناء الدولة. دعاة الديمقراطية والعدالة والمواطنة والبناء والتحديث بدون الدولة حرث في البحر أو بناء في الهواء، فالدولة وبناؤها على أسس ديمقراطية وحديثة هي الخطوة الأولى والأساس في برنامج الثعالبي الوحدوي، والميثاق الوطني المقدس، وبرامج الأحزاب السياسية الحديثة، وأهداف ومبادئ الثورة اليمنية: سبتمبر وأكتوبر، وحتى مطلب الأحرار عام 56، وميثاق الجبهة القومية.
المعركة غير المجيدة التي خاضها التياران: القبلي والإسلام السياسي، ضداً على الدستور في العام الأول للوحدة، كانت في جوها ضد بناء الدولة المدينة العصرية الديمقراطية والحديثة.
أسهمت وثيقة العهد والاتفاق أو عجلت بحرب 94، فالوثيقة التي وضعت أسساً لبناء الدولة، استقبلت بالرفض، بل بالحرب من قبل أعداء بناء الدولة في السلطة وفي القبيلة والإسلام السياسي.
لقد دمرت الصراعات الكالحة والحروب، والاقتتال بين اليمنيين، وآخرها وأخطرها حرب 94، أسس الدولة “الوحدة”.
والكلام على الوحدة والتغني باسمها، أو الحرب عليها والتكفير والتخوين باسمها، يخفي العجز الفاضح عن التنمية والبناء، وبالأخص بناء الدولة.
الصراع القائم اليوم في اليمن، صراع مع الدولة أو ضدها، ولكن القوى التقليدية والقبائلية، هي قوى تنتمي إلى القيم والأعراف الإقطاعية وشبه الإقطاعية، ومصلحتها وثقافتها وفكرها قائم على التوحد بالغلبة والقوة والتفيد والنهب، وهو ما يتنافى مع الوحدة التي تحققت في ال22 من مايو 90، بل هو الأساس في قتلها.
نعرف النتائج الكارثية لهذه الحرب البشعة، والتي تولد عشرات الحروب والفتن والقلاقل، وتدمر الكيان والمجتمع والشعب كله.
إن تحاورنا ينبغي أن يتركز من حول الإدانة الصارمة والصريحة لتجار الحروب في السلطة وخارجها، وغل يدهم عن الاستمرار في نهج الفتن والحروب، وإعادة الاعتبار لبناء الدولة المدنية القائمة والمستوعبة لتراث الحركة الديمقراطية؛ ابتداء من مشروع الثعالبي والميثاق المقدس ومطالب الأحرار، وأدبيات وبيانات الأحزاب الحديثة، والحركة النقابية العمالية ورابطة الطلاب في القاهرة، وأهداف الثورة سبتمبر وأكتوبر، وصولاً إلى دستور دولة الوحدة قبل التلاعب، ووثيقة العهد والاتفاق، وهي الأهم لأنها تشخص الداء وتضع الأسس لبناء الدولة العصرية الحديثة.
تمثل السلطة القائمة أو بالأحرى أطراف نافذة فيها العائق الأكبر أمام الدولة، ولا تستطيع البقاء والاستمرار إلا بنفي أسس الدولة وتفكيك المجتمع وإضعافه، وتسليط بعضه على بعض، وليس من سبيل غير تصعيد الاحتجاج والحوار.
الحوار “دعوة نبيلة”، ولكن الحوار لا ينشأ من فراغ أو في فراغ، هناك إرث الحركة الوطنية وتراثها، وهناك تجارب ووثائق ودساتير وعهود ومواثيق غُدر بها، فليكن الوعي بها وإدراكها حاضراً، فلنحدد على ما نتحاور؟ وما هي أولويات الحوار؟ ولنعرف بدقة أولويات كل طرف في الحوار؟ وماذا يريد؟
ثم أليس من الأفضل أن نتوافق على التشخيص ونقر بوجود العلة والعلل الناجمة والمصاحبة؟
وبصراحة ينبغي أن يكون التحاور ندياً ومتكافئاً، وألا نجد أنفسنا من جديد بيد صناع الكارثة؟!
السلطة الفاسدة والمستبدة سفينة آيلة للغرق، وبعض من بناتها وقياداتها بدأوا يهربون منها!
وإذا كانوا صادقين وجادين فليكونوا جزءاً من الاحتجاج المدني بدون وصاية أو تلجيم.
إن دعم الاحتجاجات المدنية وتشجيعها هو الأرضية الصالحة للتحاور، وهو الطريق الآمن لإفشال الخطط الجاهزة الناجزة لجر الجميع إلى زفة عرس كاذبة تعيد إنتاج السلطة إياها، وتمزق المشترك الضعيف أصلاً، وتفتح الأبواب أمام كوارث جديدة تبدأ ولا تنتهي!
ولكي يتحاور المختلفون فلابد من التخلي عن لغة الوعيد والتهديد وتهم العمالة والخيانة والتكفير، وآن لنا قبل التحاور وأثناءه إدانة الفتن والحروب التي أكلت الثورة ودمرت الوحدة وأعاقت الدولة اليمنية الديمقراطية، وتتوعدنا بتدمير الكيان اليمني كمجتمع وبلد وشعب.