عودة باكثير

عودة باكثير

* محمد الشلفي
لا تفصلنا سنوات كثيرة عن خبر نشرته إحدى الصحف المصرية (2006) عن “مكتبة باكثير الخاصة” في القاهرة. يفيد الخبر الذي يشبه الاستغاثة، بأن “مكتبة رائد المسرح العربي الأديب علي أحمد باكثير تقبع في بدروم إحدى العمارات في قلب القاهرة بوسط البلد”. بعدها بسنوات (2009) تنشر صحيفة “القبس” الكويتية تحقيقا صحفيا عنوانه “من يحمي مكتبات الرواد من السطو والإهمال؟”، يورد تصريحا للسيد زايد باحث أبستمولوجي، يقول: “حسب المعلومات التي توصلنا إليها فهي في حالة سيئة وتحتاج لعملية ترميم لإعادتها إلى ما كانت عليه سابقا». أما الشاعر فؤاد حجاج رئيس جمعية باكثير الثقافية، ومقرها مصر، فيقول: “لا أعلم شيئاً عن هذه المكتبة”.
طوال سنوات لم يلتفت أحد لأحد أهم رواد الأدب في الوطن العربي. وإذا كانت مصر لديها جمعية ثقافية تحمل اسم باكثير، ويحضر اسمه في الذاكرة المسرحية المصرية عن طريق بعض الفرق المسرحية التي تقوم بأداء بعض مسرحياته على خشبة المسرح، أو كما يحدث سنويا ضمن معرض الكتاب الدولي في القاهرة، وتعيد مكتبة جودة السحار في مصر طباعة أعماله باستمرار، فإننا هنا في اليمن لا يتعدى الاهتمام به بعض الندوات والكتابات المتفرقة، أو استخدام اسم باكثير لأكثر من مرة للحديث عن المنجزات السياسية ابتداء من تحويل بيته إلى متحف، وانتهاء بإنشاء مؤسسة باكثير للطباعة والنشر، فيما معرفة اليمنيين بعلي أحمد باكثير، لا تتعدى “واإسلاماه” و”مسمار جحا”.
مؤخراً، في الجانب الآخر، استيقظ اتحاد الكتاب العرب ورابطة الأدب الإسلامي، وبحضور يمني رسمي، ولكثير من الأدباء العرب، فجأة في مئوية باكثير، لرعاية مؤتمر “علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية”، في القاهرة 2 – 5 يونيو الحالي، لرد الاعتبار مبدئيا. وفي الكلمة التي ألقاها وزير الإعلام اليمني الشاعر حسن اللوزي، تجلت ذات الشاعر بوضوح ليتحدث عن “عظمة باكثير الشاعر المجدد والمتفرد والروائي الحكيم والملهم والمسرحي المتصدر والنابغ والكاتب الكبير الملتزم”. لقد نسي الوزير الذي يمثل عهده في وزارة الإعلام تراجعا ملموسا للصحافة، وهو يقول: “إننا نؤكد أن أبناء اليمن ينغمسون في ذات التفكير وينشغلون بهموم وواجبات الوفاء تجاه هذه المناسبة المئوية الغالية”، أنه في بلد يكره المبدعين ولا يتيح لأصحاب المواقف كباكثير أن يتكاثروا، فإلى الآن لم يجد البردوني من ينشغل بواجبات الوفاء تجاه ما قدمه لليمن.
لم تخلُ كملة وزير الثقافة أبو بكر المفلحي من نقطة مخالفة الكلام للواقع، فبعد أن حاول تسليط الضوء على جانب من حياة باكثير في اليمن، وتحدث عن تأثر باكثير بمصر، وعن عدم إحساسه بالغربة فيها، واتت الوزير الفرصة ليعلن اهتمام اليمن الكبير بباكثير، حيث تعتزم افتتاح بيت باكثير في مدينة سيئون كمتحف باسمه يضم فيه كل ما يتعلق بباكثير من أدب مطبوع ومسموع ومرئي، وكل ما يتصل بحياته الشخصية، فضلاً عن طباعة أعماله الكاملة، بالإضافة إلى تقديم مسرحياته ورواياته في عروض مسرحية وتلفزيونية.
وتحدثت كلمات المشاركين في المؤتمر عما مثله علي أحمد باكثير من تطور للأدب من خلال كتاباته، وعن التزام باكثير تجاه قضايا أمته.
أسفرت المشاركة الرسمية اليمنية رفيعة المستوى عن ملاحق خاصة عن باكثير صدرت عن صحف رسمية، ووعد بطباعة الأعمال الكاملة من قبل وزارة الثقافة ورعاية رجل الأعمال أحمد بقشان، الذي كرم في المؤتمر لندوة علمية دولية بمناسبة مئوية علي أحمد باكثير، في شهر ديسمبر من هذا العام، لعمله على تحويل منزل باكثير إلى متحف.
يقول الشاعر والروائي علي المقري: “لا يمثل المهرجان رد اعتبار لأديب بحجم باكثير، إذا لم تكن هناك فعالية أدبية، يجب أن تعاد قراءته حتى لو اختلفنا معه”. ويضيف: حتى لا تتحول هذه المهرجانات إلى بهرجة. ويتساءل: أين أعمال أحمد بن علوان، البردوني، أحمد شامي، الزبيري، وغيرهم؟ كل هؤلاء الأعلام لمَ لا تهتم بهم الدولة؟ وهل يكفي أن قامت بطبع بعض أعمالهم في 2004؟
جاءت عودة باكثير بهذه الطريقة المفاجئة، وفقا لرئيس رابطة الأدب الإسلامي عبدالقدوس أبو صالح: لأن أعداء باكثير مذوا عليه سجف التعتيم في غفلة من الزمان”. يقصد عبدالقدوس الأعداء القدامى الذين كانوا يحملون عداوات أيديولوجية مع باكثير، ليأتى المؤتمر ويعلن خفوت صوتهم، لكن ماذا لو ولد أعداء جدد تكفيهم “بهرجة المهرجانات”!
*******
سيرة العاشق
علي بن أحمد بن محمد باكثير، ولد في 1910، في جزيرة سوروبايا بإندونيسيا، لأبوين يمنيين من منطقة حضرموت. وحين بلغ ال10 من عمره سافر به أبوه إلى حضرموت، وهناك تلقى تعليمه في مدرسة النهضة العلمية، ودرس علوم العربية والشريعة على يد العلماء هناك. ظهرت مواهب باكثير مبكراً فنظم الشعر وهو في ال13 من عمره، وتولى التدريس في مدرسة النهضة العلمية، وتولى إدارتها وهو دون ال20. تزوج باكثير مبكراً، ولكنه فجع بوفاة زوجته وهي صغيرة، فغادر حضرموت حوالي عام 1931، وتوجه إلى عدن، ومنها إلى الصومال والحبشة، واستقر زمناً في الحجاز، حيث نظم مطولته “نظام البردة”، كما كتب أول عمل مسرحي شعري له، وهو “همام في بلاد الأحقاف”، وطبعهما في مصر أول قدومه إليها.
وصل باكثير إلى مصر سنة 1934، والتحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، حيث حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية عام 1939، وقد ترجم عام 1936 أثناء دراسته في الجامعة مسرحية “روميو وجولييت” لشكسبير، بالشعر المرسل، وبعدها بعامين -أي عام 1938 – ألّف مسرحيته “أخناتون ونفرتيتي” بالشعر الحر، ليكون بذلك رائد هذا النوع من النظم في الأدب العربي.
التحق باكثير بعد تخرجه في الجامعة بمعهد التربية للمعلمين، وحصل منه على الدبلوم عام 1940، وعمل مدرساً للغة الإنجليزية لمدة 14 عاما. سافر إلى فرنسا عام 1954، في بعثة دراسية حرة.
بعد انتهاء الدراسة فضل الإقامة في مصر، حيث أحب المجتمع المصري وتفاعل معه فتزوج من عائلة مصرية محافظة، وأصبحت صلته برجال الفكر والأدب وثيقة، من أمثال العقاد وتوفيق الحكيم والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت وغيرهم. وقد قال باكثير في مقابلة مع إذاعة عدن عام 1968، إنه يصنف كثاني كاتب مسرح عربي بعد توفيق الحكيم.
اشتغل باكثير بالتدريس 15 عاماً، منها 10 أعوام بالمنصورة، ثم نقل إلى القاهرة. وفي سنة 1955 انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصلحة الفنون وقت إنشائها، ثم انتقل إلى قسم الرقابة على المصنفات الفنية، وظل يعمل في وزارة الثقافة حتى وفاته.
حصل باكثير على منحة تفرغ لمدة عامين (1961 – 1963)، حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في 19 جزءاً، وتعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمياً، وكان باكثير أول أديب يمنح هذا التفرغ في مصر. كما حصل على منحة تفرغ أخرى أنجز خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر (الدودة والثعبان، أحلام نابليون، ومأساة زينب)، طبعت الأولى في حياته، والأخريان بعد وفاته.
شارك في كثير من المؤتمرات الأدبية والثقافية، واختير عضواً في لجنة الشعر والقصة بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كما كان عضواً في نادي القصة.
كان باكثير يجيد من اللغات الإنجليزية والفرنسية والملايوية، بالإضافة إلى لغته الأم العربية. وحصل على الكثير من الجوائز، وقد شارك نجيب محفوظ جائزة الدولة التقديرية الأولى مناصفة، وكان الموسم المسرحي في مصر يفتتح سنوياً بمسرحيته “مسمار جحا” التي تنبأ فيها باحتلال فلسطين.
كان رائداً عبقرياً فذاً، لكنهم حاربوه بسبب توجهاته الإسلامية، حتى إنهم كانوا يطلقون عليه عليه “إسلامستان”. مثلت رائعته “واإسلاماه” في فيلم سينمائي شهير كان بطله المصري أحمد مظهر.
زار باكثير العديد من الدول مثل فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفيتي ورومانيا، بالإضافة إلى العديد من الدول العربية مثل سوريا ولبنان والكويت التي طبع فيها ملحمة عمر. كذلك زار تركيا حيث كان ينوي كتابة ملحمة مسرحية عن فتح القسطنطينية، ولكن المنية عاجلته قبل أن يشرع في كتابتها. وقبل عام من وفاته زار باكثير حضرموت. توفي بمصر في 10 نوفمبر 1969، إثر أزمة قلبية حادة، ودفن بمدافن الإمام الشافعي في مقبرة عائلة زوجته المصرية.
أعماله المسرحية:
السلسلة والغفران التي نالت جائزة وزارة المعارف لسنة 1949، مسرح السياسة، التوراة الضائعة، إمبراطورية في المزاد، عودة الفردوس، مأساة زينب، سر الحاكم بأمر الله، هكذا لقي الله عمر، من فوق سبع سماوات، إله إسرائيل، هاروت وماروت، سر شهرزاد، قطط وفيران، الدنيا فوضى، مسمار جحا، أبو دلامة، جلفدان هانم، قصر الهودج، مأساة أوديب، فاوست الجديد، الوطن الأكبر، دار ابن لقمان، إبراهيم باشا، حرب البسوس، ملحمة عمر، الشيماء شادية الإسلام، الشاعر والربيع، هُمام في بلاد الأحقاف، روميو وجولييت، أخناتون ونفرتيتى، عاشق من حضرموت، الدودة والثعبان، الفرعون الموعود، الفلاح الفصيح، أوزيريس، حازم، حبل الغسيل، وشيلوك الجديد.
من رواياته:
الثائر الأحمر، سلامة القس، سيرة شجاع، واإسلاماه، الفارس الجميل، ليلة النهر، وعودة المشتاق.
أعماله الأخرى:
ديوان علي أحمد باكثير: أسرار الربا في شعر الصبا، محاضرات في فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية، نظام البردة أو ذكرى محمد صلى الله عليه وسلم.
*****************

ماذا لو فعلت اليمن؟
انتهى المؤتمر إلى عدد من التوصيات التي تؤكد على أهمية حث الهيئات الثقافية والرسمية الخاصة في البلاد العربية والإسلامية التي كتب عنها باكثير، على عقد مؤتمرات وندوات لإجراء دراسات منهجية عن أدبه، وخاصة ما كتبه عن كلٍّ منها، حضّ الباحثين والنقاد على الاهتمام بأدب باكثير لما يتميز به من الثراء والتنوع والقيم العربية والإسلامية والإنسانية، تشجيع طلاب الدراسات العليا على إعداد أطروحات جامعية عن أدب باكثير، إعداد فهرس شامل “ببليوجرافيا” لمصادر دراسات باكثير لتكون مرجعاً للباحثين وطلاب الدراسات العليا، إصدار عدد خاص من مجلات اتحادات الأدباء والكتاب العرب ورابطة الأدب الإسلامي العالمية عن باكثير، حض شركات الإنتاج الفني والقنوات الفضائية الرسمية والخاصة على الاستفادة من روايات باكثير ونصوصه المسرحية في إعداد مسلسلات وتمثيليات وأفلام جيدة، وكذا الهيئات القومية للمسرح والفرق المسرحية الخاصة في البلاد العربية والإسلامية على الاستفادة من نصوص باكثير المسرحية لعرضها بإخراج فني لائق، توزيع المسرحيات القصيرة التي أصدرتها -لأول مرة- رابطة الأدب الإسلامي العالمية، على الجامعات والمؤسسات الثقافية بأوسع نطاق ممكن، السعي لإنشاء جائزة أدبية باسم باكثير في المسرح والرواية والشعر، السعي لإطلاق اسم باكثير على بعض الشوارع والساحات في مدن العالم العربي والإسلامي، وخاصة التي أقام فيها، الطلب من وزارات التربية والتعليم في البلاد العربية تضمين المقررات الدراسية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، نصوصاً مختارة من أدب باكثير، والدعوة إلى عقد مؤتمرات وندوات عن بعض الشخصيات الأدبية والنقدية التي كان لها دور متميز في خدمة الأدب العربي والإسلامي الذي عبر عن قيم الأمة وأصالتها.
*************

الأعمال الكاملة لباكثير
تزامناً مع المؤتمر صدر المجلد الأول من الأعمال الكاملة للشاعر والروائي والمسرحي الراحل علي أحمد باكثير، عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ويضم روايات باكثير الثلاث “وا إسلاماه”، “سلامة القس” و”ليلة النهر”.
جمع أعمال باكثير الدكتور محمد أبو بكر حميد الذي كتب في مقدمة الكتاب تعريفا بباكثير ذكر فيه حلمه بإمارة الشعر بعد شوقي لدى مجيئه إلى مصر، لكن التحاقه بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، جعله يتخلى عن هذا الطموح الشعري لصالح فن المسرحية، وفي الوقت نفسه كتب الرواية، وحقق نجاحا فيها، حيث حصد عدة جوائز في المسابقات الأدبية، وقُررت بعض رواياته على طلاب المدارس، وأُخرج عدد كبير منها للسينما، وجاء إجمالي نتاج باكثير الروائي 6 روايات هي “سلامة القس”، “وا إسلاماه”، “ليلة النهر”، “الثائر الأحمر”، “سيرة شجاع”، و”الفارس الجميلـ” وقصة قصيرة واحدة هي “عودة المشتاق”.
وظهر اسم باكثير الروائي في مصر في بداية الأربعينيات، حيث كان هو ونجيب محفوظ من أوائل المنضمين للجنة النشر للجامعيين، التي أسسها عبدالحميد جودة السحار عام 1943، لنشر أعمال الأدباء الشبان، وفاز باكثير ونجيب محفوظ بجائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية، واقتسما قيمة الجائزة، وحصل كل واحد منهما على 40 جنيها.
وكانت أول جائزة يحصل عليها باكثير ومحفوظ؛ الأول عن روايته “وا إسلاماه”، والثانى عن روايته “كفاح طيبة”، وتم تدريس رواية “وا إسلاماه” على طلاب المدارس في مصر بدءاً من عام 1945، لتكون أول رواية لأديب غير مصري تقرر على طلاب المدارس.
ويؤكد أبو بكر حميد في مقدمته للأعمال الكاملة لباكثير، أن رواية “وا إسلاماه” أنقذت مؤلفها من السجن، عندما وقعت الفتنة بين رجال ثورة يوليو، والإخوان المسلمين، عام 1954، حيث كان اسم باكثير ضمن الأسماء التي لا يمكن اعتقالها إلا بإذن من الرئيس جمال عبدالناصر، وكان طلب اعتقاله بحجة أنه كان ينشر بعض مسرحياته في صحيفة “الإخوان المسلمون”، كما تربطه علاقات ودية ببعض الإخوان، وبخاصة سيد قطب، بصفته ناقدا أدبيا، لكن جمال عبدالناصر رفض اعتقاله، وكرمه بعد ذلك ب9 سنوات، ومنحه وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. وذكر حميد مقولة عبدالناصر التي قالها لباكثير وهو يكرمه: “وا إسلاماه أكثر عمل أدبي تأثرت به قبل الثورة بعد “عودة الروح” لتوفيق الحكيم”.
كما نقل حميد أيضا عبارة أمين هويدي رئيس المخابرات المصرية الأسبق، في المقدمة، أن هذه العبارة أنقذت باكثير من السجن مرة أخرى عام 1966، لصلته بسيد قطب، حيث برر عبدالناصر رفضه لاعتقال باكثير أن هذه الصلة التي تربطه بقطب صلة أدبية ليس أكثر، وأن باكثير لا ينتمي إلى تنظيمات سياسية.
 عن موقع اليوم السابع
***********

تهافت مطبوعات الداخل على استكتاب أقلام خارجية
مصطفى الجبزي
نظل نفتقر إلى أسماء علم محلية في قطاع الإنتاج الفكري كقطاع معطّل مثله مثل بقية القطاعات، مع أن الاشتغال في هذا القطاع متاح وأقل كلفة، ويُلحظ أن المطبوعات المحلية التي هي قليلة بالتعريف، وتعاني من مسار ذي نصف قطر طويل يباعد زمنيا بين أعدادها.. أنها استشفت عهد إفلاس، فاستجارت بأقلام خارجية، وترجمت الكثير من المواضيع لملء فراغ صفحات عدد فقير.
قد تكون هذه الخطوة محسوبة لها لو أنها استطاعت أن تفتح قناة حوارية وتثقيفية بين كتاب/ قراء الداخل وكتاب/ مترجمي الخارج. لكنها لم تستطع على ذلك، والدليل أن وصلاتها لا تنم عن أي انسجام في تقديم المواضيع، لتصبح القراءة في هذه المطبوعات أشبه بزيارة لأحد محلات بيع الأدوات الخردة والأدوات المستعملة المتنوعة.
أنا الآن أتناول في يدي مجلة ثقافية يمنية تحاول إثبات هويتها الثقافية من خلال استخدامها لعناوين مجالات ثقافية لا أكثر، فيما لم تقدم إلى حد هذه اللحظة أي اشتغال ثيماتي يثري أو يشبع شغف القارئ. الأسوأ من ذلك أنها لم تكلف نفسها، ولو لمرة واحدة، وتبث أية نتائج لتفاعل القراء أو استجابة ونقاش أي من أفكارها التي قدمتها. أظنها (وأظن العاملين عليها) تقنعت بأول الردود التلقائية التي تحصل في أول وربما في ثاني مقيل على الأكثر يذهب إليه أحد العاملين في هذه المطبوعة، وهم بذلك لا يسهمون في تعزيز الفعل الثقافي مطلقاً. لكني أظن أكثر من ذلك أن هذه المهنة في اليمن رسمت لنفسها مسارا خطيا فلم يتحصل لها أدنى تراكم أو خبرات.
يلفت انتباهي كثيرا مبدأ التجاوز كذهنية مسيطرة على من يشتغلون بالشأن الثقافي، ولكن هل يتم التجاوز بعد الإلمام الجيد والإحاطة الشاملة للأطر التقليدية للمهنة/ للموضوع. فأنا شخصياً أساند كلياً من يتبنون هذا المبدأ، وأسعى لأكون كذلك –وقد لا أستطيع أن أفعل كما يفعلون، وبالتالي أغبطهم على هذه القدرة في التجاوز– ولكن أخشى أن يكون التجاوز على حساب الأبجديات والأسس التي لا يمكن من دونها ركوب فعل التجاوز.
إن كانت الحال هذه، فنحن لا نفعل أكثر من تعميق حالة الافتقار لأسماء محلية جديرة بالوجود في الوسط الثقافي، وهي الوحيدة القادرة على التعبير عما يعتمل في واقعنا كما هو الحال. ولكن إن حاولنا بحث أسباب هذه الصورة التي تبديها المطبوعات الثقافية، فهل سنجد أجوبة؟ قد تكون أبسط العوامل المرتبطة بهكذا واقع هي الأسباب المادية، إلا أن يومياتنا لا تؤكد أبداً أن استكتاب كاتب يمني أكثر كلفة من استكتاب كاتب أجنبي، على الأقل الهنود لم يدخلوا هذا المجال إلى حد هذه اللحظة كأيدٍ عاملة. كما يخطر في بالي تساؤل آخر: هل كل المستكتبين من الخارج يقدمون موادهم مجانا كأكثر من يكتبون من اليمنيين في الصحف المحلية والمطبوعات الثقافية اليمنية؟ لست أدري. لكن سأختتم حديثي هنا بذكر موقف شهدته، إذ عاد صديق لي من إحدى الدول العربية بعد أن أنهى دراسات عليا، وكان يرغب بأن يداوم على الكتابة في مطبوعات محلية كمصدر رزق، حتى يترتب وضعه، فوجه إليّ سؤالاً: “كم تدفع الصحف والمجلات؟”، فوجدت نفسي عاجزا عن الجواب، وأظن رؤساء تحرير الصحف والمجلات أيضا غير قادرين على تقديم إجابة على تساؤل صديقي ذاك، فهم لم يعتادوا الدفع للكتّاب.