آمنة النصيري لـ”النداء”: لا توجد نخبة في اليمن والاقتصاديون محدثو نعمة

آمنة النصيري لـ”النداء”: لا توجد نخبة في اليمن والاقتصاديون محدثو نعمة

– ميزانية الدولة المخصصة لوزارة الثقافة  مضحكة
 – الاقتصاد عندنا لازال بعيداً تماماً عن التصورات الجمالية
منذ أشهر ذهبت الفنانة التشكيلية آمنة النصيري إلى وزارة الشؤون الاجتماعية لإخراج ترخيص لمرسمها “كون”، لكن لم تكن الوزارة قد منحت مرسما من قبل ترخيصا، ولم يشمل القانون أعمالا من هذا النوع. لقد اضطرت لتغييره إلى مؤسسة كإجراء قانوني بحت، لكنها تقوم بما يقوم به المرسم.
تتحدث النصيري في الحوار التالي عن المرسم، وعن علاقة الفن بالاقتصاد، وعن النخبة والمشكلة الثقافية في اليمن.
* محمد الشلفي
* كيف جاءتك فكرة “كون”؟
– قبل “كون” كان عندنا أتيليه صنعاء في باب اليمن، كنا أنا ومجموعة من زملائي، لكن بعد هذا بدأت أشعر أنني بحاجة إلى استقلالية، أيضا فالفنان محتاج -بغض النظر عن كون هذه الجماعة كانت ناجحة جداً- جماعة “الفن المعاصر”. ف”كون” افتتحته كمرسم لممارسة نشاطي الشخصي، لكني مؤمنة أن الفنان لا بد أن يكون له دور اجتماعي “غير مباشر” في تنمية الذائقة والثقافة البصرية.
ولسبب بسيط حولناه إلى مؤسسة، وكان يمكن أن يبقى تحت مسمى مرسم، لكن إذا احتجنا لتقديم مشروع لأية جهة كتنظيم ورشة عمل للأطفال أو أي عمل آخر، لا يتم التجاوب معك إلا إذا كنت تعمل في إطار مؤسسة. وتصور أن المرسم في القانون اليمني، في وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الثقافة، لا يوجد له أي بند، فعندما ذهبت من أجل أن أحصل على تصريح من وزارة الشؤون الاجتماعية للمرسم، قيل لي: لابد أن تكون مؤسسة فلا يوجد شيء اسمه مرسم. لهذا السبب حولناه إلى مؤسسة تستطيع أن تمارس ذات النشاط. العملية قانونية أكثر منها ربما إبداعية.
نحن نتبنى كثيراً من الأنشطة، للتواصل مع الحركة الثقافية في اليمن، تواصل حقيقي مع الكتاب والنقاد والمثقفين والشعراء، ليكون لك تجارب ناتجة عن هذا التواصل بين الصورة والكلمة أيضا. واحد من الأشياء التي أستمتع بها جداً، العمل مع الأطفال، أنا مهتمة، أعود من جديد لتبنى مجموعة من المواهب الصغيرة. الطفل مخيلة خصبة نحن نستفيد منها كفنانين. الطفل بحاجة إلى أن يعتنى بموهبته، لأن المدارس الخاصة والحكومية تقتل الموهبة تماماً، فلا يوجد اهتمام بالعملية الإبداعية على الإطلاق. كثير من الأطفال الذين أعتبر أنني تبنيتهم أصبحوا مهندسين وأطباء في مجالات بعيدة تماماً عن الفن، لأن الناس تشعر أن الإبداع غير مفيد، وهذه مسألة خاطئة، فمشكلة البلد غياب الإبداع حتى على المستوى العادي اليومي بالنسبة للإنسان. لقد تعودنا العيش على النقل في كل شيء، لا على العقل. لهذا السبب نحن مستهلكون للحضارات الأخرى في كل جوانبها، وبالأخص في الجوانب السلبية.
المرسم أنشئ لممارسة دور إبداعي حقيقي ليتبنى المواهب والقيام بأنشطة جادة، والابتعاد عن الشعارات وعن الأحزاب وعن كل عمل المنظمات والمؤسسات التي كثير منها تقدم عملاً زائفاً، وهي تشارك السلطة في جوانب دعائية بشكل آخر، حتى على الجانب المعارض في بعض الأحيان. وبالتالي أنا أحرص أن أكون بعيدةً عن كل هذه التوجهات، وأن يكون الإبداع هو الأساس في عملنا.
* قبل أن تنفذي هذه الفكرة، ألم تتخوفي من أن المجتمع لا يهتم بمثل هذه المشروعات؟
– لا، لم أخف لأني لو تخوفت لن أرسم. أنا بالعكس أشعر أنني إلى حد كبير قد نجحت بدرجة أساسية كآمنة النصيري… أكون سعيدة جداً عندما يتعرف عليَّ صاحب دكان، وهذا أهم جداً من أن يعرفني مثقف.. أتعرف لماذا؟ لأني لست مغنية ولا ممثلة ولا وجهاً سياسياً حاضراً على الشاشة كل يوم، مع ذلك الناس تتابعني، وهذه مسألة أنا أعتبرها نجاحاً غير عادي.
الآن الناس تعرف أن هذه المرأة لديها مشروع جاد حتى لو لم تفهم طبيعة المشروع. الناس تحضر معارضي بأعداد كبيرة، وهذا شجعني أن أفتح “كون” بدون تخوف من ردود أفعال الناس. بل بالعكس ألاحظ الناس تأتي وتحضر أطفالها ليرسموا أو يكتبوا الشعر، وهم حريصون جداً أن يعرف أبناؤهم المرسم لأنهم متأكدون أن أولادهم سيتأثرون بالمكان.
الشيء الآخر، الفن التشكيلي، وهذه مسألة غريبة جداً، على رغم تقليدية اليمني يحظى باحترام كبير جداً، وأنا متأكدة حتى الفنانين والفنانات الشباب سيحظون بتقدير من الناس. الناس لديها قناعة أن الفن عالم معقد جداً، وليس فيه استرزاق، ولا يمتهنه إلا مجنون ليس غرضه المال بقدر ما يكون هدفه الفن. وبالتالي هذه المسألة تدفع الناس لاحترامك لأنهم يعرفون أن الفن ليس تجارة، وليس لدينا إلا اثنان أو ثلاثة تجار في الفن.
والحمد لله نحن محظوظون لأن استخدام الفن كسلعة كتزيين الصالونات ورسم وجوه سياسية أو وجوه اقتصادية، ليست موجودة عندنا. وكفن تجاري لا يوجد لدينا عدا الفن السياحي.
ما يخيفني كثيرا المسألة المادية، فأنا مستأجرة شقة للمرسم، وأخرى كسكن في نفس العمارة. فعليّ أن أدفع إيجارين، وهذه صعوبة، لكن أتمنى أن يغطي المرسم مصاريفه. من خلال الأنشطة وبيع اللوحات طبعا.
* بمعنى أن هناك من يشترون اللوحات؟
– بالطبع، لكن لدينا مشكلة كبيرة أن رجل الأعمال اليمني لا يقتني لوحات وأعمالاً تشكيلية، وهذه كارثة. المسألة الثانية، كان الأجانب هم الذين يشترون اللوحات، وأجانب مثقفون لديهم ذائقة عالية؛ مع الاختطاف وحركة التطرف والأحداث التي حصلت في البلد في الفترة الأخيرة، قلوا كثيراً. حتى الوفود التي كانت تزور اليمن للأعمال أو زيارات رسمية وكانت تشتري، لم يعد لها وجود. وهذا يؤثر على نشاطنا، فأنا لا يمكن أن أتسول من دولة أو من مسؤولين أو أبحث عن هبات، هذا مستحيل، أنا أعيش طول عمري من فني بشكل جيد، حتى أنشطتي وسفرياتي أغطيها من جيبي. أنا مهما واجهت من صعوبات، حريصة على استقلالية المرسم.
* ما الأنشطة التي سيقوم بها المركز؟
– نحن أولاً ما ثبتناه إلى الآن أول خميس من كل شهر سيكون لدينا محاضرة عن تجربة عالمية مع الصور عن فنان عربي أو عالمي، حتى يكون هناك فائدة داخل المرسم. وهو جزء من التثقيف الفني والجمالي. أيضا تبني مجموعة من الندوات الجادة يكون موضوعها الأساسي الفن، حتى لو كانت الموسيقى، الشعر، علاقة الموسيقى باللوحة.. موضوعات كثيرة.
أنا مهتمة كثيراً بالموسيقى المحلية، فالموسيقى للأسف تتدهور مع تدهور الوضع، والكلمات تهبط. كان معروفا عن الأغنية اليمنية أنها راقية للغاية، وأنها مميزة، وأن الشعر الحميني بالذات لا يختلف عن شعر الحداثة، في بعض معانيه. لكن اليوم أغاني الفنانين الشباب غاية في الإسفاف من مفردات الشارع. نحن بحاجة للوقوف عندها، والمرسم سيقف عند أنشطة أبرزها هي التثقيف البصري، وإثارة القضايا الجمالية والفنية، ثم التركيز على ندوات نوعية ثقافية سواء في الشعر أو في الثقافة اليمنية. لكن يجب أن تكون نوعية وغير ما هو سائد في النشاطات الأخرى.
* برأيك أين تكمن مشكلة الفن والثقافة في اليمن؟
– أكثر من مرة تحدثت عن هذا الموضوع، فالمشكلة مشكلة بنية تقليدية. ولو لاحظت كم أن الثقافة التقليدية تلفظ الفنون، لأنها جديدة عليها، ليست إقصاء وتهميشا متعمدا، ولكن المسألة تقف عند مشاكل اقتصادية واجتماعية، ولطبيعة البنى التقليدية، وبالتالي الثقافة البصرية والفنية ليست جزءاً مهماً من تشكيل هذه الثقافة. لو دققت كثيرا في العالم ستجد أن السائد في العالم كله ثقافة الصورة، القنوات تعتمد على الصورة أكثر مما تعتمد على التعليق.
لكننا مازلنا في ثقافة الكلمة حتى على المستوى الخارجي، فالعمارات مثلا كلها أسمنت لها لون واحد، لا يمكن أن ترى عمارات تستخدم الفسيفساء أو الزخرفة. باستثناء الزخرفة التقليدية. المشكلة في سيادة الطابع التقليدي. لا يمكن أن ترى مؤسسة حكومية ضخمة أو مؤسسة اقتصادية خاصة مزينة بلوحات، حدث معي أن أحد الفنادق كانوا قرروا أن يزينوا الجدران باللوحات، ثم تغير رأيهم لأن اللوحات غالية، وسوف يقومون بشراء لوحات فوتوغرافية، فالمفروض أن يكون في الفنادق 3 نجوم، لوحات أصلية، فما بالك ب5 نجوم. هذه هي نظرة المجتمع للفنون، نظرة لا زالت قاصرة غير مدركة أهمية الفنون في الحياة.
الشارع الغربي وحتى الخليجي أصبح شارعاً الصورة في كل أجزائه، الإعلانات أساسية في وصول السلعة إلى المستهلك. هذه وسيلة جديدة لجذب المستهلك، لم تعد الإعلانات مكتوبة، لكن يكفي أن يضع لك صورة عملاقة لموبايل لتشتريه. السينما تعتمد على الصورة، حتى الفستان والحذاء، يضع له صورة حتى تشتريه. كل مناحي الحياة أصبحت عبارة عن صورة. الصورة تخدم الاقتصاد، هذا أيضا جزء من حياتنا في الاقتصاد، لكن الاقتصاد عندنا لا زال بعيداً تماماً عن هذه التصورات الجمالية، وهو متدهور ومتخلخل، نتيجة لعدم إدراك أهمية الفن. وما هو معروف في العالم أن اللوحة هي السلعة الوحيدة في العالم التي يزيد سعرها ولا ينقص.
لدينا مشكلة أخرى: المؤسسة الرسمية غير مهتمة، حتى وزارة الثقافة -مع احترامي للكل- ألاحظ أنها مدركة لهذه القضية، ولكن ميزانية الدولة المخصصة لوزارة الثقافة ميزانية مضحكة، وفي نفس الوقت المؤسسة الخاصة ليست مدركة لأهمية الفن. مازلنا بحاجة لوقت طويل لنصل إلى قناعة بأهمية الفن. مثلا يأتي رجل أعمال ليحدثك ساعات أن البلد بحاجة إلى الفن، لكنه لا يكلف نفسه شراء لوحة. فأقصد المشكلة متعلقة بوعي المجتمع.
وهذه إشكالية الثقافة في اليمن كالشعر، مثلاً أستغرب أن كثيراً من الندوات الشعرية والثقافية المجانية لا أحد يحضرها. في الغرب لا شيء مجاني، لأنها تعتبر مصدر دخل للفنان والشاعر. لا يوجد هناك شيء مجاني، عندما تنتهي من الأمسية التي تحييها تستلم مبلغاً هو قيمة للأمسية.
عندنا يضطر الشاعر أن يكون تاجرا أو موظفا حتى يعيش لأنهم يعتبرون أن الفن ليس وسيلة للحياة. مثلاً عندما تحاضر في الخارج يكون ذلك بمقابل، عكس ما يحدث لدينا فإنك تحاضر طوال الوقت مجاناً.
* ما موقف المثقفين والنخبة في اليمن؟
– أنا واحدة من الذين لديهم قناعة أنه لا وجود لنخبة في اليمن، نحن بلد غائبة فيه النخبة، لا توجد نخبة سياسية ولا ثقافية ولا اقتصادية. دعنا نتحدث عن النخبة الاقتصادية ومن هي؟ فهي لا تشكل أرستقراطية رجل ثري كان أبوه عاملا أو مزارعا. هناك سؤال أطرحه دائماً من هو الأرستقراطي؟ -هذا مثل إنجليزي- فيجيب الأرستقراطي هو الذي درس جده في السوربون، وجد جده في كامبردج، وجده الأخير في أكسفورد، وهو يدرس في هارفارد.. جامعات من أماكن متعددة. الأرستقراطية الاقتصادية هي أيضا أرستقراطية ثقافية. عندما نتحدث عن طبقات نتحدث عن ثقافة، لا نتحدث عن جذور اقتصادية فقط. فالنخبة في اليمن على المستوى الاقتصادي، هم محدثو نعمة، كما أسميهم. أين هو الشخص النخبوي الموجود على المستوى الاقتصادي غير موجود على المستوى السياسي؟ لا توجد أسر لها علاقة بالسياسة متوارثة مثل لبنان مثلاً. فالسياسي عندنا كان موظفا ثم أصبح وزيرا، أو عسكرياً تحول مسؤولاً. والمسألة تعني غياب النخبة السياسية، ولهذا ستلاحظ اختفاء المسؤول بعد يومين من الحياة السياسية. أين النخبة السياسية إذن؟ غير موجودة! ومثلها النخبة الثقافية، لدينا مجموعة أسماء متفرقة في حياتنا الثقافية، هذه ليست نخبة، والدليل أنها لا تعيش حياة نخبوية، بمعنى أن لها قراراتها واستقلاليتها في حياة المجتمع، فهم مثل عامة الشعب. والدليل على ذلك لو كان نخبوياً، لوجدنا أنه حياته مختلفة، لكن زوجته منقبة وتكون غير متعلمة، وحياته لا تختلف على حياة شخص أمي في داخل المنزل. إذن أين النخبة؟ النخبة هي سلوك قبل أن تكون مسميات. أنا مؤمنة بغياب النخبة في اليمن.