هنا رودس فاقفز هنا

هنا رودس فاقفز هنا*

المُعضلة اليمنية وأزمة الثقة
* سامي أمين عطا
إلى صديقي عبدالباري الناشري مصدر إلهامي، مناقشاتي معه تسفر عادةً مواضيع كتاباتي، له كل التحية والامتنان.
استهلال أول: يستطيع المرء -بواسطة القبح- أن يصل إلى السلطات، لكنه لن يصل عن طريقها إلى المجد. (نيتشه)
لا زال عدد من الكتاب والمثقفين يعيشون “أزمة فولتير” أو “أزمة التنويريين”، حيث كان فولتير في مرحلة من حياته يأمل، أن يأتي التغيير من فوق، أي أن يتم التغيير بإرادة عليا، بإرادة من الحاكم، كما كان ديدرو يعيش هذا الوهم كغيره من مفكري التنوير، الذي أعتقد أن التقدم الاجتماعي يمكن أن يكون إصلاحياً يبدأ من أعلى، وأنه يتوجب على المصلحين أن يضفروا برضا الملك. لكن فولتير وديدرو أيقنا بعد مناقشات الأخير -مع ملكة روسيا كاثرين الثانية (1729 – 1796)- خطّل فكرة كهذه؛ إذ قال حينها “يبدو لي، أن مصدر كل سلطة سياسية ومدنية، لا يمكن أن يكون سوى رضا الأمة.. فليست هناك سيادة حقيقية إلا سيادة الأمة، وليس ثمة مشرع حقيقي سوى الشعب… وسوف تكون القوانين عقيمة لا فائدة منها إذا كان هناك عضو واحد في المجتمع له الحصانة في انتهاكها.. الخط الأول في التصور السليم للقانون هو أنه ينبغي أن يكون ملزما للسيادة”. إنّ إقحام الوهم على واقع حال، نية حسنة تفضي إلى جهنم، ويغدو تغيير الحال من المحال.
إذا أردنا تفكيك الأزمة السياسية الراهنة؛ فإنها أزمة في المقام الأول بين فسطاطين: القوى التقليدية (المحافظة)، التي استأثرت بمقدرات الوطن، وهي قوى موجودة في السلطة، كما أنها موجودة في المعارضة، وقوى الحداثة (الليبرالية) دعاة التغيير والإصلاح، الذين يمثلون قوى التغيير، وهي قوى موجودة في السلطة، كما أنها موجودة في المعارضة أيضاً. لقد حولت أكاذيب النخبة المسيطرة على مقاليد الحكم في هذا البلد، الممارسة السياسية إلى ثقوب سوداء تتمتع بقدرة فائقة على التهام وتدمير كل شيء.
ودعونا نخالف ما قاله بيتر كمب من “أن الإنسان ينتج الشر مثلما ينتج النحل العسلـ”، فالإنسان بطبعه ليس شريراً، بل يجد نفسه ينضح بالشر مصادفةً. ينضح بالشر عندما يجد أناساً لهم من السذاجة ما يكفي لكي يصدقوه ولا يجدون من يوقف نزعة الشر لديه؛ فيقول لأشباهه من البشر “حذار أن تصغوا إلى هذا الدجال، فإنكم لهالكون إنْ أنتم نسيتم أنّ الثمار للجميع، وأن الأرض ليست ملكاً لأحد!” (جان جاك روسو، خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر)؛ فإذا كان التغيير سُنة طبيعية لا يمكن أن يوقفه كائن من كان “من يقاوم التغيير يشجع الانحدار (السقوط)، المكان الوحيد الذي يرفض التغير هو المقبرة” (هارولد ويلسون، رئيس وزراء بريطاني سابق). فإنه يحدث بطرائق مختلفة، إما أن يكون تغييراً إصلاحياً سلساً وسلمياً أو يكون تغييراً ثورياً محفوفاً بالمخاطر والمآسي.
هناك نموذجان للتغيير: النموذج الفرنسي والروسي، الذي أحدث التغيير عن طريق الثورة، والنموذج البريطاني، الذي أحدث التغيير عن طريق الإصلاح المتأني. لكن لكلا النموذجين شرطيهما. سئل الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في أحد حواراته مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 1959**، عن سر أن بريطانيا، على الرغم من أنها شهدت احتقانات عديدة، إلاّ أنها لم تشهد ثورة دموية كتلك التي شهدتها فرنسا وروسيا؛ في إجابة راسل على قدرة الإنجليز على الوفاق، قال: “قد تكون فضيلتنا الكبرى، لكننا لم نكن نمتلكها في القرن السابع عشر، وكان علينا أن نكابد الكثير من الاضطرابات بسبب ذلك. لكننا في سنة 1688 (يقصد الثورة التي أطاحت بالملك وقطع رأسه)، قرّرنا أن نضع حدا لتلك الاضطرابات، وهكذا تبنينا خطة التوفيق الدائم التي كان لها مفعول جيد. فعلى سبيل المثال عندما جاءت الثورة الفرنسية وُضع الأرستقراطيون الفرنسيون أمام خيار: “أتقبلون بالتخلي عن امتيازاتكم، أم تقطع رؤوسكم؟”، وكان جوابهم “بل تقطع رؤوسنا”، وذلك ما حصل. بينما في إنكلترا تضمن قانون الإصلاح الذي عُرض على البرلمان سنة 1832، مسألة التنازل عن امتيازات الأرستقراطية. وكان جدي، وهو أرستقراطي عريق، هو الذي قدم العريضة، وسعى إلى إجازتها أمام البرلمان… وأعتقد أنني مدين له بكونه أنقذ رأسه ورأس السلالة”.
إن التغيير قادم قادم لا محالة، ينبغي أن تقف السلطة ملياً أمام اختيارها، فإما أن تختار طريق الثورة، طريق العند والصلف، طريق البالدوزر (بالدوزر حسن حنفي)، بالدوزر يكنس هذا الركام والأوساخ، أو تختار طريق الإصلاح وتقديم التنازلات، طريق الحكمة والعقل، ولا يمكن أن يحدث التغيير بالوسيلة الثانية إلاّ عندما تشعر الطبقة المسيطرة على مقاليد الحكم بالخطر المحدق. وهذا الأمر يتطلب قدراً من الشعور بالمسؤولية، الغائب الأكبر في الأزمة اليمنية.
من أين يبدأ التغيير؟
استهلال ثانٍ: “لا يمكننا أن نطلق صفة الفضيلة على من يقتل مواطنيه ويتنكر لعهوده”. (نيتشه)
تتحمل السلطة الحاكمة وزر ما صنعت أيديها، عجزت أخيراً عن معالجة مشكلات المجتمع، انشغلت بإفساد المجتمع في ممارستها السياسية إفساداً منظماً، أفسدت معظم مفاصله، أفسدت معظم نخبه السياسية في السلطة، كما في المعارضة، كما أنها مارست سياسة إفساد منظم للحياة السياسية وتعطيل مفاعيل السياسة بما هي علم إدارة مصالح الناس المتعارضة؛ فأضحت السياسة بنسختها اليمنية وسيلة الحفاظ على مصالح الحاكم وبعض منتفعيه. ولقد كان المفكر أبو بكر السقاف محقا عندما عرف نمط الحكم في اليمن، بأنه نمط إنتاج الفساد (مقالة في صحيفة “صوت العمالـ” عدد 1119، 22 يوليو عام 93).
جري التعامل مع مشكلات الواقع اليمني وفقاً إلى سيكولوجية العاهرة (تتمنى العاهرة أن تكون كل النساء عاهرات) على قاعدة تعميم الرذيلة: ما فيش حد أحسن من حد. والنخبة اليمنية الحاكمة في أكثر من مناسبة تحاول أن تدفع عن نفسها تهمة الفساد، تلجأ إلى وصم خصومها ومعارضيها بالفساد، إن درء فسادها لا يتم باجتراح نقيضها، أي الفضيلة، بل من خلال جر الخصوم والمعارضين إلى مستنقع الفساد، ومَن لم تستطع معه فعلاً تكتفي ولو بالتمني. حتى بات الفساد ابن الزنا وخصم عفة المجتمع وطهارته، ابناً شرعياً يجري الدفاع عنه.
ما لم تدركه النخب السياسية، أن السياسة ميدان تُرتكب فيه الأخطاء، كما أن الأخطاء فيها على نوعين: نوع بسيط، يمكن إصلاحه بواسطة النقد والتصويب المستمر للإجراءات المتخذة، وآخر معقد، يصعب إصلاحه، يحتاج إلى إجراءات تناسبه ومن جنسه. وفي الحالة اليمنية تأسست الممارسة السياسية على باطل -وما بني على باطل فهو باطل-، إذ أوكلت مهمة بناء الحداثة إلى القوى التقليدية، وتوارت قوى الحداثة إلى الصفوف الخلفية، لذا لم يكن أمام هذه القوى التقليدية إلاّ أن تقود البلد بواسطة وقود الإفساد حتى تضمن بقاءها؛ فاتخذت مشروع الإفساد برنامج عملها، وواظبت على تنفيذه، وأضحى حقل الممارسة السياسية مرتعاً لاستزراع الرذيلة وتعميمها، ذلك أفضى إلى “رجس الخرابـ” هذا (رجس الخراب تعبير استخدمه المسيح بوصفه علامة قرب دمار أورشليم. ويستخدم الآن للإشارة إلى أي شيء بغيض وممقوت).
هذا نظامٌ، أسس مجتمع الرذيلة، شرعنها وكرسها في الواقع والممارسة؛ حتى غابت أو تم تغييب مجتمع الفضيلة. إنها نزعة كلبية وبامتياز، ذات مسحة دينية “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”. نظام أفسد كل شيء بدءاً بالقوى السياسية ونخبها (قادة أحزاب، ومنظمات ونقابات واتحادات ومؤسسات)، مروراً برجال المال والاقتصاد عبر منحهم صفقات غير مشروعة مقابل سكوتهم ورضاهم، وانتهاءً بإفساد المنظمات والهيئات الدولية العاملة في البلد. إنه يعمم الرذيلة ويستمرئها.
نظام يبني قوته على تخريب المجتمع وزرع الشقاق والخصومة في مفاصله، ينبش ماضي الناس ويذكرهم بمآسيهم؛ حتى يواصل سياساته القديمة: العيش على فرقتهم وتناحرهم، وكلما اتجه المجتمع إلى إطفاء حرائقه، من خلال إشاعة مبدأ التصالح والتسامح، فإن النظام يذهب باتجاه إذكاء الحرائق وإضرام نيران الفتن. ولا يدرك أنه بذلك يحفر قبره بيده ويسير عكس التيار. “ذلك الذي ينفخ في نار النزاعات ليس من حقه الشكوى إذا تطاير الشرر في وجهه…” (بنيامين فرانكلين).
إن أس وجذر المشكلة اليمنية أزمة الثقة المستفحلة بين أطراف العمل السياسي؛ أزمة زرعتها السلطة والنظام السياسي بممارساتها غير المسؤولة، وتتحمل معظم وزره، لأنها أدارت الشأن السياسي بميكيافلية لا تخفى على أحد، لذا هي تحصد ما زرعته يداها، ولا مخرج من هذه المشكلة بنظري إلاّ بوجود طرف ثالث أو أطراف ترعى حواراً جاداً ومسؤولاً، وتكون شاهداً على تنفيذه. لقد استمرأت السلطة الكذب والخداع وترحيل الأزمات كثيراً، ولم تدرك أن حبال الكذب قصيرة؛ فأزمة الثقة أضحت جداراً سميكاً يصعب تحطيمه، إلاّ بمزيد من الإجراءات من قبلها؛ فلا يمكن تعزيز الثقة إلاّ بعددٍ من الاستحقاقات، لعل أولها تقديم التنازلات، والمعضلة، هنا، أن هناك أطرافاً في السلطة لن يرضيها أية مبادرات، وليست مستعدة إلى تقديم تنازلات تأتي على حساب مصالحها، كما أن هناك أطرافاً في المعارضة سترفض الدخول أو التعامل مع مثل هذه المبادرة، لأنها لا تلبي مصالحها.
باتت المعضلة اليوم، أكبر من أي حلول ممكنة، إن المجتمع اليوم لن يقبل بأنصاف الحلول، ولن يقبل بأقل من التغيير. إن السلطة بيدها مقاليد الأمور، تستطيع أن تجعل التغيير إصلاحياً، لكنها أمام استحقاقات كبيرة، تتطلب منها تضحيات جسيمة، أو أن الأمور ستزداد سوءاً وتعقيداً؛ فسيأتي التغيير على الطريقة الفرنسية والروسية.
كما ينبغي التنويه إلى مسألة جوهرية: إذا كان النظام دفع بمبادرته لا استشعاراً بحجم المخاطر الماثلة، بل بنفس العقلية الميكيافلية المواربة المداهنة والمخاتلة؛ فإن عدم حلحلتها سيعني في نهاية المطاف فوضى عارمة، لن يستطيع أحد أن يحلها بعد ذلك أبداً. ولأجل حل المعضلة اليمنية، لابد أولاً من إحداث قطيعة مع الذهنية الميكيافلية، وأن تبتعد السلطة والنظام عن الدوران حول رأس النظام، بل ينبغي أن يدور الجميع حول مشكلات الواقع، ويستشعروا كمها الهائل، حتى لو أفضت إلى تغيير النظام برمته، إذا فقد الفاعلون السياسيون إمكانية التعاطي مع حلول ممكنة تلبي شروط اعتمالات الواقع؛ بعقل مفتوح وخطاب سياسي جديد، يضع في المقدمة المصالح العليا للمجتمع؛ فإن رجس الخراب قادم لا محالة؛ لذا يجب التفكير في مصلحة 23 مليون إنسان، لا بمصير ثلة أو جماعة بيدها مقاليد الأمور اليوم، فهؤلاء لن يكتووا بنار أعمالهم، فهم في نهاية المطاف سيتركون البلد والناس مع أقرب فرصة، ويرحلون كما رحل سابقوهم.
كفوا عن التفكير بأنانية مفرطة!
* هذه الكلمات من حكاية لايسوب حول أن متبجحاً ادعى أنه يستطيع الإتيان بشاهد ليثبت أنه قام بقفزة عظيمة في رودس، فكان الجواب: “لماذا تأتي بشاهد إن كنت قفزت حقاً. ها هي رودس فاقفز هنا”، وبمعنى آخر: “أظهر لنا تماماً ما تستطيع فعله”. “رودس” باليونانية تعني الوردة.
** انظر برتراند راسل، الفلسفة وقضايا الحياة، سلسلة حوارات أجراها وودرو ويات، ترجمة علي مصباح، دار المعرفة للنشر تونس، ط1، 2004، حوارات تلفزيونية سنة 1959، ص104 – 105).
sami_atta