في الجزء الاخير من ملف تحولات الجنوب:

في الجزء الاخير من ملف تحولات الجنوب:

 * كيف أصبح الجنوب مختلفاً عما كان عليه في حرب 94
*  فرقاء أحداث يناير يحاولون ترميم تصدعاتهم.. والبيض يعتقد أن لديه طريقاً سيقود الجنوب إلى مجلس الأمن
*  تقرير أمريكي يتحدث عن سيناريو محتمل لحرب أهلية وهناك شك بأن الوحدة ستستمر
*  ماذا عن تحالفات الرئيس في الجنوب..  ولماذا بدأت بالتآكل؟
ملف اعده: عبدالعزيز المجيدي
aziz.press
عدم الاعتراف بالأزمة المستفحلة في الجنوب سيقود لا محالة إلى كارثة محققة. فالمراهنة على الوقت والمناورات لن يقود إلى شيء، باستثناء أن الأزمة ستحصد المزيد من الأسباب لتفاقمهما على نحو يصعب احتواؤه.
لقد قضت النخبة السياسية الكثير من الوقت في التقليل من شأن التطورات التي تشهدها المحافظات الجنوبية. والآن ستكون المكابرة كمن يمضي إلى حتفه بيقين وهو مغمض العينين.
مع مرور الوقت ستصبح المشكلة أكثر تعقيدا، وستقل بصورة أكبر فرص التعامل معها كمشكلة يمنية، وقد بدأت نذر ذلك تلوح، في الطريق إلى جحيم لن يوفر أحدا.
اختبار (مقلق) لتحالفات السلطة
نهاية أبريل 2009 كان المشهد ملتهباً كما هو الآن، فبعض المواجهات بين المواطنين ونشطاء في الحراك مع الجيش، بدأت تأخذ طابعاً مسلحاً.
حينها أطلق الرئيس صالح تحذيره الشهير من أن حدوث الانفصال سيقود إلى “حرب من طاقة إلى طاقة”. كان يفعل ذلك في حضرة المئات من الشخصيات والقيادت الجنوبية في الدولة، بعضهم جيء بهم من محافظاتهم إلى صنعاء.
كان الرئيس كما بدا حريصاً على إيصال تحذيراته للقاعة بصورة رئيسية.
اعترف الرجل بحدوث أخطاء في الجنوب، وأن “هناك تداعيات سلبية لا أحد ينكرها قد تعيدنا إلى المربع رقم واحد”.
لكن ما كان لافتاً هو أن الرئيس حمّل جميع القيادات الجنوبية في الدولة المسؤولية عما يحدث في المحافظات الجنوبية من مشاكل، وطالبهم بحلها. ربما كان الرئيس وقتها يريد اختبار تحالفاته في الجنوب، ووضعها أمام محكات عملية مع تزايد المطالب المنادية بالانفصال.
لاشك أن ساحة السلطة في الجنوب مليئة بالحلفاء، والكثير منهم موجودون في مواقع رفيعة. وبالإضافة إلى سياسيين سابقين، يمتلك النظام تحالفات اجتماعية واسعة ركزت على استرضاء الوجاهات والمشائخ.
لكن هذه التحالفات بدت عديمة الجدوى، وغالباً كانت غير فعالة في تهدئة الساحة الجنوبية المضطربة بشكل أزعج الرئيس تماماً كما تقول مصادر سياسية.
غير افتقاد الفعالية، هناك ما هو أكثر تهديداً بالنسبة للسلطة: تآكل تحالفاتها في الجنوب، خصوصاً في أوساط المشائخ سندها الرئيس.
ارتبط صالح بن فريد بن محسن شيخ مشائخ العوالق في شبوة، بعلاقة تحالفية مع السلطة عقب حرب 94. قبلها كان مستقراً في دولة الإمارات، في ما يشبه حالة نفي كعديد من أسر المشيخات والسلطنات التي كانت قائمة في الجنوب، وانتهت بعد الاستقلال.
لقد عاد الشيخ إلى منطقته في شبوة، مستعيداً تاريخاً من النفوذ والتأثير بعد هزيمة الحزب الاشتراكي في حرب 94.
عام 97 نزل في الانتخابات النيابية كمرشح مستقل،وفاز، وفي 2003 عاد للترشح مجدداً لكن باسم المؤتمر الشعبي العام، وحافظ على مقعده.
يشير مسار العلاقة بين الرجل والسلطة، إلى أنها كانت تأخذ شكلاً متصاعداً. والآن أصبح الرجل أقرب إلى الحراك الجنوبي منه إلى السلطة، بحسب مصادر عليمة.
حاولت “النداء” التحدث إليه مراراً، وكان هاتفه مغلقاً. ورجحت المصادر أن يكون موجوداً خارج البلاد؛ في دولة الإمارات.
حتى الآن ما يزال الرجل عضواً في مجلس النواب، لكنه يلازم حالة من الاعتكاف الاحتجاجي منذ مدة، في منزله بعدن، ومنها ينتقل أحياناً إلى دبي.
بحسب المعلومات، فقد أصبح للرجل مواقف رافضة للطريقة التي تتعاطى بها السلطة مع الاحتجاجات في الجنوب.
يواجه الرجل متاعب شخصية، ويتهم السلطة بالوقوف وراء حرمانه من جنسية دولة الإمارات التي حصل عليها عندما كان مقيماً في أبوظبي.
وإلى بن فريد، هناك شخصية أخرى تلعب دوراً متنامياً في يافع، إنه الشيخ عبدالرب النقيب شيخ مشائخ يافع بمحافظة لحج.
تقول المعلومات التي توفرت عن الرجل إنه كان مقيماً في المملكة العربية السعودية حتى نهاية حرب 94، وعاد لاحقاً، وكان أقرب إلى مزاج السلطة.
لقد تعرضت خارطة تحالفات السلطة في الجنوب طوال المدة اللاحقة للحرب، لهزات عنيفة أدت إلى تململات جنوبية، سيما في صفوف الجماعات التي ورثت ما يمكن تسميته بشراكة الحزب الاشتراكي وتمثيل الجنوب.
وبينما كانت قيادات وشخصيات جنوبية تعود من الخارج وفق تسويات مع السلطة، كان هناك من يغادرون أيضاً. وإلى اللجوء الشهير للسفير أحمد الحسني، سُجلت حالتا لجوء لسفيرين آخرين من أبناء المحافظات الجنوبية. كانت هذه بعض شواهد فحسب لحالات تململ جنوبية استمرت في التصاعد حتى في صفوف المنخرطين في مواقع قيادية في الدولة.
تهتم هذه المادة لقراءة بعض التحولات في مشهد التحالفات الناجمة عن الحراك أو المتساوقة معه.
لم يمضِ وقت طويل منذ أن أعلن الشيخ عبدالرب النقيب انضمامه للحراك. إنها فترة لا تزيد عن 9 أشهر، لعلها جاءت في خضم تحولات كثيرة لمشائخ أعقبت تحول الشيخ طارق الفضلي عن تحالفه القوي مع السلطة.
أصبح الشيخ النقيب يعبر عن مواقف علنية مساندة للحراك السلمي، ويشددعلى حق “استعادة دولة الجنوبـ”.
حاولت “النداء” الاتصال به مراراً، ويبدو أنه يعيش ظروفاً غير طبيعية، فهو على الدوام يغير أرقام هواتفه، ولايكاد يعثر له على عنوان حتى يصبح خارج الخدمة.
لكن أبرز تحول مثّل صدمة حقيقية (كما بدا) وهيمن على الخطاب الإعلامي للسلطة، هو إعلان الشيخ طارق الفضلي تغيير مساه نحو الحراك الجنوبي. لقد أدى ذلك التحول إلى تداعيات ظهرت بصورة جلية على أكثر القبائل بأساً في أبين.
بحسب مصدر محلي، فإن مجاميع كبيرة من المراقشة وجزءاً كبيراً من قبائل آل فضل تقف إلى جوار الفضلي، بينما لا تزال مجاميع أخرى تقف إلى الصف المساند للسلطة.
ذلك ما يبدو ظاهراً كعملية فرز متنامية هناك. فضلاً عن ذلك هناك تعاطف مع الحراك حتى في صفوف مسؤولين محليين وسياسيين ووجاهات اجتماعية أخرى تربطها علاقة بالسلطة وفقا لمصادرموثوقة.
بعيداً عن الميدان كانت التصدعات تطال حتى بعض مستشاري الرئيس.
نهاية يناير الماضي، خرج السياسي المعروف سالم صالح محمد بلهجة غير معتادة منذ أن عادل إلى البلاد من المنفى عام 2000. لقد غادر مربع التسوية التي رجع بموجبها ليعين مستشاراً للرئيس، وأصبح أكثر تعاطفاً مع الحراك الجنوبي.
فقد اتهم السلطات باستخدام القوة المفرطة “تجاه المظاهرات التي يشارك فيها الناس العزل من السلاح، مطالبين بحقوقهم الثابتة التي كفلها لهم الدستور واتفاقيات الوحدة”. وذكّر بالتحالف المشبوه مع العناصر الإرهابية في حرب 94، في معرض نفي للعلاقة بين تنظيم القاعدة والحراك.
وكان سالم صالح يتحدث لـ”الشرق الأوسط” من دبي، ويعتقد أنه مازال موجوداً فيها حتى الآن.
وصف موقعه كمستشار لرئيس الجمهورية بالفخري، وطالب بالتعامل مع الحراك الجنوبي والحوار مع قياداته، وضرورة “مراعاة حقوق الجنوب كشريك في الوحدة التي أضرت بها حرب 94 بنتائجها المدمرة”.
لقد أخفقت السياسات الرسمية في احتواء الساحة الجنوبية، فبينما كانت تنفق مئات المليارات للتأثير على مواقف الوجاهات الاجتماعية والشخصيات الجنوبية ذات النفوذ، كان الحراك يواصل كسب المزيد من المتعاطفين حتى في أشد المناطق صعوبة.
يقول أحمد طلان، وهو عضو مجلس محلي سابق في مديرية عسيلان بشبوة: “تعاملت السلطة بطريقة الترغيب لمعالجة مشاكل الأشخاص، وليس علاج المشكلة نفسها”.
بالإضافة إلى الترغيب، فقد استخدمت السلطة سياسة الترهيب، وهذه “وسيلة تلجأ لها السلطة إذا لم ينجح الترغيبـ” يقول طلان، مضيفاً: “لا الترغيب ولا الترهيب يتم استخدامه بصورة صحيحة وعقلانية”.
لدى المسؤول المحلي السابق، وهو عضو في مجلس شورى حزب الإصلاح، موقف رافض للدعوة التي يطلقها الحراك لفك الارتباط، ويعتبرها غير مجدية. مع ذلك يضيف “من الناحية العملية الحراك يكسب الآن، لكن ببطء. لو اتجه لتبني قضايا خارج نطاق الانفصال، أعتقد أنه سيكسب كثيراً”.
لا يبدي الرجل الخمسيني حماساً لما تعلنه الوجاهات الاجتماعية من مواقف مناهضة للسلطة، فهو أكثر ميلاً للقراءة التي تجعل المال لاعباً رئيسياً في هذا الجانب. “الناس بالغريزة يحبون المال، وبعضهم يلعبون على أكثر من حبل لأنهم يحبون المصالح”.
لكنه يتوقع أن يكسب الحراك المزيد من الأنصار “إذا استمرت السلطة في تعنتها بعدم معالجة قضايا الجنوبـ”.
على الدوام كانت خطابات كبار المسؤولين حيال التطورات في الجنوب لا تخلو من إشارات بوجود تصدعات حقيقية.
يحلو للرئيس غالباً في معظم خطاباته التي تتطرق للحراك، أن يصف الوضع على هذا النحو: “من فقد مصالحه قال أنا مع الحراكـ”.
**********
تحولات رجل هيج المشاعر ويحظى بخصوصية
تعيش مدينة زنجبار حالة هدوء منذ أكثر من شهرين. إنها فترة الهدنة التي وقعها الرجل المثير للجدل مع السلطة، وجمدت الأنشطة الاحتجاجية للحراك.
بحسب مصادر محلية، فإن الحياة في المدينة تمضي بصورة طبيعية، ولم يلاحظ أي وجود عسكري استثنائي، سواء في المدينة أو جوار منزل الشيخ طارق الفضلي، حتى مساء الجمعة.
مطلع مارس الفائت، قادت شخصيات اجتماعية وقيادات جنوبية مقربة، وساطة بالتزامن مع حملة أمنية وعسكرية على المدينة، لتهدئة أجواء التوتر بين الفضلي والسلطة.
لقد وصفت بعض التقارير ما تم بالصفقة، بينما حافظ الفضلي والمقربون منه على وصفها بالهدنة المؤقتة. والتزم الفضلي لاحقا الصمت، ومعه فعل الحراك أيضا في زنجبار.
بموجب اتفاق الهدنة تعين على الرجل المنشق إنزال الأعلام الشطرية من على منزله، وخلع صور علي سالم البيض التي كانت انتشرت في شوارع المدينة على نطاق واسع، وتجميد الأنشطة الاحتجاجية لأتباعه، مقابل رفع الحصار العسكري عن منزله، والحملة عن المدينة. حينها قالت مصادر مقربة منه إن الهدنة مؤقتة، ومدتها شهران فقط. ولم تمر الخطوة دون أن تثير حفيظة ناشطين في الحراك، وغذت شكوكا وصفت الرجل في بيانات مجهولة، “بالمتآمر على الحراكـ”.
كان لافتا أن الحراك لم يعلق رسميا على الخطوة بما ينم عن انزعاج أو شك، رغم أن الأمر تم التعبير عنه بصورة غير معلنة على ما ذكرت مصادر للصحيفة. ولاحقا أظهرت قيادات بارزة في الحراك تفهماً لما يرونه وضعاً خاصا بالفضلي.
يقول ناصر الخبجي، نائب رئيس المجلس الأعلى للحراك السلمي: نحن نتفهم ما قام به الشيخ الفضلي. إنها هدنة مؤقتة، وجاءت نتيجة للحصار الأمني والعسكري لمدينة زنجبار”.
لقد توقفت حنجرة الشيخ بالغ التأثير في أبين، عن العمل، وإطلاق الخطب الحماسية، ولم يعد ملهماً للجماهير الساخطة بوعود “الخلاص” أو “حتى ثورة الحجارة”.
كان بدأ الفضلي يأخذ موقع الصدارة في صفوف الحراك عندما أعلن بصورة مفاجئة في أبريل 2009 انضمامه للمطالب المنادية “باستعادة دولة الجنوبـ”. وبينما كان يشرع في الخطوة كان يرسم معالم تحول مثير لم يخلُ من علامات استفهام.
لقد أنهى دون مقدمات علاقة تحالفية مع النظام منذ ما قبل حرب 94، وكانت توطدت أكثر بعلاقة مصاهرة مع القائد العسكري النافذ، اللواء علي محسن الأحمر.
بتجربة “جهادية” قادمة من أفغانستان أسامة بن لادن، عاد الشاب لينضم إلى تحالف صنعاء في حرب 94، ولديه حساب خاص جدا مع الحزب الاشتراكي: الانتقام من المرحلة الثورية التي أنهت سلطنة والده في أبين ضمن سلطانات وإمارات جنوبية أخرى بعد الاستقلال في 69.
وقد حظي بعد الحرب بنفوذ، ومصالح، وعلاقة خاصة مكنته من “الدخول إلى القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس متى يريد” حد تصريحاته. وكان في موقع قيادي رفيع في حزب الرئيس (عضو اللجنة العامة بالمؤتمر الشعبي العام) إلى أبريل 2009.
لقد اتسمت الخطوة بالدراماتيكية، فسرها البعض حينها بأنها “محاولة من السلطة لاختراق الحراك الجنوبي” بواسطة حليفها المدلل. مقابل تلك القفزة الكبيرة، حاولت قوى الحراك التحلي بواقعية سياسية، فقد رحبت بقراره بحذر، وفضلت إبقاء الباب مفتوحا أمام كل القوى الجنوبية، بما يجنبها على الأقل الوقوع في فخ المجابهات الجنوبية الجنوبية كما حدث في حرب 94.
لعل الفضلي كان له دوافعه الخاصة أيضا. وربما خلص من قراءة مجريات الأمور في الجنوب، إلى أن المستقبل بدأ يتسرب، فحجز مقعدا متقدما في صفوفه. هذه ليست سوى واحدة من قراءات عديدة.
ربما وجدت بعض فصائل الحراك نفسها في خضم مضاربة خطابية، مؤججة لعواطف الناس، فارتفعت “سقوف” المطالب لدى الجميع، وبدا أن الأكثر قدرة على التهييج هو الأكثر قدرة على جذب أفئدة الجماهير. إنه التحول العاصف الذي جلبته خطابات الفضلي.
منذ البداية أظهر الرجل حماسة منقطعة النظير، للقضية الجنوبية، واندفع بقوة نحو الوعود الكبيرة “حيث استعادة دولة الجنوبـ”، بالإضافة إلى “طرد الاحتلالـ”، والتأكيد على شرعية “الرئيس علي سالم البيض للجنوبـ”. ولوح باستخدام القوة لتحقيق مطالب الجنوب، فحظي بتأثير متزايد، وأصبح لاعبا رئيسيا في ميدان الحراك بأبين في فترة قياسية. وقد أصبح الرجل بالنسبة لصنعاء سببا للحصول على دعم دولي لتشديد قبضتها على الجنوب، فاتهمت الحراك بالارتباط بتنظيم القاعدة.
لقد حاولت صنعاء إيقاظ سجله “الجهادي” والارتباط بتنظيم القاعدة في ما يشبه سياسة خلط الأوراق في الجنوب. لمواجهة ذلك، واصل الرجل تقديم عروضه المثيرة. فركض ربما أبعد مما توقعته السلطة في سباق تدعيم التحالفات مع الخارج، ومحاولة فتح قنوات اتصال مباشرة معها. لكن هذه الأطراف ليست أحدا. إنها أمريكا المستغرقة في ملاحقة حتى روائح أسامة بن لادن، في خضم ما يسمى الحرب على الإرهاب.
في خطوة غير مسبوقة، رفع الفضلي، على سارية قصره بزنجبار، علم أمريكا، وفي باحته أذاع عبر مكبرات الصوت السلام الوطني للقوة العظمى. وذهب بعيدا حيث سياسة ما بعد “الدولة” الموعودة، فأعلن التزام الجنوب في تصريحات متزامنة بتأمين مصالح أمريكا، ورحب بعودة بريطانيا إلى “الجنوب العربي”. وكرر اتهام صنعاء بالارتباط بالقاعدة، وأن “القاعدة تنطلق من القصر الجمهوري”. إنها الجملة الأثيرة في خطاب قادة الجنوب بالإضافة إلى الفضلي. ويبدو أن الفضلي كما صنعاء يعود إلى سجل تحالفه القديم ليستعين بملفات، لا شك أن الطرفين يقدران جيدا السلاح الخطير لدى الآخر.
لكن مسار التصعيد الذي التزمه الفضلي، لم يدم طويلا، وسرعان ما خمدت الحنجرة الملتهبة “بالاستقلالـ” على وقع فوهات ساخنة كانت موجهة إلى الرأس مباشرة.
وبدلا من المجابهة فضل الرجل أن يعقد “هدنة” أو “صفقة” نجحت على ما يبدو في إعادة الهدوء إلى زنجبار. إن ديمومة الهدوء هناك مرتبطة على نحو خاص بتصرفات الطرفين: السلطة والفضلي شخصيا. كادت الهدنة أن تنتهي في أبريل عندما تمكن عنصر من الأمن من التسلل إلى منزل الفضلي، وقد قبض عليه، واعتبرها الفضلي إنهاء للهدنة، وتم تطويق الموقف على الفور عندما قالت السلطات إن منفذ التسلل كان في حالة غير طبيعية، وقد أحيل للتحقيق.
من خلال الهدنة ربما تكون السلطات قد لمست إشارات إيجابية، لنتائج الحملة العسكرية والأمنية، فالقبضة المشددة نجحت كما بدا في إخماد الاضطرابات في زنجبار على وجه التحديد، لكن هذه المؤشرات لم تلمسها في بقية المحافظات الملتهبة. لعلها نفس الخصوصية التي تحافظ على الفضلي وسط الحراك.
لماذا لم تكن هذه الوسيلة فعالة في الضالع ولحج؟
ما من إشارة إلى أن السلطات بذلت مساعي بذات الحجم مع الفضلي. لكن الشعور بالانقسام الذي توخته هذه السياسة في أوساط الحراك، باستدعاء الإرث الصراعي بين المناطق، لم يؤتِ أكله على ما يبدو. يقول ناصر الخبجي عما إذا كان ممكنا توقيع هدنة في بقية المناطق: “لكل واحد ظروفه، وتعود الأمور لتقديراته”. ويضيف، وهو يؤكد على وجود مبرر للهدنة في زنجبار: “هناك ظروف خاصة دفعت الشيخ الفضلي لتوقيع الهدنة المؤقتة، فالأمور في أبين كان يمكن أن تصل إلى مواجهة مسلحة، ونحن حراكنا سلمي”.
فهل ستستمر الهدنة طويلا في أبين بعد أيام من نهاية مدتها؟
بالنسبة لساحة متحركة بالإحداث يصعب الجزم بأن شيئا ثابت وراسخ في مكانه بصورة نهائية.
**********
 
يحاولون ترميم تصدعاتهم العميقة
خلافاً لما كان عليه الأمر في 94، سيواجه الرئيس علي عبدالله صالح، هذه المرة، جنوباً مختلفاً. إنه جنوب يحاول ترميم تصدعاته لمواجهة ما يعتقد أنه “استعلاء شمالي”.
نهاية ديسمبر الفائت، جلس علي سالم البيض وعلي ناصر محمد جنبا إلى جنب، كآخر فرقاء أحداث يناير التي عصفت بالجنوب، قبل أن يمضي إلى الوحدة.
لقد تغير الأمر على نحو جذري، فالجنوب الذي توزع على ضفتي حرب 1994 بفعل آثار يناير، أصبح أكثر ميلا الآن لأن يصبح جنوبا واحدا.
عندما التقى البيض وناصر في بيروت، كان الرجلان يطويان ربع قرن من القطيعة التي عصفت بأجنحة متصارعة داخل الحزب الاشتراكي في 1986، توزعت بين “الزمرة والطغمة”، وقد أسسا، كما بدا، لواحد من أهم التحولات التي تشهدها القضية الجنوبية وحركة الاحتجاجات حاليا.
مع ذلك، فالعلاقة الطرية بين الرجلين لا تخلو من اختلاف “يقوم على التفهم”، فالبيض يتولى الآن قيادة مطالب “فك الارتباط واستعادة دولة الجنوبـ”، في حين ما يزال ناصر حتى اللحظة يفضل البقاء مع خيار “يمن موحد”، لكن الطريق إليه يبدأ من الاعتراف بالقضية الجنوبية في بعدها السياسي تحديدا.
بحسب تصريح عقب اللقاء للرئيس علي ناصر، لم يخلُ من رسائل سياسية، فإن الخطوة جاءت في إطار “نهج التصالح والتسامح بين أبناء الجنوبـ”، الذي بدأ من جمعية ردفان بلحج في يناير 2006، شارك فيه مئات المتقاعدين العسكريين من مختلف المحافظات الجنوبية.
لكن التقارب بين الرجلين لم يكن سوى تتويج لمساعي تشكيل ما يبدو أنها جبهة جنوبية موحدة في الخارج، على الأقل بين أبرز القيادات المنقسمة في حرب 86.
ورغم بعض التباينات بين أطراف الحراك في الداخل حيال عودة بعض القيادات الجنوبية في الخارج إلى مشهد الصراع المحتدم مع السلطة الآن، على ما تقول مصادر مقربة، أصبح الحراك يتوفر الآن على قيادات تمثل إلى حد كبير رمزية سياسية للجنوب في الخارج، ربما تلعب أدوارا جوهرية في مسار “القضية الجنوبية”.
وإلى البيض وناصر هناك اثنان من أهم القيادات الجنوبية في الخارج، يبرزان في مشهد التحولات الجنوبية: حيدر العطاس، ومحمد علي أحمد. فضلا عن ذلك، هناك ما يشبه تبادل أدوار بين تلك القيادات لمواجهة استحقاقات “أزمة الجنوب المشتعلـ”.
كانت التحولات في المواقف في البداية تأخذ شكل المبادرات الشخصية غير المنسقة، فقبل خروج البيض عن بياته السياسي الطويل، كان حيدر العطاس هو أول من أطلق مطلب “فك الارتباط”، وحتى يونيو 2009 كان الرئيس السابق علي ناصر محمد يحتفظ بموقف رافض لأي تدخلات خارجية، ويشدد على أن “الحل ينبغي أن يكون وطنيا بدرجة أساسية”.
لكن الرجلين ربما انتهجا شكلاً من الحوار أفضى إلى تراجع أحد الطرفين خطوة مقابل أن يتقدم الآخر خطوة مشابهة، وخرج الاثنان لاحقا بمواقف منسقة شكلت بداية تحول في صفوف القيادات السياسية الجنوبية في الخارج. لعلها استكشافات للمحيط الإقليمي والدولي أدت إلى هذا التوافق.
بالنسبة للعطاس لم يعد “فك الارتباط” مطلبه الملح، أما ناصر فالتدخل الخارجي “لحل المشكلة في الجنوبـ” بات شرا لابد منه “بسبب فقدان الثقة بالسلطة في صنعاء”.
وقد أصدر الرجلان بيانات مشتركة حيال مستجدات عديدة على الساحة الجنوبية، حملت السلطة المسؤولية عما يجري في الجنوب، وحذرت من انزلاق الأوضاع “إلى ما لا تحمد عقباه”.
آخر بيان مشترك للرجلين كان في 26 مارس الفائت، وحمل توقيع الرئيس علي ناصر والرئيس حيدر العطاس. وجاء تزامنا مع انعقاد القمة العربية في سرت، واستمرار حملة أمنية وعسكرية شنتها السلطة على “عناصر التخريب والخارجين عن القانون” في محافظات: لحج، أبين، والضالع.
ناشد البيان الدول العربية، وتحديدا دول الجوار العربي لليمن، والمجتمع الدولي “ممثلا بمجلس الأمن، ومنظمات الأمم المتحدة الإنسانية والحقوقية، والاتحاد الأوروبي، العمل على وقف الحملة العسكرية والحصار الاقتصادي وقطع شبكة الاتصالات على المحافظات الجنوبية”.
لكن أبرز ما حمله البيان كان مطالبة ذات الجهات “بالضغط على السلطة للاعتراف بالقضية الجنوبية، كقضية سياسية، لإبداء حسن النية والرغبة في إيجاد المعالجة العادلة لها، والضغط عليها أيضا لدفعها للحوار الجاد غير المشروط تحت رعاية عربية ودولية، في مقر الجامعة العربية والأمم المتحدة، وذلك لإيجاد المعالجات الجذرية للقضية الجنوبية، وبقية القضايا السياسية الأخرى”.
على الجهة الأخرى كان هناك مواقف أخرى منسقة بين علي سالم البيض، والقيادي البارز محمد علي أحمد. والاثنان، يشددان على أن “فك الارتباط” هو “مشروع الشعب الجنوبي واستعادة دولة الجنوب المستقلة”.
واجه علي ناصر محمد، حملة رسمية، منذ بداية انطلاق حركة الاحتجاجات، ولوحت السلطة مرارا بفتح ملف أحداث 13 يناير، فالرجل كان متهما بأنه العقل المدبر لما يحدث في الجنوب، ضاعف من الشكوك، رفع صوره في معظم فعاليات الحراك في طورها الأول.
وقد تغير الأمر لاحقا مع ظهور ما يعتبره الجنوبيون “الرئيس الشرعي لدولة الجنوبـ”، فقد كان صاحب قرار الوحدة الاندماجية مع الشمال، والموقع على اتفاقية الوحدة. وعاد “البيض” مجددا ليكون الرجل الأول، على الأقل صورا في أنشطة الحراك الاحتجاجية.
لقد اعتبر الرجل في أول ظهور له أن “النضال السلمي” لن يكون سقفا للاحتجاجات الجنوبية، وتوعد أحيانا بالرد على ما قال “إنها جرائم قتل ضد المواطنين الجنوبيين”.
على الدوام ظهر خطاب البيض متوافقا مع ما يعتقد أنه الرجل الجنوبي القوي ذو النزعة العسكرية؛ محمد علي أحمد، وقد أثار الاثنان انزعاج صنعاء التي طالبت مؤخرا بتسليمهما. إنها نفس الوسيلة التي لوحت بها صنعاء مراراً في وجه حيدر العطاس لكبح تحركاته الخارجية النشطة، لكنها كانت عديمة الجدوى.
في 18 ديسمبر الفائت، طالبت اللجنة الأمنية العليا، الدول التي يقيم فيها الرجلان، بتسليمهما لليمن كـ”مطلوبين للعدالة”، ووجهت لهما اتهامات بـ”التحالف مع القاعدة والدفاع عنها وتمويلها لارتكاب أعمال إرهابية”، واعتبرتهما “لا يقلان خطرا عن عناصر تنظيم القاعدة”.
وجاء ذلك ردا على تصريحات للرجلين أدانت قصف الطيران “للمدنيين العزلـ” في منطقة المعجلة بأبين “والتي راح ضحيتها قرابة 60 شخصا معظمهم من النساء والأطفالـ”، وقالت السلطات إنها استهدفت معسكرا للقاعدة.
لعل ما أثار السلطة وقتها أن بيان البيض عاد مجددا لاتهام السلطة بتبني القاعدة، وقال إن “”تذرع النظام بوجود لتنظيم القاعدة في الجنوب عارٍ كليا عن الصحة، ويعرف القاصي والداني أن نظام صنعاء هو الذي احتضن هذا التنظيم الذي لا وجود له أو حضور في الجنوبـ”.
وقد دفعت محاولات صنعاء المستمرة لربط الحراك الجنوبي وقياداته بتنظيم القاعدة، أبرز القيادات الجنوبية في الخارج إلى التضامن. فقد كان من أهم مطالب ناصر والعطاس للمجتمع الدولي، في بيانهما المشترك الأخير، “وضع حد للاستخدام السيئ لموضوع الإرهاب، من خلال إقحامه بالأبرياء وأصحاب القضايا الوطنية بغرض التضليل الخارجي وتصفية الخصوم السياسيين وارتكاب جرائم قتل بأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ”.
بالنسبة لمحمد علي احمد فقد أصبح لاحقا واحدا من أكثر القيادات المتشددة في الخارج الرافضة لأي حلول لأزمة الجنوب، أقل من “فك الارتباط”، وهو أكثر ميلا للجوء لخيارات “أخرى” غير النضال السلمي.
تقول بعض المعلومات إن الرجل يخطط للعودة إلى الجنوب قريبا، وبدأ بإرسال أفراد عائلته قبل أكثر من شهرين، على رأسهم نجله الأكبر. ذلك يعني بالنسبة للجنوبيين أن مرحلة “الكفاح المسلح” قد اقتربت وفقا لبعض التفسيرات.
وإلى أبين، يحظى الرجل بنفوذ اجتماعي واسع في شبوة، ويملك قدرة كبيرة على الحشد.
الثابت أن القيادات الجنوبية في الخارج، لم تعد مقطوعة الصلة بما يحدث في الداخل، وهناك أنشطة علنية يبذلها البيض “بحثا عن تفهم إقليمي ودولي” لمطالب الجنوب.
على الدوام كانت صنعاء هي الأقدر على خلط الأوراق والعزف على المخاوف الإقليمية من تحول اليمن إلى بقعة اضطرابات  وحروب، ما دفع غالبا الكثير من الدول إلى التعامل مع السلطة كطرف وحيد ومساندتها ماديا وسياسيا، لكن هذا الاحتكار ربما أصبحت نهايته وشيكة.
يحاول علي سالم البيض إحداث اختراق إقليمي أو دولي لجلب التفهم والدعم للقضية الجنوبية. فقد حرص في كثير من خطاباته على التذكير بقدرة الجنوب على حفظ الأمن الإقليمي والمصالح الدولية، في معرض مقارنة مع ما يحدث الآن من أعمال قرصنة في البحار وانتشار للقاعدة، دون أن ينسى تسجيل نقاط باتهام “سلطة صنعاء” بالضلوع خلف كل تلك الأعمال.
وبعث برسائل طمأنة لدول يعنيها تماما، حيث أكد التزامه بكل الاتفاقيات الحدودية المبرمة مع دول الجوار، وضمان أمنها.
لم يحصد البيض اهتماما إقليميا أو دوليا على الأرجح، كما كان يأمل. فقد أظهر خيبة أمله، حين عاتب في يوليو 2009 قادة دول الخليج لاستقبالهم موفدي النظام في الوقت “الذي يرتكب أعمال القتل بحق المواطنين الجنوبيين”. وكان يلح في العتاب بمرارة: “أليس من العيب أن يستقبل الرؤساء وقادة الدول العربية موفدين للنظام” وهو يقوم بكل ذلك.
وقد تطورت أدوات الرجل لاحقا، فلجأ للعزف على الاستقطابات الإقليمية المزدهرة في المنقطة. ففي تصريحات صحفية جاءت في ذروة الحرب الطاحنة في صعدة بين الحوثيين والجيش، مع دخول السعوديين طرفا فيها، قال البيض إن الجنوب يرحب بأي دعم لمطالبه “حتى من إيران”. لقد ألقى برسالة صاخبة، باتجاهين: فقد كانت محاولة لشد اهتمام اللاعب الإقليمي القوي: إيران، إلى الساحة الجنوبية، وفي نفس الوقت حاول إيقاظ مخاوف خليجية ودولية من حدوث اختراقات لقوى تمثل “تهديدا” قد يتعامل معها الجنوب في المستقبل. لا شك أن الاهتمام بالقضية الجنوبية، سيأخذ حيزه مدفوعا بمخاوف عديدة ربما يكون “التهديد الإيراني” على رأسها.
الثابت أن الصف الجنوبي في الخارج أصبح مختلفا تماما عما كان عليه حتى قبل عام. وما يبدو أنه خيارات متفاوتة، بين طرفين رئيسيين، ربما لا يعدو أن يكون شكلا من المناورات المتفق عليها، وقد يكون حقيقيا. لكن ما هو مجمع عليه بوضوح: هو وحدة الصف الجنوبي. إنها “القوة” لتي يراهن عليها “الجنوبيون” لمواجهة ما يعتبرونه تحديا مصيريا. لقد تغير المشهد في الجنوب على نحو مؤثر. إن “أعداء التغيير ببساطة يتشبثون بالماضي ونحن نتمسك بالمستقبل، وشتان بين هذا وذاك؛ قالها علي ناصر محمد في حواره الأخير مع صحيفة “الوحدوي”.
**********
إسناد متبادل بين الداخل والخارج
باتت القاهرة مؤخراً وجهة مهمة لشخصيات جنوبية بارزة.
تفيد بعض المعلومات بأن الرئيس علي ناصر محمد وحيدر العطاس زارا العاصمة المصرية الأسبوع الماضي، في مهمة لم يكشف النقاب عنها، ويعتقد أنها على صلة بمساعٍ مصرية وعربية لجمع القيادات الجنوبية بالسلطة تمهيداً لحوار بشأن الأزمة المتفاقمة في الجنوب.
وهذه الزيارة الثانية للرجلين خلال أقل من شهر.
أثناء زيارة للرئيس صالح إلى القاهرة، قبل اقل من شهر تحدثت صحف عربية عن مساعٍ تبذلها صنعاء لدى القاهرة للعب دور الوسيط وجمعها بقيادات جنوبية في الخارج.
وقد التقى صالح مع مبارك في اجتماع مغلق. كما التقى برئيس جهاز المخابرات المصري عمر سليمان، دون أية إشارة إلى ما دار في اللقاء.
ولاحقاً بدا حيدر العطاس كما لو كان يؤكد الامر فوضع شرطاً للقبول بالوساطة، قائلا “إنه لا وساطة مع السلطة قبل أن تعترف بالقضية الجنوبية والحراك الجنوبي السلمي كممثل لشعب الجنوب وحامل سياسي لقضيته”، حد ما نقلت عنه صحيفة “الوسط”.
كانت السلطة أعلنت استعدادها للحوار مع الحراك والاستماع لمطالبه “تحت سقف الوحدة”. وتزامنت الدعوة مع الحملة العسكرية والأمنية على محافظات الضالع ولحج وأبين.
 د. ناصر الخبجي قال إن “الدعوة لا تستقيم مع ما يجري في الجنوب من قمع وقتل ومطاردة لنشطاء الحراكـ”وكان يرد على سؤال للنداء بشان دعوة صنعاء الحراك للحوار.
هناك ما يشبه حالة اسناد متبادل بين الحراك وقيادات الخارج، ففي مقابل تأكيد القيادات في الخارج على مركزية الحراك في أي تسوية سياسية، تظهر بعض قيادات الحراك تمسكا مماثلابدور محوري لقيادات الخارج.
تقول أبرز فصائل الحراك إن أي اتصال يجب أن يكون من خلال “علي سالم البيض باعتباره الرئيس الشرعي للجنوبـ”.
ويضيف ناصر الخبجي، نائب رئيس المجلس الأعلى للحراك السلمي، أن أي حوار” يجب أن يكون مكملاً “للحوار الذي دعا إليه المجتمع الدولي في حرب 94 وفق القرارين 924 و931”.
**********
لديه طريق سيقود الجنوب إلى مجلس الامن
يراهن علي سالم البيض أن لديه طريقاً سيقود قضية الجنوب مجدداً إلى التدويل ومجلس الأمن. حتى الآن لا يبدو أن الرجل يمتلك شيئاً باستثناء أرشيف يحتفظ بقرارات دولية تخص حرب صيف 94.
بالنسبة لصنعاء، فالأمر لا يبدو أكثر من حلم يداعب الرئيس الجنوبي السابق. لكن ما من ضامن أن الدعوة إلى “فك الارتباط” بالاستناد لقرارات مجلس الأمن، ستظل حلماً مع استمرار الاضطرابات في الجنوب.
في خطاب كان بمثابة إعلان نهاية عزلته السياسية في المنفى منذ حرب 94، اختار البيض مصطلح “فك الارتباط”، وليس الانفصال، ليكون الهدف الذي سيعمل من أجله خلال الفترة المقبلة.
وإلى الظهور المفاجئ، كان التوقيت بحد ذاته يحمل دلالة، فقد خرج موجهاً خطابه عبر شاشات التلفزة، العام الفائت، في مثل هذا الشهر، عشية الذكرى ال19 لإعلان الوحدة. وقد لخص مهمته على هذا النحو: إنجاز الاستقلال واستعادة دولة الجنوب كمسؤولية سياسية للرجل الذي وقع اتفاقية الوحدة.
لابد أن صنعاء شعرت بالصدمة حتى إن سخرت من الإعلان، فالرجل يمثل تحدياً إضافياً في روزنامة الجنوب الساخط.
 وبدأ البيض التصدي العلني لقضيته.
في يوليو الماضي، وكان ثاني خطاب له، انتقل الرجل من الإجمال إلى التفصيل، فركز على ما يعتبره سنداً قانونياً لمطلب فك الارتباط من خلال إعادة قراءة قراري مجلس الأمن 924 و931.
بالنظر إلى حالة الانقطاع عن الساحة الجنوبية التي عاشها الرجل طيلة الفترة الماضية، تبدو محاولة البيض كمن يريد استئناف نشاطه من حيث توقف في حرب 94، ليعوض فترات العزلة التي عاشها في المنفى يرقب التداعيات من بعيد.
عندما اندلعت الحرب في نهاية أبريل 1994 بين قوات الحزب الاشتراكي وقوات الرئيس صالح، كان العالم يرقب النزاع المسلح عن كثب، لكنه لم يستمر طويلاً في المراقبة، وقرر التدخل بواسطة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
ففي الفترة من 1 يونيو وحتى 29 من نفس الشهر عام 94، أصدر مجلس الأمن قرارين بخصوص الحرب في اليمن، دعى فيهما إلى وقف إطلاق النار والتأكيد على أن “الخلافات السياسية لا يمكن حسمها عن طريق استعمال القوة”.
كما دعا مجلس الأمن الطرفين (انظر نص القرارين) للحوار دون شروط.
كان البيض في خطابه قد خص القرارين بقراءة قانونية خاصة خلص من خلالها إلى شرعية مطلب فك الارتباط من خلال القرارات نفسها.
تركز قراءة البيض على أن مجلس الامن لم يُدن إعلان “دولة الجنوبـ” في 21 مايو 94، رغم اشتراط السلطة في صنعاء ذلك لاستئناف الحوار مع الطرف الجنوبي، كما دعا إليه القرار 924.
لا يتذكر الدبلوماسي والسياسي المخضرم محمد سالم باسندوة، الذي كان وقتها وزيراً للخارجية، أن صنعاء طلبت من مجلس الأمن إدانة قرار الانفصال. ما يتذكره جيداً هو أنها كانت ترفض تدويل الأزمة، كما قال في تصريح لـ”النداء” بهذا الخصوص.
وأياً يكن الأمر، فقد قال البيض إن مجلس الأمن رفض اشتراط صنعاء “بتأكيده على ضرورة استئناف الحوار السياسي بين الطرفين بدون شروط مسبقة”. إن ذلك بالنسبة له “يتفق مع طبيعة تكوين الدولة اليمنية التي قامت على وحدة بين دولتين ذاتي سيادة كانتا عضوين في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية”. في هذا السياق يستنتج الرجل أن ” إعلان 21 مايو ليس انفصالاً وإنما إعلان فك الارتباط مع دولة الجمهورية العربية اليمنية، وقد أيدت جماهير الجنوب هذا الطلب عند صدور الإعلان”. لا يعدم الأدلة لإسناد مسار استنتاجاته بحالات لقضايا مشابهة في دول أخرى.
هناك حالات تصرفت فيها الهيئات الدولية بشكل مختلف مقارنة بالحالة اليمنية. ويستدعي البيض حالتي الكونجو ونيجيريا، حيث أدانت الأمم المتحدة ومجلس الأمن، صراحة، محاولات الانفصال التي شهدها البلدان في الستينيات والسبعينيات كما يقول.
لقد خلص إلى أن “عدم إدانة مجلس الأمن لإعلاننا فك الارتباط مع نظام الجمهورية العربية اليمنية، إنما هو تأكيد أن الإعلان ليس انفصالاً وإنما إرادة جنوبية لفك الارتباط”.
بحسب منطوق القرارين فهما يختصان حصرياً بالتعامل مع حالة حرب قائمة وتداعياتها على الأرض، وقد انتهت منذ 16 عاماً واستمرت التداعيات، لكن ما من أحد يستطيع الجزم على نحو قاطع بأن ملف القضية قد أُغلق نهائياً.
بالنسبة لسياسي مخضرم كان جزءاً من تركيبة الحكم في صنعاء كعبدالكريم الإرياني،لا تبدو مطالب البيض مثار قلق. هو لا يجزم بأن ملف القضية قد أُغلق نهائياً، مع ذلك فهو يخلص إلى استنتاجات من قضايا دولية أخرى، أن ملف حرب 94 لن يفتح مجدداً في مجلس الأمن.
“قضية فلسطين موجودة في كل تقرير سنوي يقدمه الأمين العام للأمم المتحدة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لماذا؟ لأنها قضية لم تنتهِ” قال الإرياني في حوار نشرته مجلة “مدارات” في مارس الماضي ردا على استفسارات بخصوص ملف الحرب.
ويتابع: بعد سنة من نهاية الحرب قدم الأمين العام للأمم المتحدة وقتذاك بطرس غالي، تقريره، وخلال السنة الثالثة أغلق الملف. لم يقل أنا أغلقته لا يتخذ قراراً بإغلاقه مثلما يتخذ قراراً بفتحه، لكن كون التقارير السنوية للأمم المتحدة لم تعد تتناول الموضوع، فهذا يعني أنه قد انتهى”.
بنظر الإرياني فإن محاولة فتح الملف في الأروقة الدولية مجددا يشبه الحلم “دعهم يحلمون بأن الأمم المتحدة سوف تلبس القبعة الزرقاء وتأتي لكي تفصل بيننا”.
ليس السجال بين السياسيون وحدهم بهذا الخصوص فحسب. حتى البحث عن تفسيرات قانونية لمدى صلاحية القرارين من عدمها هي محل اختلاف أيضا على الأقل بين اساتذة القانون الدولي بجامعة صنعاء.
عندما ظهر البيض مجددا في حديث مع محطة البي بي سي شارحا قراءته للقرارين، شعر الدكتور ياسين الشيباني استاذ القانون الدولي بالرثاء ووالشفقة حيال البيض حد قوله.
“منبع هذا الشعورهو الحالة البائسة التي ظهر بها الرجل، إذ بدا بائسا ومرتبكا وفاقدا للثقة في نفسه وغير مقنع في طرحه”.
من حيث القيمة القانونية لقرارات مجلس الأمن الدولي، “فلم يعد لها أي اثر قانوني كونها قرارات صادرة لمعالجة حالة إنسانية مؤقته وقد تم تجاوزها ومعالجتها من قبل حكومة اليمن بعد دخول قوات الشرعية الى مدينة عدن والقضاء النهائي على محاولة التمرد والانفصالـ” كما يقول الشيباني.
 يستند استاذ القانون الدولي على ما يعتبرها مدخلا مهما لقراءة الأمر، فمضمون القرارين لم يتجاوز ” التعبير عن قلق مجلس الأمن الدولي من تدهور الحالة الإنسانية الناتجة عن الصراع المسلح داخل دولة اليمن، والخشية من أن استمرار الحالة يمكن أن يعرض السلم والأمن في المنطقة للخطر “.
 لا يعتبر الشيباني ان القرارين بشان الوضع الإنساني، قد عنيا ” انه تدخل في الشؤن الداخلية لليمن وقتها،مشيرا الى ان مجلس الأمن قد حرص ” على بيان أن معالجته لهذه الحالة تأتي في إطار احترامه لدولة اليمن كدولة مستقلة ذات سيادة”.
 لعل اهم ما تقف عليه قراءته القانونية لدحض فكرة ” فك الارتباط ” بالاستناد الى القرارين “أن مجلس الأمن الدولي لم يبحث الصراع القائم وقتها في اليمن باعتباره صراعا أو نزاعا دوليا، أي نزاعا بين طرفين دوليين، ولم يتطرق المجلس، بأي شكل، للخلفية السياسية أو القانونية للنزاع، بل أن حيثيات ومنطوق قراري مجلس الأمن تؤكد في كل فقراتها على أن المجلس بصدد معالجة ” الحالة الإنسانية المتدهورة ” التي يعاني منها المدنيون، نتيجة القتال بين المتمردين الانفصاليين والقوات الشرعية لحكومة اليمن”.
تخلص هذه القراءة الى ان مجلس الامن عندما اصدر القرارين رقم 924 و931 كانت حقائق عديدة واضحة امامه، اهمها أن ” جمهورية اليمن ” هي دولة مستقلة ذات سيادة ” وان ” تدخله قد تم وفقا لمقاصد الأمم المتحدة (وأهمها حفظ وصيانة الأمن والسلم الدوليين) ومبادئها (وأهمها إحترام مبدأ سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤنها الداخلية “.
يصف الشيباني ما تضمنه القرارين بالطبيعي  ” لأن مجلس الأمن الدولي كان قلقا من ” أن استمرار الحالة يمكن أن يعرض السلم والأمن في المنطقة للخطر “.
بالنسبة للدكتور محمد نعمان استاذ القانون الدولي بجامعة صنعاء، فالامر مختلف من منظار آخر. فالقرارين بحد ذاتهما قد لا يكونا سببا لفتح ملف حرب 94 والازمة المتفاقمة في الجنوب.
يرى نعمان ان الجانب القانوني لقراري مجلس الأمن هو في عدم التسليم بنتائج حرب صيف 1994 القائمة على الحسم العسكري فالمجلس” يطلب من الطرفين الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإعادة إحلال السلم والاستقرار”.
و يقول انه لم يتم الالتزام ببنود القرارين، لكن ذلك يمكن أن يشكل مدخلا لجر أزمة الجنوب إلى الأروقة الدولية ” وفقا لموازين القوى الدولية ”
 بحسب باسندوة ” لم يستطع أي تنظيم وطني ادخال أي قضية الى مجلس الامن، دون مساندة من قوى دولية او احد اعضاء مجلس الامن”. ان ذلك يعني بصورة او اخرى ان تدويل الازمة لا يحتاج سوى حامل إقليمي ا ودولي.
عمليا ما يحدث على الأرض في الجنوب ليس مطمئنا بهذا الخصوص، ولا يخدم فكرة إبقاء القضية كشأن داخلي للبلد.استمرت السلطة في التصرف، بطريقة قد تقود إلى تداعيات تعيد ذات المخاطر التي شعربها المجتمع الدولي في 94م،فالاضطرابات لم تتوقف، وهناك انجراف متزايد لجماعات الحراك نحو تفضيل خيارات العنف في مواجهة قمع السلطة عوض الاحتجاجات بالطرق السلمية. إن من شأن ذلك أن يفاقم عدم الاستقرار، ويخلق بؤرة صراع كبيرة في منطقة حيوية بالنسبة للمصالح الدولية.
يقول نعمان ” اذا استمرت حالة التصعيد، بين السلطة والحراك الجنوبي، على نحو يهدد الاستقرار في المنطقة، فاعتقد ان القرارين يمكن ان يكونا منفذا لتدخل دولي”.
هذا ايضا ما يذهب اليه باسندوة فهو يرى ان” هذا الباب يمكن فتحه، اذا تصاعد الموقف في الجنوب الى حرب اوقتال، او في حال جرت انتخابات وقاطعها الجنوبـ” ويستدرك: اتمنى ان لا يحدث هذا.
غير القرارين هناك ما يعتقده نعمان مدخلا آخر: تعهدات الحكومة اليمنية للأمم المتحدة حيال مشكلة الجنوب.
في 7/7 /1994 وجه القائم باعمال رئيس الوزراء في حينه محمد سعيد العطار رسالة الى الامين العام للامم المتحدة، اعلن فيها انتهاء الأعمال العسكرية بصورة دائمة في المحافظات الجنوبية بعد سيطرة ” قوات الشرعية على مدينة عدن “.
لقد تعهدت الحكومة بعديد التزامات تخص الحرب، من بينها اعلان العفو العام عن جميع السياسيين والعسكريين الذين ساندوا علي سالم البيض في الحرب، والتعويض العادل للمتضررين من الحرب. ضمن قائمة تعهداته كان هناك ما هو أهم: الالتزام بما جاء في وثيقة العهد والاتفاق كأساس لبدء الدولة اليمنية الحديثة.
يقول نعمان: هذا الجانب ما يزال معلقا، فأحزاب المشترك، تطالب باصلاح سياسي للنظام على قاعدة وثيقة العهد والاتفاق كوثيقة للإصلاح السياسي الشاملـ”.
والوثيقة كانت نتاج طاولة حوار موسع بين القوى السياسية اليمنية، قبل اندلاع الحرب، وجرى التوقيع عليها في العاصمة الاردنية عمان، في فبراير نصت على معالجات وخطوات لإصلاح سياسي يتوجب على طرفي الأزمة حينها الشروع فيها، لكنها لم تفلح في تنفيذ التسوية لتنفجر الحرب في 27 ابريل من نفس العام.
 يلفت أستاذ القانون الدولي إلى جانب مهم من الأزمة الناشبة الآن، فهو يشير الى ان قوى الحراك الجنوبي ترفض الاعتراف بنتائج حرب 94، وهي نشأت بالأساس للمطالبة بالعودة للوظائف المدنية والعسكرية، فضلا عن المطالبة بوقف نهب أراضي الجنوب. ان ذلك بصورة أخرى يعبر عن نكث الحكومة اليمنية بالتزاماتها المعلنة للأمم المتحدة.
عندما اشتعلت حرب 94 بذلت صنعاء كل ما بوسعها لمنع وصول الأزمة إلى الهيئات الدولية، وكانت تفعل ذلك في مواجهة جهود حثيثة بذلتها ” جمهورية الجنوب ” المعلنة من طرف واحد، لكن الأزمة وجدت طريقها الى اهم مؤسسات الامم المتحدة وذراع القوى الدولية الباطش: مجلس الأمن.
لاشك ان مطالب الجنوب وقتها حظيت بمساندة من قوى إقليمية، مكنتها من تجاوز مصدات صنعاء، لكن كان هناك سلاحا سريا آخر.
يقول محمد سالم باسندوة: دخلت الأزمة إلى مجلس الأمن حينها على أساس ان الجنوب كان دولة عضو في الأمم المتحدة قبل عام 1990، وكان هناك خمس دول خليجية داعمة للانفصالـ”.
**********
نص القرارين 924 و 931 بشأن حرب 94
-1 قرار مجلس الأمن الدولي رقم (924 (الصادر في(1 – 6 – 1994م).
إن مجلس الأمن وقد نظر في الحالة في الجمهورية اليمنية.. وإذ يأخذ في اعتباره مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة..وإذ يساوره بالغ القلق إزاء موت المدنيين الأبرياء الفاجع..وإذ يقدر الجهود التي تبذلها جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والدول المجاورة والدول المعنية الأخرى في سبيل المساهمة في حل الصراع بالوسائل السلمية وفي ضمان إحلال السلم واستقرار في الجمهورية اليمنية.
وإذ يرى أن استمرار الحالة يمكن أن يعرض السلم والأمن في المنطقة للخطر.
1 – يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار.
 2 – يحث على الوقف الفوري لتوريد الأسلحة وغيرها من المعدات التي قد تسهم في استمرار الصراع.
3-يذكر كل من يهمهم الأمر أنه لا يمكن حل الخلافات السياسية باستخدام القوة، ويحثهم على العودة فوراً إلى المفاوضات وبما يسمح بحل الخلافات بينهم بالوسائل السلمية وإعادة إحلال السلم والاستقرار.
 4 – يطلب من الأمين العام إيفاد بعثة لتقصي الحقائق إلى المنطقة في أقرب وقت ممكن عملياً من أجل تقييم الإمكانيات لتجددّ الحوار بين جميع الأطراف المعنية ولبذل مزيد من الجهود من جانبهم لحل الخلافات بينهم.
5 – يطلب من الأمين العام أن يقدم إليه تقريراً عن الحالة في وقت مناسب ولكن في موعد لا يتجاوز أسبوعاً واحداً من تاريخ إنجاز تقصي الحقائق.
6 – يقرر إبقاء المسألة قيد النظر الفعلي.
-2 قرار مجلس الأمن الدولي رقم(931) الصادر في 29يونيو 1994م
إن مجلس الأمن اذ يعيد يعيد تأكيد قراره رقم) 924)1994مالمؤرخ 1حزبران/ يونيو1994 م بشأن الحالة في الجمهورية اليمنية..
و قد نظر في تقرير الأمين العام عن بعثة تقصي الحقائق الموفدة إلى اليمن، المؤرخ 21 حزيران / يونيو 1994 ((S/1994/764.)
و إذ يرحب بالمساعي التي يبذلها الأمين العام و مبعوثه الخاص و جامعة الدول العربية.
و إذ يؤيد بقوة النداء الموجه من الأمين العام من أجل الوقف الفوري و التام لقصف مدينة عدن، و إذ يدين عدم الاكتراث بهذا النداء.
و إذ يشعر بانزعاج بالغ لعدم تنفيذ أو مواصلة وقف إطلاق النار بالرغم من قيام الجانبين بإعلان وقف إطلاق النار عدة مرات.
و إذ يساوره بالغ القلق إزاء الحالة في اليمن، و بصفة خاصة إزاء تدهور الحالة الإنسانية في أنحاء عديدة من البلد.
و إذ تثير جزعه التقارير التي تفيد باستمرار توريد الأسلحة و غيرها من العتاد.
1. يكرر تأكيد مطالبته بوقف إطلاق النار فوراً.
2. يشدد على أهمية وجود وقف إطلاق نار يشمل جميع العمليات الأرضية و البحرية و الجوية و تنفيذه تنفيذاً فعالاً بما في ذلك وجود أحكام تتعلق بوضع الأسلحة الثقيلة في أماكن تجعل عدن خارج مرماها.
3. يشجب بقوة إيقاع إصابات و دمار بين المدنيين نتيجة للهجوم العسكري المستمر على عدن.
4. يطلب إلى الأمين العام ومبعوثه الخاص مواصلة المحادثات تحت رعايتهما مع جميع المعنيين بهدف تنفيذ وقف دائم لإطلاق النار و إمكانية إنشاء آلية مقبولة للجانبين، يفضل أن تشترك فيها بلدان من المنطقة لرصد وقف إطلاق النار و التشجيع على احترامه و المساعدة على منع انتهاكه و تقديم تقرير إلى الأمين العام.
5. يكرر تأكيد مطالبته بالوقف الفوري لإمدادات الأسلحة و غيرها من العتاد.
6. يكرر تأكيد أن الخلافات السياسية لا يمكن حسمها عن طريق استعمال القوة و يأسف  لقعود كافة الأطراف المعنية عن استئناف الحوار السياسي فيما بينها و يحثها على القيام بذلك فوراً و بدون أية شروط مسبقة لكي تتيح بذلك التوصل إلى حل سلمي لخلافاتها و استعادة السلم و الاستقرار و يطلب إلى الأمين العام و مبعوثه الخاص دراسة السبل المناسبة لتيسير تحقيق هذه الأهداف.
7. يعرب عن بالغ قلقه إزاء الحالة الإنسانية الناجمة عن النزاع و يطلب إلى الأمين العام أن يستخدم الموارد الموجودة تحت تصرفه بما في ذلك موارد و كالات الأمم المتحدة ذات الصلة في تلبية احتياجات المتضررين بالنزاع بصفة عاجلة لا سيما سكان عدن و الأشخاص المشردين من جراء النزاع و يحث جميع المعنيين على أن يتيحوا سبيلاً إنسانياً لوصول إمدادات الإغاثة و أن يسهلوا توزيعها على من هم بحاجة إليها أينما وجدوا.
8. يطلب إلى الأمين العام أن يقدم إلى المجلس تقريراً مرحلياً عن تنفيذ هذا القرار بأسرع ما يمكن وعلى أي حال في غضون 15 يوماً من اعتماد هذا القرار.
9. يقرر أن يبقي هذه المسألة قيد النظر الفعلي.
********
 
أضحى من المستحيل على النظام حل الأزمة في الجنوب دون مشاركة واسعة وبإشراف وسيط خارجي
هناك شك بأن الوحدة ستستمر
*  إذا اختار الرئيس صالح تصعيد القمع واستخدم القوة العسكرية بشكل مفرط فإن سرعة الفشل وكذلك التهديد المتمثل في حدوث كارثة إنسانية سوف تزداد بطريقة دراماتيكية
*  من ضمن السيناريوهات المحتملة حدوث تمرد واسع في الجنوب، وفي هذه الحالة سيركز الرئيس صالح على البقاء مهما كلفه ذلك من ثمن
تبدو الصورة بنظر الخارج قاتمة، فالأزمة في الجنوب تتفاقم على نحو يهدد “استمرار الوحدة”، وقد يؤدي إلى فشل الدولة في اليمن، وتاليا تهديد الأمن العالمي.
بحسب تقرير لمعهد دراسات الشرق الأوسط، فإنه “إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار الوضع الصعب الذي يعيشه الكثير من الجنوبيين، فإنه لا توجد ضمانات بأن الوحدة سوف تدوم وتستمر في ظل حكم الرئيس صالح”.
بلغة تحذيرية يمضي التقرير قائلا: إذا استمر صالح في سياسة الاحتواء والقمع المتعمد ووعود الإصلاح الفارغة، فإن الأزمة سوف تتفاقم تدريجياً. وبينما يمكن أن تكسب تلك التكتيكات الرئيس صالح بضعة أشهر لتخفيف حدة التوتر، فإنها لا يمكن أن تؤدي إلى معالجة المظالم الأساسية، بل إنها سوف تضمن بأن يستمر اليمن في المضي في الطريق الحالية المؤدية نحو فشل الدولة”.
العام الماضي، كان فريق معهد دراسات الشرق الأوسط الذي يمد وزارة الخارجية الأمريكية وصناع القرار في البيت الأبيض بالدراسات والأبحاث عن المنطقة، يزور اليمن، وقد لاحظ أن فرصا عديدة سنحت للرئيس صالح لمعالجة المطالب المطروحة من الجنوبيين منذ بداية الأزمة، والمتمثلة بالخدمات والوظائف وحكم القانون، وقدر من الحكم الذاتي لمناطق البلاد، “إلا أن صالح فشل مراراً في معالجة المظالم الجنوبية بشكل كافٍ، وبدلاً من ذلك فقد فضل المضي في طريق الاحتواء والاستقطاب والقمع، وتقديم تنازلات غير كافية ساهمت فقط في إثارة معارضة أكبر”.
كان معدو التقرير، وهم متخصصون في الشأن اليمني، عبروا عن خشيتهم من أن تأخذ الأمور طابعا تصعيديا من قبل السلطة، حيث لا يمكن التحكم بمسار التداعيات، “فإذا اختار صالح تصعيد القمع واستخدم القوة العسكرية بشكل مفرط.. فإن سرعة الفشل وكذلك التهديد المتمثل في حدوث كارثة إنسانية سوف تزداد بطريقة دراماتيكية”.
لقد تسربت الكثير من فرص حل المشكلة وتطويقها داخليا، وهناك شك في قدرة السلطة على تسوية الأمور بتلك البساطة بعد سنوات من الإخفاق في التعاطي الآمن معها، “فقد تغيرت الحقائق على الأرض، فأساليب الوعود الزائفة والإصلاحات المؤقتة قد نخرت في مصداقية الرئيس صالح وقدرته على المساومة” يقول معهد دراسات الشرق الأوسط.
وينصح التقرير الذي نشر “الصحوة نت” ترجمة له في يوليو الماضي، الإدارة الأمريكية بدعم الوحدة واستقرار اليمن، وهذا ما أكدت عليه كل زيارات المسؤولين الأمريكيين للبلاد لاحقا. لكنه نبه صناع السياسية الأمريكية إلى إدراك “أن دعمهم للوحدة اليمنية يمكن أن يفسر على أنه يمثل دعماً قوياً من قبل الإدارة الأمريكية في اليمن لحكم الرجل الواحد المتمثل في صالح، وذلك على حساب جميع الأمور والاعتبارات الأخرى، إضافة إلى الإصلاحات التي تمثل حاجة ملحة للبلاد”. لذلك شدد على أن يكون الدعم مشروطا “فالتأكيد على دعمها ليمن موحد” يجب أن يقابله “التزام يمني باحترام المؤسسات الديمقراطية وحكم القانون والحريات الصحفية وحقوق الإنسان”.
مع ذلك، فقد خلص الباحثون إلى أن حل الأزمة في جنوب البلاد “أضحى من المستحيل على النظام تقريباً.. دون مشاركة واسعة من النخب المحلية وبإشراف وسيط خارجي يتسم بالمصداقية”. ويعتبرون وجود وسيط خارجي “شرطا أساسيا لحل الأزمة الحالية.. فالرئيس صالح فقد مصداقيته في ما يتعلق بإبرام صفقات محلية مما يستلزم وجود وسيط خارجي كي يوجه ويضمن إلى حد ما تنفيذ شروط أي اتفاقية من الطرفين”.
ومع أنه يستبعد حدوث انفصال الجنوب عن الشمال، فإن التقرير يضع بالحسبان احتمال تعرض الوحدة للخطر من خلال “حدوث تمرد واسع النطاق”، وهو يتوقع في حالة حدوث ذلك أن “يركز نظام الرئيس صالح بشكل أساسي على محاولة البقاء مهما كلف الأمر، وبالتالي فإن نظام صالح أثناء انصرافه عن بقية الأمور سوف يهمل المصالح الأمريكية إن لم يتجاهلها، وذلك لدى محاولته استعادة السيطرة على الجنوبـ”. وهو ما يشير إلى أن احتمال نشوب حرب أهلية أمر وارد. في هذه الحالة لم يشر التقرير إلى التصرف الأمريكي المرجح لحماية ما تعتبره واشنطن جزءا من أمنها القومي في الخليج، وظل أمرا مبهما ليكون ربما شأنا لصناع القرار.
من جملة السيناريوهات المحتملة “استمرار حالة التمرد في الجنوبـ”، في هذه الحالة “فإن قابلية الاقتصاد للنمو والتطور سوف تتعرض لتهديدات أكثر، بينما يمكن للفوضى الداخلية أن توفر مساحة إضافية لتنظيم القاعدة كي يوسع نفوذه” يقول التقرير.
لاحظ الباحثون أن الحركة الاحتجاجية في الفترة الممتدة بين 2007 و2008 كان يغلب عليها الطابع السلمي حتى مع وجود قمع من قبل الحكومة.
وفقا للتقرير فإن “كلاً من المحتجين الجنوبيين والنظام يشتركان في القيام بتصرفات خطيرة بشكل متزايد، وهذا قد يؤدي إلى دخول البلاد في دوامة عنف مستمرة”.
قبل تهديد القاعدة والتحدي الاقتصادي يضع تقرير صادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية نهاية العام الماضي “تنامي الدعوات الانفصالية” جنوب اليمن في المرتبة الثانية ضمن 4 مهددات لمستقبل البلاد. ثمة مؤشرات يرصدها التقرير في سياق التحذير من أن الأزمة تزداد خطورة يوما إثر آخر أهمها “التواصل الزمني لحركات الاحتجاج والتظاهرات التي ترى أن هناك قدرا تمييزيا تشهده محافظات الجنوب ومدنه”.