قانون مدني علماني عادل

قانون مدني علماني عادل

إلهام مانع
قلت لكما في المقال السابق إن قوانين الشريعة ليست عادلة.
لكني أكدت في الوقت ذاته أن قولي هذا لا يعني أني أتحدث من خارج دائرة الإسلام، بل أتحدث من داخلها.
وقلت لكما أيضاً إني لا أريد أن أتحدث بصفة العموم، تلك التي يتقن صناعتها أتباع حزب الإخوان المسلمين، وأقرانهم من السلفيين أو المتحزبين باسم الله.
وأفضل لذلك أن أقدم لكما مثالاً واضحاً محدداً، وأن أقارن بين قانون الأسرة السويسري لعام 1988 وقوانين الشريعة الإسلامية الخاصة بالعلاقة بين الرجل والمرأة داخل العائلة.
أقارن بينهما لأني أتعامل مع قوانين الشريعة الإسلامية على أنها منظومة قانونية… إنسانية.
منظومة قانونية وضعها بشر.
وفقاً لهذه الرؤية فإن الشريعة الإسلامية عبارة عن قوانين، مجرد قوانين، صاغها علماؤنا الأفاضل على مدى القرون الماضية، لتنظيم شؤون المجتمع الذي كانوا يخاطبونه. وكما أن المجتمعات والعادات والتقاليد تتغير مع تغير الزمن، كذلك يتوجب تغيير القوانين بما يتماشى مع العصر الذي ينظمونه. الشريعة ليست استثناء.
ورغم أن أحد مصادر الشريعة الإسلامية هو القرآن الكريم، فإنها تظل إنسانية. نظم قوانينها بشر.
لا أضفي صفة القداسة على الشريعة الإسلامية. لأنها ببساطة ليست مقدسة.
فكر الإسلام السياسي هو الذي أضفى هذه القداسة على الشريعة الإسلامية، هو الذي ظل يتحدث عن الشريعة كما لو كان تطبيقها سيخرجنا من كل المآزق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مجتمعاتنا. وكل ما نجح فيه هو إعادتنا قروناً إلى الوراء.
أصبح من مطالبهم اليوم اغتصاب الطفلة باسم الشريعة. ويتعمدون استخدام الشريعة كبديل لاسم الله. باسم الله نغتصب الأطفال؟ أي عار هذا يا رحمن.
آخر مثال على ذلك الحملة التي يشنها شيخنا الزنداني ضد قانون يمنع زواج الطفلات في اليمن. يريد للطفلات، بنت الثامنة، بنت التاسعة، بنت العاشرة، أن يُغتصبن.
لا يريدهن طفلات. يأبي عليهن أن يعشن طفولتهن، أن يلعبن، أن يتعلمن، وأن يكن.
يريدهن دمى، يستغلهن جنسياً، كأنهن أشياء، لا روح لهن، لا إحساس.
أشياء يضاجعها ولا يخجل.
أين الحياء يا شيخنا؟
فكر الإسلام السياسي هو الذي أضفى صفة القداسة على الشريعة، يشبع بها خيالاته المريضة، ويستخدمها في الوقت ذاته كشماعة لتحقيق مأربه السياسي، كي يحوز على السلطة والقوة.
ولنا في شيخنا مثال. فهو يهدد الحكومة اليمنية بمسيرة مليونية إذا صدر قانون يمنع زواج الطفلات، ويلمح لها في الوقت ذاته “حذار من الاقتراب من تيارنا الديني الداعم للفكر الجهادي”.
لا تنسيا اسم الجهاد الحقيقي، اسمه إرهاب.

ما علينا.
لنبدأ إذن هذه المقارنة.
سأستخدم ثلاثة محاور للمقارنة: الزواج، الطلاق، ثم الإرث. وسأركز في هذا المقال على القانون السويسري، على أن أعود إلى قوانين الشريعة الإسلامية في المقال القادم.
قانون الأحوال الشخصية السويسري لا يستخدم كلمة ذكر أو أنثى، رجل أو امرأة، في بنوده.
لا يستخدمها.
يشير دائما إليهما بصيغة الزوجين، أو طرفي العلاقة.
بكلمات أخرى، هو يستخدم لغة محايدة، لا ترى أن هناك فرقاً بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات.
لا فرق بين الذكر والأنثي في الحقوق والواجبات.
هذا لا يعني أنه لا يرى بوجود فروقات بيولوجية بين الذكر والأنثي. هذه الفروقات طبيعية، لكنها لا تعني كما لا تبرر أية تفرقة عنصرية تمييزية بينهما بسبب نوع أحدهما.
فكون المرأة خُلقت امرأة ليس نقصاً في كيانها. ليست أدنى. بل هي إنسان كامل الصفات والخصائص والقدرات. والرجل أيضا مثلها. هو إنسان. كامل الصفات والخصائص والقدرات.
كلاهما إنسان. ولذا هما متساويان.
بكلمات أخرى، هو يتعامل مع الرجل والمرأة على أنهما شخصان بالغان عاقلان يتحملان مسؤولية نفسيهما، لا يخضعان لوصاية، ولذلك هما متساويان.
على هذا الأساس يبني القانون بنوده.
ولذلك يمهد لهذه الرؤية في المادة 8، البند الثالث، عندما يقول إن “الرجل والمرأة متساويان، وعلى القانون مسؤولية توفير المساواة القانونية والفعلية لهما…”.
ليست مساواة قانونية فقط تلك التي نسعى إليها، بل نريدها أيضا فعلية، ولذا يجب أيضا تطبيقها على أرض الواقع. أمر أدركه القانون السويسري عام 1988.
عندما يتعلق الأمر بالزواج، ينص القانون في المادة 94 “كي يتم الزواج، يتوجب أن يكون العروسان قد أتما السنة الثامنة عشرة من عمرهما، وأن يتمتعا بالمقدرة على التمييز”.
لا توجد وصاية هنا على العروسين، رجلاً كان أو امرأة. مادام الشخصان، الرجل والمرأة، بالغين، واختارا الزواج، فإنهما قادران على فعل ذلك.
المرأة والرجل وفقاً لهذه الرؤية مستقلان لا يحتاجان إلى وصاية أو ولاية. وهما قادران على الاختيار، لأنهما ولدا أحرارا.
ولد الإنسان حراً.
وحريته تستلزم حقه في اختيار شريك حياته. رجلاً كان أو امرأة. دون وصاية. دون قهر.
لكن كي يفعل ذلك، عليه أن يكون بالغاً.
الأطفال لا يتزوجون. الأطفال يلعبون.
هكذا يفكر أصحاب العقول.
ونحن لنا عقول.
حبذا لو استخدمناها.

على صعيد آخر، لا يضع القانون السويسري معوقات أمام زواج الأفراد بسبب اختلاف الدين. في الواقع لا يضع القانون السويسري أية معوقات أمام زواج شخصين مادام الاثنان غير متزوجين، ولا تجمع بينهما صلة قرابة عائلية.
من حق المسيحية أن تتزوج من المسلم، أو من البوذي أو اليهودي أو الملحد. والعكس صحيح.
مادام الاثنان ينتميان إلى النوع البشري، يمكنهما الزواج.
اختلاف الدين ليس سبباً لمنع الزواج.
هذه الرؤية أخذت وقتها حتى قَبل بها المجتمع السويسري.
ففي الماضي، تماما كما اليوم لدينا، كان من الصعب على فتاة تنتمي إلى الديانة الكاثوليكية المسيحية الزواج من شاب مسيحي بروتستانتي، ناهيك إذا كان ينتمي إلى ديانة أخرى. المجتمع نفسه كان يرفض ذلك.
لكن المجتمعات تتطور، ولذا عكس القانون السويسري عام 1988 هذا التطور في الرؤية:
“مادام الاثنان ينتميان إلى النوع البشري، يمكنهما الزواج”.
والمسألة لدينا ستأخذ أيضاً وقتها.
لكنها ستتغير.
سيأتي يوم يمكن فيه للمسلمة أن تتزوج من أي رجل كان، إذا أرادت، إذا رغبت، طالما ينتمي إلى النوع البشري.
لأن المجتمعات تتطور.
ونحن شعوب قادرة على التطور.

في حالة الطلاق لا يفضل القانون الرجل على المرأة، أو العكس، بل يلتزم بوعده: كلاهما متساويان. ولذلك كي يتم الطلاق يجب أن تنظر فيه محكمة. الطلاق هنا ليس حقاً للرجل. ليس لعنة أو سلاحاً يسلطه على المرأة كي يروعها.
الطلاق هو “حلـ”، “حل مر”، “حل مؤلم”، يلجأ إليه الطرفان إذا لم يتمكنا من الحياة معاً كزوجين.
وهنا يوجد نوعان من الطلاق: النوع الأول هو الذي يمكن البت فيه سريعاً إذا اتفق الزوجان على الطلاق.
مادام قرر الزوجان أن استمرار الحياة الزوجية مستحيل، فإن المحكمة ستحترم قرارهما وتصدر قرار الطلاق. هما بالغان. عاقلان. كلاهما إنسان. وإذا اتفقا على الافتراق فإن من واجب القانون أن يحترم هذا القرار.
لكن إذا رفض أحدهما الطلاق، رجلاً كان أو امرأة، فإن المحكمة هنا ستصدر حكم الطلاق بعد فترة انفصال بين الطرفين مدتها عامان، أو إذا تقدم أحدهما بطلب يؤكد فيه استحالة الحياة الزوجية لعدم اتفاق الشريكين. الافتراق ممكن إذا تعسف أحدهما، رجلاً كان أو امرأة، لكن له شروطاً، يمكن الإيفاء بها.

ما الذي يحدث بعد الطلاق؟ ما هي الحقوق المالية للطرفين؟
كل ما بناه الزوجان وجمعاه معاً في فترة حياتهما الزوجية، يتم اقتسامه بينهما بالمساواة، حتى لو كان أحد طرفي العلاقة لا يعمل.
بالمساواة.
فالحياة الزوجية هي تعاون مشترك بين طرفين، وبقاء أحدهما في المنزل لرعاية الأطفال، هو أيضاً عمل. وعمل مهم.
ولذلك الثروة التي جمعاها، أو البيت الذي بنياه، أو، أو، يتم اقتسامه بينهما.
بالمساواة.
مبدأ عادل.
إذا كان هناك أطفال فإن الوصاية يمكن أن يتمتع بها الأب والأم معاً، بالمناصفة.
لكن القانون يحبذ بقاء الأطفال لدى الأم. رؤية عادلة تتحيز لاحتياجات الطفل.
وفي كل الأحوال فإن الوصي على الأطفال، أي الأب أو الأم، أو الاثنان معاً، يتمتع بحق تولي الشؤون القانونية للطفل وتمثيله. لا فرق هنا بين رجل وامرأة.
والمحك في كل هذا هو مصلحة الطفل. كل ما يصب في مصلحة الطفل سيكون المعيار الذي تستخدمه المحكمة كي تصدر قرارها. هكذا ينص القانون. هكذا يُطبّق القانون.
وبنفس النسق، فإن الشخص الذي يعمل في العلاقة الزوجية هو الذي يتوجب عليه أن يدفع مبلغاً شهرياً لإعالة أطفاله.
أقول الشخص، لأن هذا يعني أنه إذا كان الرجل لا يعمل والزوجة تعمل فهي التي ستدفع المبلغ.
هنا لا يميز القانون فعلا بين الرجل والمرأة، كما لا يتعامل مع المرأة على أنها كائن ضعيف. في الواقع، هي كائن قوي، قادرة على الاعتماد على نفسها، وعلى إعالة نفسها وغيرها.
من جديد، هذه الرؤية في القانون السويسري تعكس التغير الذي حدث في المجتمع، وتغير رؤيته للمرأة. ليست كائناً ضعيفاً مسكينا. بل إنسان. إنسان بالغ راشد قادر على الاعتماد على نفسه.

ماذا عن الإرث؟
ماذا يحدث إذا مات أحد الزوجين؟
القانون هنا يعتبر أن لأسرة المتوفى المباشرة الحق في الإرث.
هذا يعني، أن الزوجة (أو الزوج إذا كانت المتوفية هي الزوجة) تحصل على نصف الإرث. والنصف الثاني من الإرث يتم اقتسامه بين الأطفال بالمساواة، دون تمييز بسبب النوع.
لا فرق بين ذكر أو أنثى في الإرث.
كلاهما يحصلان على حصة متساوية.
في حالة لم يكن للزوجين أطفال، فإن طرف العلاقة المتبقي على قيد الحياة يحصل على ثلاثة أرباع الإرث، والربع الأخير لوالدي المتوفى.
إذا كان والدا المتوفى متوفيين هما أيضاً، فإن طرف العلاقة المتبقي على قيد الحياة يحصل على كل الإرث.
القانون يحمي أيضاً أطفال المتوفى (أو المتوفاة) وشريكته (شريكها) في الحياة. بكلمات أخرى، حتى لو كتب المتوفى وصية يحرم فيها أطفاله أو شريك حياته من إرثه، أو يميز بين أحدهم، فإن القانون لا يقبل بمثل هذه الوصية.
حق هؤلاء في إرث الشخص، ذكراً كان أو أنثى، مصون.
مبدأ عادل. لا يقبل التعسف أو التمييز في الحقوق.

القانون السويسري ببساطة لا يميز بين الرجل والمرأة في العلاقات الأسرية. لا يتحيز لطرف ضد آخر. يتعامل معهما على أنهما بالغان راشدان متساويان.
هو قانون مدني إنساني عادل.
قانون عادل.
“هذا كل ما نطالب به. أن تكون قوانيننا عادلة”.
وهذه الرؤية لم تأتِ بين ليلة وضحاها. فكما قلت لكما هذا القانون صدر عام 1988. قبل ذلك كان القانون السويسري يميز ضد المرأة، ويعتبر الرجل وصياً على المرأة. قبل ذلك كان المجتمع يتعامل من منظور أبوي ذكوري مع المرأة. حتى في هذه كلنا بشر.
لكن لأن المجتمع تغير، فإنه أدرك أن التمييز ظلم يقع على المرأة، وأن هذا الظلم انتهاك لآدميتها وحقوقها الإنسانية، ولذا تغير القانون ليعكس التطور الذي حدث، وليعبر عن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.
مبدأ إنساني. مبدأ عالمي.
ولد الإنسان حراً.
رجلاً كان أو امرأة.
وحريتهما تستلزم تمتعهما بالإرادة.
دون وصاية.
حريتهما تستلزم أيضاً مساواتهما.

هذه الرؤية، التي تحترم الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، وتتعامل معه على أنه بالغ راشد عاقل، لا يحتاج إلى وصاية، غائبة في قوانين الشريعة الإسلامية.
أعود إليها بالتفصيل في المقال القادم.
elham_manea@bluewin.ch