تحولات الجنوب 1-2

تحولات الجنوب 1-2

* نفوذ متزايد للحراك والخيارات السلمية تخسر في المواجهة 
* المعالجات الرسمية فقدت المصداقية والمعارضة تحاول اللحاق بالجنوب
* كيف تعامل الاصلاح مع الأزمة ولماذا يشعر الاشتراكي بالخسار
 
بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية والأمنية، تواجه اليمن تحدياً أكبر: البقاء كدولة موحدة.
هذا الشهر، سيحتفل البلد بمرور عقدين على توحيد شطريه الشمالي والجنوبي.
لكن اليمن هذه المرة ستبلغ الذكرى ال20 وقد أصبحت مطالب العودة إلى ما قبل الوحدة أكثر هيمنة على المحافظات الجنوبية والشرقية. فتداعيات الاضطرابات التي تشهدها تلك المحافظات تتشكل في الميدان على نحو سيئ، وهناك تصعيد متبادل بين السلطة وقوى الحراك الجنوبي، يسيطر على تعامل الطرفين مع الأزمة المتفاقمة.
تحتاج البلاد الآن بشكل ملح لمراجعة طريقتها في التعامل مع مشاكلها المتنامية بمسؤولية. لا وقت لمقامرات جديدة في السياسة. فهناك أزمات معقدة ومتشابكة تتزايد بصورة متنامية، وقد أصبحت المخاطر المترتبة عن أي اهتراءات تهدد الداخل والخارج. يتعين على النخبة السياسية في هذا البلد بكل أطيافها التصرف بما توجبه مسؤليتها الأخلاقية والوطنية،أيا تكون الكلفة. فالانهيار لا يعني شيئا سوى أن الجميع سيصبح في بؤرة الهلاك.
بهدف التنبيه تحاول “النداء” من خلال هذا الملف الذي ينشر في حلقتين تقديم قراءة للتحولات التي طرأت على حركة الاحتجاجات، ومآلاتها المتوقعة، والسيناريوهات المحتملة لمستقبل الأزمة المهددة للبلد برمته.
ملف اعده: عبدالعزيز المجيدي

aziz.press

بعد ثلاثة اعوام من الاحتجاجات اصبح الطالب الجامعي” فارسا للجنوبـ” وصارت المرأة عنصرا نشطا في الحراك
لماذا تحتضر الثقة بالخيارات السلمية؟

 
أصبح “فارس” وهو اسم مستعار لناشط في الحراك الجنوبي، شديد الاهتمام بشيء واحد: الدعوة “لاستقلال الجنوبـ”. إنه يفعل ذلك بصورة دائمة عندما تتاح له الفرصة. وأفضل طريقة للتعبير عن ذلك: الانخراط في أنشطة احتجاجية للحراك.
لكن القبضة الأمنية المشددة على عدن، حيث يقيم “فارس الجنوبـ”، وهو الاسم المحبب إلى قلبه، تخنق أية فرصة لإقامة فعالية احتجاجية.
كنت في عدن نهاية فبراير الماضي. كانت المدنية هادئة والناس يواصلون حياتهم على نحو اعتيادي، لكن هذه الصورة لا تبدو أمينة للحكم على الأوضاع هناك.
كنت أجادل: ثمة شيء خفي يتحضر في هذه المدينة، ربما نشاهده قريباً، فالمناطق والمحافظات المحيطة ليست مستقرة، وهناك احتجاجات لا تتوقف. لقد كانت عدن دائماً ساحة الغليان الأخير في ثورات الجنوب وصراعاته.
حاولت اختبار شعوري الخفي لدى “فارس”. لقد أبدى تحفظاً شديداً، واكتفى بالقول: سأترك الأيام تجيب على ذلك.
عندما انطلقت شرارة الاحتجاجات في مارس 2007 في المحافظات المحيطة بعدن، كانت العاصمة الجنوبية سابقاً هي الساحة التالية للاحتجاجات.
وقد اختارتها جمعيات المتقاعدين العسكريين آنئذ برمزيتها السياسية لاحتضان أول فعالية موحدة للجمعيات، وحددت بعناية تاريخ 7/7/2007، ليكون نقطة تحول في مسيرة الحراك ومطالبه، مثلما كان ذات التاريخ في حرب 94 بداية لمتاعبهم القاسية.
نهاية أكتوبر 2007 لم يكن هذا الشاب قد أصبح “فارساً للجنوبـ”. كان طالباً جامعياً في سنته الدراسية الأخيرة، وينظر للمستقبل بتشاؤم.
وقتها تحدث إليَّ مع 2 من زملائه، أكبرهم لا يتجاوز ال25 عاماً، وقد تم اختيارهم تحديدا بهذا العمر كعينة لمادة صحفية حاولت الاقتراب من دخائل “جيل الوحدة”. كان الثلاثة مستائين بشدة من سوء الأوضاع والممارسات التي عايشوها كجيل وعى نفسه في زمن الوحدة.
حينها كانوا يرقبون التحولات عن كثب، حيث تشتعل الاحتجاجات المطالبة باستعادة دولة الجنوب، لكنهم لا يبدون حماساً للانخراط فيها.
ربما كانت مسألة وقت فحسب. بحثت عنهم مؤخرا،بغرض الاستماع إليهم كمحاولة لفهم مقدار التحول الذي ربما يكون قد طرأ على الشباب هناك. عثرت على احدهم، وفشلت في العثور على البقية.
لقد كان “فارس” خامة إحباط جاهزة التقطتها دعوات الحراك كما آخرين غيره أصبحوا ينشطون بحماس كبير في حركة الاحتجاجات.
هذه المرة بدا فارس مهتماً بالشأن السياسي على نحو كبير. شاهد الشاب مقابلة رئيس الجمهورية مع “العربية” مؤخرا، وسرد لي كيف أن الرئيس رد بكل بساطة على سؤال القناة بشأن مكافحة الفساد في اليمن بهذه الطريقة  “دول العالم تحارب الفاسدين الصغار، أما الكبار فلا”.
علق قائلاً: كيف يمكن أن يحل( الرئيس ) القضايا وهو يقول مثل هذا الكلام؟
لقد تغيرت اهتمامات “فارس” على نحو جذري، فأصبح متابعاً للشأن السياسي، ويتحدث بلباقة عن خيارات الحراك “السلمية”.
ورغم أنه واجه بعض المتاعب، حيث جرى اعتقاله وآخرين جراء أنشطته مع اتحاد شباب الجنوب، إلا أنه يقول “أنا سعيد جداً بالعمل الذي أقوم به، لأنه عمل وطني، والتحقت به بسبب الظلم الذي وقع علينا من تعسف ونهب وتحويل الجنوب إلى فيد”.
لاشك أن “جنوبيين” كثراً لا علاقة لهم بأنشطة الحراك، لكن المؤكد هو أن الدعوة تنجح يومياً في استقطاب أنصار جدد. وقد لا تكون الفصائل بتلك الكفاءة التنظيمية، لكن استمرار نفس السياسات من قبل السلطة يدفع إليها بالمزيد من الأنصار. هذا ما يحدث على الارض، حيث يتوجب قراءة المسألة بعيدا عن عواطف الاصطفاف مع اوضد.
في تطور لافت أصبحت بعض المسيرات الاحتجاجية، لا تخلو من مشاركة النساء. وقد انخرطت مئات النسوة في حركة الاحتجاجات، ولم تعد ساحة الساخطين في الجنوب حكراً على الرجال فقط.
خلال الأشهر الماضية خرجت، تظاهرات نسائية في عدن ولحج ومؤخرا في المهرة . أحيانا كن  ينتقلن من محافظة إلى أخرى للمشاركة في بعض المسيرات كما تقول، مصادر محلية .
العام الفائت، اعتقلت السلطات الناشطة زهرة صالح، إلى جانب امرأة أخرى تدعى ضياء العامري. وقد احتجزتهما الأجهزة الأمنية في عدن في سجن البحث الجنائي، بمعسكر طارق، لمدة 4 أيام، قبل أن تعود للإفراج عنهما.
وفي 30 نوفمبر الماضي، اعتقلت شرطة المعلا الناشطة الاشتراكية انتصار خميس، وامرأة أخرى تدعى صباح محمد عبدالله، من أمام مقر الحزب، وعادت للإفراج عنهما بعد 4 ساعات.
فصائل وتباينات تدعو  لـ” فك الارتباط”
لقد استمر ضباط الجيش والأمن المتقاعدون في قيادة الفعاليات لأكثر من عام، من خلال جمعيات المتقاعدين، والعاطلين عن العمل، ولاحقاً طورت أدواتها فنزعت نحوالعمل السياسي الجماهيري الواسع وتشكلت كفصائل تنظيمية.
وبينما حافظت على التزامها نسبياً بالأدوات السلمية، فقد جنحت بعض الفصائل نحو العنف لمواجهة ما تقول إنه قمع السلطة.
في أبريل 2009، كانت منطقة حبيل جبر ولحمرين وبعض مديريات لحج، ساحة لأول مواجهات أخذت طابعاً مسلحاً بين قوات الجيش والأمن والمواطنين وناشطين في الحراك. ربماكانت صورة من مستقبل الصراع سقطت في ماضي 2009.
وبدأ ت إرهاصات ماهو اخطر.
نسبت السلطات إلى فصائل الحراك أعمال عنف واعتداءات على مواطنين من “أبناء الشمالـ” يعملون في بعض المحافظات الجنوبية، وهو ما نفته مراراً قيادات الحراك. لقد حدثت هجمات بالفعل استهدفت عمالا، وأصحاب محال تجارية أثناء بعض الفعاليات، شاركت فيها عناصر من الحراك.  ووقعت حوادث تقطع وقتل استهدفت ” شماليين ” تعاملت معها السلطات بصورة دعائية ضد الحراك، لكنها لم تضبط ايا من المتورطين في تلك الهجمات . ينفي القيادي في الحراك الجنوبي ناصر الخبجي صلة الحراك بأي من تلك الوقائع  واتهم ” السلطة بالوقوف وراء أعمال القتل والتقطع ” التي استهدفت أبناء الشمال لتحريضهم ضد أبناء الجنوب “. ذلك لا يعني إن عناصر الحراك غير متورطين البتة . ويقول الخبجي ” إذا وقعت بعض الأعمال فهي فردية ولا تعبر عن موقف الحراكـ”  لذلك ” طالب السلطات بضبط مرتكبيها وحملها مسؤلية ” حياة المواطنين، خصوصا أبناء الشمال البسطاء”.
والآن يتبادل الطرفان بصورة متزايدة الاتهامات بالتحريض على الكراهية والعنف ” والقتل بالبطاقة ” بصورة تنم عن تحضيرات ربما تديرها أطراف ” قادرة ” لإشعال حرب  على أساس” شمال وجنوبـ”.
كانت البذرة الأولى للحراك جمعيات المتقاعدين العسكريين وأخرى للعاطلين عن العمل. لقد صاغ الناشطون هناك لافتات لأربع  فصائل تمثل جميع مكونات الحراك، وقد فشلت محاولة دمج تبناها الشيخ طارق الفضلي الحليف السابق للرئيس منتصف العام الماضي في كيان موحد كان يطمح لقيادته.
لا تخلو العلاقة بين أطراف الحراك من تباينات وتنافس أحيانا . مثلا : تحتفظ بعض الفصائل بمواقف مناهضة  لبعض القيادات الجنوبية الموجودة في  الخارج، وبعضها تدعو لاستعادة دولة الجنوب العربي قبل الاستقلال، في حين تدعو أخرى للعودة إلى ما قبل 22 مايو.وهناك امتدادات لبعض فصائل المعارضة  المتشددة في الخارج موجودة بصورة نشطة في حركة الاحتجاجات.لكن جميعها على اختلاف طيفها تدعو إلى” فك الارتباط” وتنادي بـ” تحرير الجنوبـ” وقد انتقلت معظمها لاستخدام وسائل أخرى من العمل الاحتجاجي لم تجربها من قبل.
مع استئناف علي سالم البيض في مايو الماضي نشاطه السياسي منذ نهاية حرب 1994، ، أطلق الرجل ما يشبه برنامج عمل ميداني لقوى الحراك. فبالإضافة إلى الاعتصامات، توعد بالعصيان المدني، دون أن يستبعد “الكفاح المسلح”.
منتصف ديسمبر الماضي، اختبرت بعض فصائل الحراك طريقة العصيان المدني،وكذلك الإضراب وإغلاق المحال والمدارس، وكانت الخطوة  مثار انقسام في البداية بين قوى الحراك، قبل أن يتم اختباره عملياً على الأرض في جميع المحافظات. لم يكن التنفيذ مثالياً، فإلى محاولات السلطات الأمنية كسر الإضراب، حاولت بعض الفصائل استخدام العنف في إجبار المواطنين على الالتزام به، كما تقول السلطات.
لقد استمرت حالة الشد والجذب بين السلطات وفصائل الحراك، وأخفقت جميع الأدوات التي استخدمتها السلطة في الحد من نفوذ حركة الاحتجاجات.
 قراءات مشوشة
أحياناً كانت تسود فترات هدوء متقطعة يخلد فيها الجميع لما يشبه استراحة محارب. ربما كانت معطيات لاستخلاصات مشوشة عن حقيقة الوضع. فبينما كان يخامر الجميع؛ سلطة ومراقبين، شعور بأن الأوقات الصعبة قد مضت، كانت الاحتجاجات تستيقظ أكثر سخونة من ذي قبل. وقد آلت الأمور إلى سيطرة بعض فصائل الحراك في مناطق جنوبية مختلفة، سيما في الأرياف. حدث ذلك في طور الباحة ومنطقة العسكرية والحبيلين بلحج.
وكلما تزايدت وتيرة الحركة الاحتجاجية كانت السلطة تهرع إلى الحلول الأمنية والعسكرية.
مطلع مارس الفائت، شنت السلطة حملة أمنية وعسكرية على المثلث الأسخن في الجنوب: أبين، الضالع، لحج. قالت السلطة إن الحملة موجهة لاستعادة النظام والقانون وضبط “عناصر التخريبـ”  . وقد نجم عنها مواجهات مع عناصر الحراك سقط فيها العديد من القتلى والجرحى من الجانبين. ونفذت حملة اعتقالات أرسلت بالعشرات إلى السجون.
لقد كانت محاولة لإعادة الهدوء والاستقرار للمحافظات.  برغم ذلك فقد استمرت المسيرات بصورة شبه دائمة في الضالع، مقابل هدوء نسبي في أبين ولحج سرعان ماعاد للاشتعال في بعض مديريات المحافظتين. كانت الحملة بنظر البعض تصعيداً ربما ساهم في دفع  الأزمة نحو المزيد من التعقيد، وترجيح خيارات العنف.
قبل أسبوعين اكد قائد أحدى الفصائل التي توصف بالاعتدال،على التزام قوى الحراك بالطرق السلمية وأن “النضال السلمي سيستمر، وستنتصر أهدافنا”. وكان ناصر الخبجي حينها يتحدث  عن استمرار الحصار العسكري المفروض على الضالع، وعن استحداثات وتعزيزات عسكرية للجيش في مناطق الجنوب.
باستمرار التداعيات على هذا النحو، أصبح الخبجي وهو نائب رئيس المجلس الأعلى للحراك السلمي، أقل ثقة بالتزام الجنوبيين “بالنضال السلمي”.
“لا نستبعد ظهور قوى سياسية تكون لها خيارات أخرى، ولا نضمن ذلك، لأن المعاناة قاسية ومؤلمة لأبناء الجنوب في ظل صمت شعبي لأبناء الشمال سلطة ومعارضة” قالها الخبجي بأسف وخيبة أمل كبيرة.
*********
 
مسار خطِر
حتى نهاية 2009 قُتل ما لا يقل عن 60 شخصاً، وجُرح قرابة 500آخرين بحسب إحصائية للمرصد اليمني لحقوق الإنسان . يعتقد أن العشرات من عناصر الشرطة والجيش قتلوا أو جرحوا في صدامات مع المحتجين أو سقطوا في هجمات انتقامية.
طبق تقرير قدمته وزارة الداخلية لمجلس النواب في أبريل الفائت، فقد قتل 18 شخصاً وجرح 120 آخرون خلال الربع الأول من العام الجاري فقط.
لا تمثل إحصائية المرصد سوى الحالات المدونة في سجلاته، ويعتقد أن حالات كثيرة لقتلى وجرحى وقعت منذ بداية الاحتجاجات لم توثقها السجلات الحكومية أو المنظمات الحقوقية.
ليس معروفاً على وجه الدقة عدد ضحايا الجيش والأمن، ويقول تقرير الداخلية إن هناك 10 من عناصر الأمن قتلوا خلال الفترة المذكورة، في حين أصيب 48 آخرون بجروح، والبقية كانوا من المدنيين.
مع تصاعد الاحتجاجات استخدمت الحكومة “القوة المميتة في مواجهة المحتجين الذين التزموا غالباً الطرق السلمية”. ويقول تقرير حديث لهيومن رايتس ووتش  بخصوص ممارسات المحتجين  انهم ” “كثيراً ما لجاوا إلى العنف، فأحرقوا السيارات وألقوا الحجارة، وكان هذا عادة رداً على عنف الشرطة”.
وإذ واصلت قيادات الحراك اتهام الحكومة بارتكاب “جرائم قتل للمواطنين الجنوبيين وملاحقتهم والزج بالمئات منهم في السجون”، اتهمت الداخلية “العناصر الخارجة عن القانون” بالتسبب بأعمال العنف التي أدت إلى سقوط الضحايا من الأمن والمدنيين.
مع استمرار السجال بين الجانبين توحي التداعيات القادمة من ساحة الاحتجاجات أن الصراع دخل طوراً خطيراً، حيث تجنح عناصر متزايدة من الناشطين نحو العنف، في مواجهة حملات أمنية وعسكرية مكثفة.
بحسب مصادر محلية مستقلة في لحج، فقد المحافظة بصورة  متقطعة تنفيذ هجمات ليلية ضد عناصر الشرطة ودوريات الجيش لناشطين  ردا على الحملات الأمنية المستمرة  ضد عناصر الشرطة. وأحياناً جرت حالات اختطاف لجنود عثر عليهم لاحقا قتلى.
في مارس الفائت نشر موقع “سبتمبر نت” الحكومي ما قال إنه تقرير للسلطة المحلية في محافظات: الضالع ولحج وأبين وحضرموت، اتهم “العناصر الانفصالية التخريبية” بارتكاب “المزيد من جرائم التخريب الفوضوي والاختطافات والقتل بالهوية”.
وللمرة الأولى أفصح التقرير عن عمليات اغتيال وقتل طالت ضباطاً وعناصر في الجيش والأمن.
ضمن خطط منسقة اشرفت عليها وزارة الدفاع تم تشكيل اللجان الشعبية ” للدفاع عن الوحدة ” في عديد محافظات شملت المحافظات الجنوبية، انخرط فيها مناوؤن للحراك من حلفاء السلطة،ومواطنون مؤيدون على ما ذكرت اخبار رسمية . اتهمت قوى الحراك السلطة بتوزيع الأسلحة ، على تلك اللجان في حين تقول السلطة ان عناصر اللجان متطوعون ” للدفاع عن الوحدة ” والوقوف ضد” الانفصاليين.
في جانب آخرهناك ما يزيد عن ألف معتقل موجودون في السجون على ذمة الحراك الجنوبي، ويقول تقرير هيومن رايتس ووتش الذي صدر في ديسمبر الفائت، إن السلطات اعتقلت الآلاف من المحتجين على مدى السنوات الماضية، بينهم أطفال، وأفرجت عن غالبيتهم.
جاء تقرير المنظمة “باسم الوحدة” بعد تنفيذ فريقا متخصصا استقصاء ميداني واسع عن الكيفية التي تعاملت بها الحكومة اليمنية مع احتجاجات الحراك الجنوبي. يقول التقرير إن “قوات الأمن، والأمن المركزي على الأخص، لجأت إلى ارتكاب انتهاكات موسعة لحقت بالجنوب، منها القتل غير القانوني والاحتجاز التعسفي والضرب وقمع حريات التجمع والتعبير واعتقال الصحفيين”.
لكن جميع الطرق التي سلكتها السلطات في معاقبة الناشطين لم تفلح في كبح جماح الحراك،  والحد من نفوذه، بل قادت غالباً إلى نتائج معاكسة.
في 3/7/2009 وقع الناشط “فارس الجنوبـ” في قبضة قوة عسكرية في حي المنصورة بعدن، مع عدد من رفاقه كانوا يتحضرون لفعالية مسائية، وقد نقلوا على الفور إلى شرطة المنصورة، وفي اليوم التالي إلى إدارة البحث الجنائي بمعسكر طارق.
” قاموا بضربنا بأعقاب البنادق مثل البهائم ،وبدأوا معانا التحقيق في منتصف الليل، “، يتذكر الشاب ما واجهه أثناء الاعتقال.
يضيف: في البحث الجنائي حطونا في زنازين بدون ماء ولا كهرباء”.
من حسن حظ “فارس” أنه لم يبقَ في المعتقل كثيراً، فقد أُفرج عنه بضمانة في اليوم التالي. لكن هذه التجربة البسيطة ارتسمت على نحو آخر في ذهن الشاب.
“صدقني يا أخي الاعتقال لم يؤثر عليَّ وعلى زملائي. رب ضارة نافعة، تصدق أن حماسنا زاد أكثر بكثير عن السابق بعد خروجنا من السجن” يقول فارس عن تجربته.
لاحظ تقرير هيومن رايتس أن “هذه الانتهاكات أدت لخلق أجواء من الخوف، لكنها أيضاً زادت من ضيق الجنوبيين وإحساسهم بالغربة، مما زاد من المشاعر الانفصالية في الجنوب، وألقى بالبلاد في دوامة من القمع والاحتجاجات أدت بدورها إلى المزيد من القمع”.
*********
 
* كان عبد الوهاب الآنسي ورفاقه في قيادة المشترك قبل عامين،ينتقدون بشدة حاملي شعار القضية الجنوبية، والآن أصبح الجميع يطالبون بمعالجتها سياسيا
* خلصت أول محاولة حزبية لاستكشاف اتجاهات فصائل الحراك إلى وجود بارقة امل، فمطالب ” فك الارتباط” يمكن التراجع عنها شريطة أن يستيقظ الشمال
* هل تلعب الأحزاب دور الملاحق لمواقف الحراك؟
* مازالت آثار حرب 94 ماثلة في صفوف المشترك، وبعض الأطراف مازالت تبدي تحفظا حيال الازمة في الجنوب.
المعارضة في مواجهة  جنوبها الخاص 
تشبه الساحة الجنوبية  مضمار سباق. وتبدو عملية الركض باتجاه النهاية، ليست محل منافسه. وحدها حركة الاحتجاجات تنفرد بالمقدمة. وبالنسبة لأحزاب المعارضة فإنها تحاول الركض،غير أن المسافة الفاصلة مازالت نفسها منذ انطلقت صافرة البداية.
مع ذلك فان قوى الحراك الجنوبي، لا ترى أنها تخوض المنافسة مع الأحزاب، بل في مواجهة السلطة ، حيث تواصل أنشطتها الاحتجاجية  ” لفك الارتباط”  مع الشمال.
ربما بدأت أحزاب المشترك تعي أنها تأخرت كثيرا عن الأزمة المتفاقمة في الجنوب، لكن ذلك لا يبدو كافيا بالنظر إلى التداعيات المتسارعة للازمة التي تهدد البلاد بالتفكك.
لا يفضل الأمين العام لحزب التجمع الوحدوي اليمني، د. عبد الله عوبل أن يتوقف الآن لتقييم تعاطي المعارضة مع الأزمة في الجنوب. كان مترددا في الحديث عن ذلك ربما لحساسية  دوره كرئيس للجنة مكلفة من ” الحوار الوطني “بالقضية الجنوبية،. مع ذلك فقد قال بوضوح : نحن تأخرنا كثيرا . كان يفترض أن نتبنى مشروعا على أساس وحدة وطنية  وان لا نترك التداعيات تمضي باتجاه فك الارتباط ، وكان يمكن أن نتجنب هذا الانشقاق الظاهر الآن والمشاكل القائمة”.
لقد صدقت اذن تحذيرات أطلقها ناشطون وقيادات حزبية في مشترك المحافظات الجنوبية،قبل أكثر من عامين من مآلات المشهد الملتهب هناك.
نهاية أكتوبر 2007م كان عبد الوهاب الآنسي ورفاقه ، أعضاء المجلس الأعلى لأحزاب المشترك، يحاولون التصدي لشكوك وهواجس كثيرة تهيمن على قيادات فروع المشترك في لحج وأبين وعدن والضالع حيال موقف المعارضة من الاحتجاجات التي كانت في طورها الأول.
في قاعة كبيرة بسكرتارية منظمة الحزب الاشتراكي بعدن، ارتفعت أصوات عديدة بعضها كان مشككا بمواقف قيادات مشترك المركز بصنعاء، وأخرى، محذرة  على هذه الشاكلة : إذا لم يلتحم المشترك بالجماهير في الشارع ، فسيجد نفسه بعيدا عن الشارع، وستؤول القيادة لآخرين .
لقد وجد  الآنسي  والعتواني ،وباذيب، ورزاز  والصبري، أنفسهم، في مواجهة  ربما لم تكن محسوبة ، أثارت حفيظتهم، فجادلوا كسياسيين كانت مهمتهم  الوحيدة الدفاع عن مواقف المشترك،فاعتبروا” الحديث عن القضية  الجنوبية  انعزالي، ولا يخدم سوى السلطة ” و لاذ جميعهم هربا من الاتهامات بغياب المشترك بالمبادرة الميتة التي اطقلها التحالف المعارض في ديسمبر 2005م عن الإصلاح السياسي الشامل. تحدثت قيادات المشترك عن اشتمال البرنامج على معالجات لكل المطالب المطروحة شمالا وجنوبا، ونسي جميعهم أنهم يواجهون في نفس القاعة ما يمكن اعتباره دليلا بان المبادرة لم تكن سوى حبرا على ورق.
باختصار فقد انتقدت يومها قيادات المشترك بشدة الدعوات للاعتراف بالقضية الجنوبية، قبل أن تعود  بعد أكثر من عام هي لتتبنى الدعوة  مؤكدة أن  ” معالجة القضية الجنوبية ،” هو “المدخل لإصلاح شامل في البلاد”، لكن ذلك جاء بعد أن أصبح ” فك الارتباط ” هو المطلب الأهم لقوى الحراك الجنوبي.
وكما كان هذا التطور في الموقف  متأخرا فقد انطوى أيضا على اعتراف ضمني من الأحزاب بخطأ تقديراتها للأزمة. وقتها كانت التحولات تتسارع في الجنوب، حيث ذابت جمعيات المتقاعدين التي قادت الاحتجاجات في فصائل أخذت شكل المكونات السياسية، في حين كانت الحركة  الاحتجاجية تستقطب المزيد من الأنصار.
لكن ذلك لا يعني البتة أن الأحزاب لم تكن موجودة في الحراك. فاغلب المشاركين في الأنشطة الاحتجاجية وقياداتها هم في الأصل  ناشطون في أحزاب، ومعظمهم ينتمون للحزب الاشتراكي. وفي الواقع فقد مثلت أنشطتهم  في الحراك شكلا من التمرد على سياسات المشترك المركزي بأحزابه المختلفة، وكانت تعبيرا عن فجوة عميقة  بين أحزاب المركز وفروعها في الأطراف وخصوصا في الجنوب.
مطلع عام 2008م خرج رئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح، في محاضرة طلابية  ليقول أن حزبه سيقاتل من اجل الدفاع عن الوحدة. وكان يرد على دعوات الانفصال التي يطلقها المحتجون في الجنوب. ضمن ابرزما قاله حينها : نجوع وتبقى الوحدة . لم يأت الرد على محمد اليدومي من قيادات المحتجين، بل من رئيس فرع حزبه بحضرموت محسن باصرة .كما لم يكن باصرة يخاطب اليدومي بشكل مباشر، لكنه أيضا لم يكن يعني أحدا غيره، فقد قال إن ”  الجوع كافر ” وانه “غير مستعد للدفاع عن الوحدة تحت نظام على عبد الله صالح”.  لقد كان ذلك مشهدا مكثفا للأزمة التي تعيشها الأحزاب، عكست عمق الفجوة بين عقل المركز السياسي، والأطراف بصورة ربما تمثلت إلى حد ما أزمة السلطة نفسها. كانت الدلالة اكبر حين وقع هذا التجاذب في اكبر حزب معارض، ويتمتع بصرامة تنظيمية اكبر مقارنة بالأحزاب الأخرى.
ولاحقا جاءت الأحداث لتشير إلى تلك الفجوة الكبيرة . يرفض على اليزيدي نائب الأمين العام للتنظيم الوحودي الناصري  توصيف الأمر على هذا النحو، ويقول  إن المسار بين المركز والأطراف موحدا. ” نحن لنا قواعدنا في المحافظات الجنوبية ، على مستوى الأحزاب، وعلى مستوى المشترك ، وقمنا بتشكيل لجان متخصصة على كل المستويات ” .
لم يسلم القيادي الناصري بأن الحراك قد نشأ خارج نطاق الأحزاب ، مدللا على عدم صحة ذلك بالقول ان  ” الأحزاب كانت حاضرة وممثلة من خلال قواعدها في الحراك ” !
  لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لامين عام حزب التجمع الوحدوي ذي الجذور اليسارية وهو حزب خارج تحالف المشترك، ويشارك  في لجنة الحوار التي انبثقت عن ملتقى التشاور الوطني الذي تبنته المعارضة،.يقول د. عبد الله عوبل ” نحن موجودون في الحراك  و أعضاءنا  جزء منه ” .
لكن  في فبراير الماضي نزلت لجنة مؤلفة من قيادات حزبية يرأسها عوبل  في مهمة لبدء حوار مع فصائل الحراك الجنوبي . فما هي حاجة الأحزاب للحوار مع نفسها؟
يقر اليزيدي بوجود “بعض التوجهات في الحراك ترفض التعامل مع المشتركـ” . ويقول عوبل، إن هناك قوى كثيرة لاعبة في الجنوب، “بعضها يسعى لخلق صراع بين الحراك والمشتركـ” . تحديدا يتهم أمين عام التجمع ” حركة ” تاج ” التي تتخذ من لندن مقرا لها بالسعي لتصوير المشترك بانه يتآمر على الحراك وانه ” عميل للسلطة ”  . ويضيف : طبعا هذا النوع من الألعاب أصبح مكشوفا و الحراك أصبح ناضجا الآن.
  في المراحل الأولى شهد مضمار الجنوب  منافسة  محدودة بين المشترك والحراك، تم التعبير عنه أحيانا بصورة مناوشات وقعت في بعض الفعاليات، وعبرت الحركة الاحتجاجية بصورة علنية عن رفضها لأي محاولات تجيير حزبي، وحظرت رفع اللافتات والشعارات الحزبية في أنشطتها.
يتذكر عيدروس النقيب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي كيف رفض المحتجون انخراط الأحزاب السياسية في فعالياتهم . كان هو من المشاركين في فعلياتهم في بدايتها وكانت جمعيات المتقاعدين هي من تقود الحراك. ” طلبنا من جمعيات المتقاعدين ان نكون شركاء معهم ، فاستحسنوا عدم الزج بالأحزاب  السياسية مباشرة ،في الاحتجاجات لتقديرهم الخاص، لم أجد تفسيرا لذلك ، لكننا  نحترم هذا التقدير ” يقول النقيب وهو يظهر قدرا من التفهم  بينما لا ينسى التأكيد بان ” الحراك السلمي، مولود شرعي ينبغي النظر إليه بعين الاعتبار، وعدم النظر إليه كخصم سياسي”.
لقد شعرت الحركة بأنها تجاوزت تحدي إثبات الذات، وانتقلت إلى طور آخر حيث تشكلت هياكلها التنظيمية وأفرزت قياداتها الميدانية والسياسية، وتحلت بقدرة تنظيمية والتاثير على الرأي العام ، مكنتها من تنفيذ المئات من الأنشطة والفعاليات الاحتجاجية حتى الآن .
عندما زارت اللجنة المكلفة بالحوار مع فصائل الحراك في فبراير الماضي بعض المحافظات الجنوبية، بدا إن مطالب ” فك الارتباط ” ليست حاسمة على نحو قاطع، لكن الصيغة القائمة للوحدة باتت مرفوضة تماما. على الأقل هذا ما لمسه رئيسها عبدالله عوبل.
أجرت اللجنة المؤلفة من عدد من قيادات الأحزاب بينهم علي اليزيدي، نقاشات أولية مع بعض أطراف الحراك ابرزهم طارق الفضلي، ومع فصائل فرعية داخل الحراك.  بدت العملية اقرب الى مهمة استكشافية نفذتها اللجنة ،وطبقا لعوبل فان النقاش استهدف الوصول إلى “نقاط لقاء مشتركة” سيتم على ضوئها  إعداد برنامجا متكاملا ” لنعمل معا من اجل التغيير السلمي”.
من ضمن ما تم الاتفاق عليه تشكيل لجنة موحدة للحوار باسم الحراك مقابل اللجنة الملكفة من لجنة الحوار الوطني، ليبدأ الطرفان مشوار الحوار الذي يبدو انه سيأخذ وقتا طويلا .
يقول عوبل إن لجنة الحراك لم تظهر إلى النور، وان هناك اتصالات مع سكرتير منظمة الحزب الاشتراكي بعدن علي منصر وهو الشخص المرجح لرئاستها . لكنه يعتقد أن الحراك نفسه بفصائله المختلفة ليس متفقا على تشكيلة اللجنة ، ” ويبدو انه ليس لدى اللجنة التفويض لتبدأ الحوار”.
مازالت  لجنة “القضية الجنوبية” تنتظر أن يتم الاتفاق على تشكيل اللجنة من قبل الحراك ليبدأ الطرفان الحوار ” للبت في قضايا للاتفاق حول رؤية معينة لإخراج الوطن من المأزق”.   
إجمالا فقد لمس الأمين العام لحزب التجمع الوحدوي ميلا لدى كل فصائل الحراك  للقبول  بحل أدنى من سقف ” فك الارتباط ” ، وبعضهم يميلون إلى صيغة نظام  فيدرالية ثنائية بين شمال وجنوب ” نحن نعتبرها حالة متقدمة” يقول عوبل .
لكن ذك يحتاج إلى جرعة ثقة قادمة من الشمال وتحديدا من المعارضة. يقول عوبل : قوى الحراك تنتظر منا عملا على صعيد تحريك المحافظات الشمالية . ” إذا خرجتم وتظاهرتم ، وتضامنتم بشكل عملي فان مسألة الاتفاق ستكون سهلة ” يضيف عوبل ناقلا مطالب الحراك من المعارضة.
وحتى الآن مازال المشترك بالنسبة لقوى الحراك محل شك على ما يبدو.  يفضل التكتل المعارض التصرف  مع المشكلة المتفاقمة، بطريقته الخاصة ، فالي موقفه الداعم ” للقضية الجنوبية ” فهو يرفض مطالب ” فك الارتباط ” التي تجمع عليها قوى الحراك الجنوبي ، وإذ يحذر دائما من مخاطر كارثة محققة تنتظر البلاد إذا استمرت السلطة في تعاطيها مع الأزمات القائمة، فانه لا يفعل الكثير لوقف هذا الانحدار.
منذ أكثر من عامين والأحزاب تقول إنها بصدد التحضير لمؤتمر حوار وطني واسع ” يجمع كل الأطراف المعنية في اليمن في الداخل والخارج “،وبعد نحو عام من إخفاقها في جلب السلطة للحوار بموجب اتفاق فبراير 2009 الذي نص على تأجيل الانتخابات النيابية إلى 2011، بدأت تلوح  بالنزول إلى الشارع .
مطلع مارس الفائت، نظمت الأحزاب وقفات احتجاجية في عدد من المحافظات الشمالية . وكانت مكرسة للتضامن مع الحراك الجنوبي بالتزامن مع الحملات الأمنية ولعسكرية التي شنتها السلطات على بعض محافظات الجنوب. بحسب  أمين عام حزب التجمع الوحدوي فان تلك الاعتصام كانت جزءا من برنامج  أقرته لجنة الحوار والأحزاب.
يقول عوبل : ننتظر أن نبدأ بتنفيذ فعالية كل أسبوع على الأقل للتضامن مع الحراك ، واحتجاج ضد تردي الأحوال المعيشية وارتفاع سعر العملة ، وضعف الخدمات ، وهي قضايا يمكن أن تحرك الشارع يوميا .
احد أهداف هذا البرنامج ” إعادة اللحمة الوطنية وتجاوز مرحلة الشرخ الاجتماعي الذي خلقه النظام  بين أبناء اليمن الواحد” طبقا لامين عام حزب التجمع الوحدوي.
كان عوبل يتحدث للنداء  منتصف مارس الفائت، وحتى الآن لم تحظى مهمة استعادة ” اللحمة الوطنية ” بأكثر من اعتصامين للمشترك، أقيمت داخل ساحات مغلقة.
بالنسبة لقوى الحراك الجنوبي، فهناك من يقابل التحرك بترحيب فاتر، وأخرى لا تكترث للأمر وتشكك في نواياه.
يصف ناصر الخبجي نائب رئيس المجلس الأعلى للحراك السلمي الاعتصامات التي نفذها المشترك بالشيئ الجيد، و يتمنى أن “يستمر وان يتصاعد “. ويضيف : نحن نرحب بأي تضامن ، وبأي  موقف متعاطف مع قضيتنا من أي طرف لكن بدون شروط ” لعله يقصد الدعوات التي تطلقها الأحزاب للحفاظ على الوحدة الوطنية .
 أما نائب رئيس المجلس الأعلى لتحرير الجنوب الذي يرأسه حسن باعوم  فقد اعتبر خروج المشترك ” تعبيرا عن عمق الأزمة التي يعانيها نظام الاحتلال ”  وأردف أمين صالح في تصريح للنداء : حتى لو كان المشترك يريد أن يضغط على سلطة الاحتلال من اجل تقديم تنازلات تحفظ ما تسميها هذه الأحزاب بالوحدة ، لكن الاحتلال سيظل احتلالا والمقاومة مشروعة”.
أكثرهم تذمرا كان المتحدث باسم ما يعرف بـ” اتحاد شباب الجنوب ” وهوالكيان المقرب من “تاج ” ، فقد قال إن المشترك ” تخلى عن الجنوب  والشارع الجنوبي عندما خضع للأمر الواقع في انتخابات وهمية آخرها الانتخابات الرئاسية عام 2006″  وبالنسبة ” للجنوبيين فان المشترك قدمات وانتهت اربعينيته ” وفقا لأبي تمام الاسم الحركي للقيادي في الاتحاد.
طوال الفترة التي قضاها الناشطون في الاحتجاجات، كانت المعارضة تبدو خارج المضمار تماما، في حين كان بروز الحراك دليلا على الفراغ الذي كان يتسيد المشهد في الجنوب، رغم احتشاده بالقضايا الكبيرة. وقد طالت لحظة الارتباك التي دمغت المعارضة، قبل ان تقرر لعب مايشبه دور الملاحقة. غير انها لم تنج من الاتهامات الرسمية بالتآمر مع الحراك والتحالف معه ، ومساندة ” عناصر التخريب والخارجين عن القانون والنظام ” كما درجت الخطابات الرسمية. فهل استيقظت الأحزاب لاحقا ، لتدارك الحراك ، بالركض خلفه؟
يرفض عبد الله عوبل أي محاولة لقراءة الأمور على هذا النحو. فهو يؤكد انه ليس مطلوبا من الأحزاب التماهي مع الحراك ” نحن أحزاب لدينا رؤية مشتركة ( وثيقة الانقاذ) ونحاور الآخرين للوصول الى رؤية مشتركة  واتفاق “، يقول ثم يستدرك ” لكننا نتفهم ما يحدث في الجنوب “. 
كان عيدروس النقيب  كما يقول من أكثر المنتقدين للمعارضة  بسبب ” عدم ايلاءها القدر الكافي من الاهتمام ” وقد اختلف الامر من و جهة نظره  ” فاليوم المعارضة تتبنى القضية الجنوبية ،وتدعو لمعالجتها ، وهي تؤازر مطالبها القانونية  والمشروعة لأبناء المحافظات الجنوبية”.
” مشكلتنا إننا دائما نتأخر”  يقول عوبل آسفا و يتمنى لو” كنا في اليمن نمتلك مشروع وحدوي يجذب الناس إليه من البداية “.
——
إجماع على الورق
مثلت  وثيقة ” الإنقاذ ”  التي أطلقتها لجنة الحوار الوطني في سبتمبر 2009 شهادة إجماع على الأقل في صفوف المشترك بأن البلد يواجه خطر التفكك. وحظيت  ” القضية الجنوبية”  باهتمام بالغ إذ جعلت الوثيقة من المطالبة بمعالجة  ” أبعادها السياسية والحقوقية” ذات أولوية ملحة لوقف انهيار الأوضاع في البلد.
تعكس الوثيقة  تطورا مهما في مواقف أطراف المشترك وتصوراتها للمشكلة في الجنوب، فالاعتراف بضرورة معالجة القضية الجنوبية  بأبعادها السياسية تحديدا يعبر عن مقاربة  جديدة في تشخيص المعارضة للمشكلة التي ظلت حبيسة التوصيف ” المطلبي والحقوقي” . والآن أصبحت المقاربة أكثر شمولية ، حيث يأخذ الجذر السياسي للأزمة  حيزه الملائم، لتخلص جميع الإطراف إلى ضرورة إعادة روح وحدة 22 مايو،مع التأكيد على ان حرب 1994 كانت المشكلة التي أطاحت بالمشروع الوحدوي وخلقت كل هذه التصدعات.  
لكن الإجماع  الذي تكرس على الورق لا يعني انه كذلك في الميدان ، وظهر التباين أحيانا على ورق بعض أطراف المشترك نفسه.
آخر بيانات اكبرأحزاب المشترك، يمكن الاعتماد عليها، لمعرفة موقع أزمة الجنوب في اجندتها:
بشكل يتواءم مع دوره وحضوره التاريخي في الجنوب كان بيان للأمانة العامة للحزب الاشتراكي، مطلع مارس الفائت، يحتفي بالحراك السلمي في الجنوب، فقد حيا أعضاءه المشتركين في الاحتجاجات   ” المتمسكين بموقف الحزب من القضية الجنوبية “. واظهر الحزب اعتدادا بموقفه الداعم للحراك الاحتجاجي ” بطابعه الوطني وخياراته السلمية ”  مؤكدا ان   القضية الحنوبية ، “هي قضية سياسية بامتياز”.
خلافا لحليفه، كانت ” القضية الجنوبية ”  شبه غائبة عن بيان أعلى هيئتين سياسيتين لحزب التجمع اليمني للإصلاح .
ففي بيان للهيئة العليا للحزب في 12 ابريل الفائت، ركز الإصلاح على  السياسات السعرية التي تتبعها الحكومة، دون أن يتطرق إلى الأوضاع المضطربة في الجنوب والتصعيد المستمر بين حركة الاحتجاجات والسلطة. على نحو مقتضب، دعت هيئة الإصلاح ” كافة ابناء الشعب الى الوقوف عبر مختلف أشكال العمل والنضال السلمي في وجه  الظالمين والفاسدين “.
قبل ذلك كان بيان لمجلس شورى الإصلاح في دورته الاعتيادية في 17 مارس الفائت ، يطالب بالوقف الفوري ” لعسكرة المدن وقمع الفعاليات السلمية  وسرعة إطلاق المعتقلين السياسيين “. غير انه أطلق تحذيرا لافتا للحراك احتل أولوية البيان . نبه شورى الإصلاح” قيادة ونشطاء الحراك السلمي من مغبة الانزلاق إلى العنف” وقال ان ذلك ” سيؤدي الى توفي الغطاء القانوني والأخلاقي للسلطة في ممارسة نهج العنف”.
منذ بداية اندلاع الاحتجاجات تعاملت أحزاب المشترك بتحفظ، عكس بعض ملامح آثار حرب حرب 1994في صفوف القوى السياسية. فرغم التحالف بين حزبي الإصلاح والاشتراكي في كيان المشترك فقد عانى حزب الإصلاح من تبعات المشاركة في الحرب كبلته عن الاستجابة  بشكل أفضل للازمة المتصاعدة بصورة عكست نفسها على مواقف المشترك. مقابل تلك التفسيرات فان الإصلاح بنظر آخرين قطع أشواطا كبيرة في هذا الصدد مقارنة بما كان عليه سابقا .وأيا يكن الحال فالواقع أن الاشتراكي ربما لم يحظ بخصوصية في التعامل مع ساحته المفترضة، وخضع غالبا لمبدأ التوافق مع حلفائه في التكتل.
ربما شعر الاشتراكي لاحقا بانكشاف ساحته في الجنوب، فالاعتقالات تطال قياداته ونشطائه، وآخرون مطاردون من قبل السلطات. بحسب معلومات مصادر مطلعة  فقد قرر الحزب تكليف قياداته بالنزول الميداني  للمحافظات الجنوبية  والمساندة الميدانية للحراك لتدارك تداركا للوقت، واستجابة لمخاوف انقسام ظهرت في تعبيرات بعض الأصوات داخل الحزب في الجنوب .
لعله شعور مرير بالتأخر عن الحراك، رغم أن الحزب تصدى عقب نهاية حرب 1994م لمهمة المطالبة بإزالة آثار الحرب ودعا إلى مصالحة وطنية .
ينفي عيدروس النقيب أن يكون الحزب قد خامره هذا الشعور مؤخرا. ويندفع بانفعال لإطلاق سلسلة تساؤلات : لا ادري لماذا على الحزب أن يشعر بالذنب؟ هل لأنه دافع عن  المظلومين وتصدى لنتائج حرب 1994 منذ يومها الأول ، أم لأنه جاء إلى مشروع الوحدة ؟
يدافع النقيب وهو عضو في المكتب السياسي في الاشتراكي عن مواقف حزبه ” فالحزب هو اقرب إلى وضع الحزب المحظور حتى اليوم، واملاكه وأمواله مصادرة ، وأعضاؤه مطاردون . لا يوجد لدينا ما ادخرناه في سبيل نصرة المظلومين” .
 
***
 
 
لم تعد قضية أرض منهوبة
عندما انطلقت الاحتجاجات في طورها الأول، لم تكن تتجاوز حاجز الاستحقاقات الوظيفية. فقد رفعت جمعيات المتقاعدين عديد مطالب لمعالجة أوضاع عشرات الآلاف أُجبروا على التقاعد عقب حرب 94.
كانت “الإعادة إلى الوظائف السابقة، والترقيات والتسويات المالية للمتقاعدين ” أبرز تلك المطالب. غير ان السلطة ارتكبت أخطاء فادحة في التعامل معها. فإلى إنكار وجود المشكلة، ثابرت على اتهام المحتجين بالعمالة والانفصال، ثم عادت لاحقاً لتعترف بوجود أخطاء، وشكلت لجاناً حكومية لمعالجة مشاكل المتقاعدين.
غير أن الكثير من الوقت والفرص كانت قد تسربت، وكان الحراك قد انتقل إلى طور آخر، حيث باتت “استعادة دولة الجنوبـ” مطلبه الرئيس.
مرار قالت الحكومة إنها أنهت معالجة مشاكل المتقاعدين، وهذا أمر مشكوك في صحته على الأقل بالنسبة لعيدروس النقيب.
يعترف القيادي الاشتراكي، وهو نائب في البرلمان عن إحدى دوائر محافظة لحج، بأن الآلاف من المتقاعدين أعيدوا إلى أعمالهم وتمت تسوية حقوقهم المالية “لقد تم ذلك حقاً، غير أنهم أعيدوا مجدداً إلى منازلهم”.
ويضيف: بعضهم عينوا مستشارين، ووضع آخرون في مكاتب ولا يقومون بأي عمل، فاضطروا للعودة إلى المنازل، ويتقاضون رواتبهم آخر الشهر.
إذا كانت حدثت حقاً وهو الأرجح وفقاً لمسار الأحداث، فإن هذه الطريقة عمقت الشروخ النفسية لدى هؤلاء عوض ترميمها.
يقول النقيب باستياء: هؤلاء كوادر علمية مؤهلة، لكنهم محرومون من الخدمة، وهم موضع شك. هذا يُشعرهم بالمذلة والاحتقار.
لم تكن عاصفة المشاكل القادمة من الجنوب تخص المتقاعدين وحدهم، فقد أثار المحتجون بصورة قوية مشاكل عديدة، كان من ضمنها عمليات النهب والبسط على الأراضي التي ازدهرت بعد حرب 94 في الجنوب.
وإذ كان الرهان على الحلول الأمنية غالباً، أطلقت السلطة سياسة رديفة لطالما استخدمتها في الشمال، لتحقق هدفاً وحيداً: امتصاص ردود الأفعال واللعب على الوقت.
كادت هذه الوسيلة أن تنجح في الجنوب لولا “الإخلاص” العميق الذي التزمته صنعاء لمزاجها في إدارة الأمور.
هناك ما لا يقل عن 4 لجان رئاسية وبرلمانية كلفت بالتصدي لبعض مشاكل الجنوب المتفاقمة.
وقد ذاع صيت “لجنة باصرة –هلالـ” نسبة إلى رئيسها وزير التعليم العالي صالح باصرة، ونائبه عبدالقادر علي هلال المستقيل من وزارة الإدارة المحلية.
نهاية 2007 رفعت اللجنة المكونة من 4 وزراء والمكلفة بتشخيص مشكلة الأراضي ، تقريراً إلى رئيس الجمهورية، وقد خلص إلى تقديم كشف بأسماء 15 مسؤولاً مدنياً وعسكرياً قالت اللجنة إنهم متورطون بمعظم عمليات نهب الأراضي في المحافظات الجنوبية.
ذاع لاحقاً أن بعض المشمولين بالتقرير نهبوا مساحات تساوي ضعف مساحة دولة البحرين.
وقد قال رئيس اللجنة إن التقرير خيَّر الرئيس بين أمرين: إما أن يختار الشعب أو الفاسدين.
لم يكشف النقاب عن أسماء المتورطين، وقال باصرة حينها إن المسؤولية انتقلت إلى ذمة الرئيس، ونهاية العام الماضي كشف الوزير أن التقرير أحيل إلى مجلس الوزراء لمناقشته، وانتهى الأمر هناك. لقد خلقت هذه الطريقة في التعامل مع مشكلة كبيرة وخطيرة كهذه تذمرا واسعا، في أوساط الناس وشعروا بخيبة أمل، على نحو افقدهم الثقة بهذه السياسات.
بصورة مشابهة حدث ذات الأمر مع لجنة أخرى شكلها مجلس النواب، وكانت مكلفة بتقصي الحقائق بشأن مقتل 4 محتجين في ما يعرف بحادثة منطقة ردفان التي وقعت في 13 أكتوبر 2007.
وقد خلصت اللجنة في تقرير كان من أهم المحاولات لتشخيص الأزمة في الجنوب، إلى توصيات اشتملت على معالجات أبعد من الحادثة.
بخصوص الواقعة طالب التقرير بإحالة الجنود المتهمين بإرداء الناشطين، إلى المحاكمة، وحاول تلمس بعض الأسباب التي قادت إلى الوضع المتأزم، فطالب بإعادة كل الأراضي المنهوبة، وتلك التي صُرفت بأوامر من الحكومة لنافذين، بما فيها الأراضي ذات الملكية العامة، وسرعة محاكمة جميع من ثبت تورطهم في قضايا فساد ونهب من المسؤولين وأقاربهم.
يقول علي العمراني رئيس اللجنة، وهو نائب عن المؤتمر الشعبي العام، إن التقرير قرئ في المجلس، لكنه لم يناقش، وبالتالي لم ترسل التوصيات للحكومة.
وكان مصيره كما يقول عيدروس النقيب، مماثلاً “لتقارير حقوقية واجتماعية واقتصادية أخفاها المجلس رغم أنه هو من كلف اللجان بالنزول والتقصي”.
لدى العمراني تفسير لهذا التجاهل يفترض حسن النية، فهو يظن أن السلطة “اعتمدت على وسائل وآليات أخرى لمعالجة مشاكل المتقاعدين، مفترضة أن ذلك سيحل الأزمة”.
يضيف: ترافق نزول لجنتنا مع وجود فخامة الرئيس هناك، وقيامه بمعالجات كبيرة في هذا الجانب.
مع ذلك، فهو يعتقد أن “عدم الاهتمام بنتائج توصيات اللجان، خصوصاً لجنة باصرة ولجنتنا”، كان مشكلة بحد ذاته.
وبرغم اجهاض كل محاولات اللجان لحلحلة بعض المشاكل، فقد استمرت سياسة ” تشكيل اللجان ” تزدهر دون اكتراث للسمعة حديثة العهد التي حصدتها في نفس الساحة .
ففي منتصف يناير الماضي، أُعلن عن تشكيل لجنتين؛ الأولى “لمعالجة ما تبقى من ملف الأراضي في محافظات عدن ولحج وأبين”، وأخرى لملف الضالع ذات صلة بمشاكل المتقاعدين.
في 18 أبريل الفائت، أقرت لجنة الأراضي التي يرأسها د. يحيى الشعيبي وزير الخدمة المدنية، جملة من الإجراءات بخصوص مشكلة الأراضي في منطقة حرم الحوض المائي بمحافظة لحج. وكان أهم ما قررته اللجنة إلغاء أي تصرفات في أراضي المنطقة، واستثنى “التصرفات القانونية”، في حين كلف هيئة الأراضي وعقارات الدولة ومؤسسة المياه بـ”حصر حالات الاعتداء على حرم المياه “.
حدث ذلك بينما كان مشائخ وملاك أراضي مديرية تبن بمحافظة لحج سلموا للتو مذكرة لـ”الشعيبي”، أكدوا فيها أن “هيئة الأراضي بالمحافظة” تعتبر طرفاً أساسياً وخصماً في النزاع القائم مع الملاك الشرعيين، بحسب الشكوى.
لم تعد هذه السياسة على الأرجح تحظى بالمصداقية في الجنوب، والمؤكد أنها عاجزة عن إحداث أي شكل من التهدئة. في الواقع، هذه السياسة مثالية لتضييع المزيد من الوقت والفرص.
لقد تركت الساحة الجنوبية للتداعيات طيلة 3 أعوام، فشهدت تحولات عاصفة، على نحو يهدد بتفكك البلد المتصدع.
والآن تعاود السلطة مجدداً النظر للمشكلة من زاوية مناوراتها القديمة، كما لو كان هناك متسع من الوقت.
فهل ثمة جدوى حقيقية خلف هذا الماراثون الطويل من اللجان؟
يقول العمراني: إذا كانت اللجان التي شكلت مؤخراً ستأتي بتوصيات مطابقة للجان السابقة، فلا فائدة منها، وإن كانت أقل فإن الأمر محزن.
لم تعد القضية مشكلة أرض منهوبة، فقد أصبحت قضية سياسية بامتياز كما يفضل عيدروس النقيب وصفها. هذا ما استقرت عليه الأطراف الفاعلة في الميدان وما يتكرس واقعا بصورة غير مسبوقة.  أن ذلك لا يعني سوى أن الوسيلة الوحيدة لتدارك الوقت :  “الحوار مع قيادة الحراكـ”، وهذا ما يعتقد العمراني أن على اللجان أن توصي به.
لكن من قال إن المشكلة هي في التوصيات؟