الولاء الوطني والجنون بالجملة

الولاء الوطني والجنون بالجملة

* د. سامي أمين عطا
يستهل مارك أنطوني خطبة التأبين في مسرحية شكسبير “يوليوس قيصر” بقوله للحشد “جئتُ لا لأمتدح قيصر، بل لأدفنه”. واقتداءً بهذه الحكمة أريد أن أفتتح مقالتي بالقول: جئتُ لا لأمتدح الوحدة القائمة أو أدفنها حية أو ميتة، بل لأنقُدها. لأن الذين حاولوا الدفاع عنها لم يقدموا سوى جمل متصلبة وعبارات جوفاء وصيغ متخشبة حد الإملال.
ينبغي الاعتراف أولاً قبل كل شيء، أن الوحدة فعل سياسي، يسعى إليها الإنسان من أجل تحقيق مصالحه، وليست صنماً أو شعاراً مقدساً أو آيةً ترتل بغية الحصول على غفران الله. إنها لفظ سياسي له استحقاقات تحكم عليه بالبقاء أو الزوال. إنها عقد سياسي اجتماعي قام على الرضا والاقتناع. كل إكراه في العمل السياسي يفضي إلى رفض ومقاومة بالتأكيد. لقد اتفقت السلطتان على مشروع إقامة الوحدة. جرى نسف هذه المشروع بالحرب وأجهض في 7/7/94. غير أن الاعتراف سيد الأدلة في فقه القانون؛ فاعتراف الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر بنية الغدر المبيّتة أفصحت عنه مذكراته، وهذا الاعتراف ينسفها من أساسها. إنه فعل سياسي ينم عن جنون بالجملة والحكمة غائبة، لأن كل فعل في السياسة يقوم على الجنون يجازى بفعل من مثله.
لا يتصلب عود أية وحدة، مهما كانت هذه الوحدة؛ بمحاولات البرهنة على الهوية المشتركة، لأن الهوية موضوع ملتبس؛ فلا توجد هويّة قارّة. الهويّة لا تكون ركيزة الوحدة. إن ركيزة أية وحدة، كما يعلمنا التاريخ قديمه وحديثه، تنبني على المصلحة. وكل الوحدات التي تأسست على وهم الهوية تؤول إلى الفشل، أو تفقد بريقها ولو بعد حين. لقد حاولت بلدان عديدة أن تؤسس حال وحدتها، هويّة مشتركة جديدة بالاعتماد على الجغرافية، ولنا بالاتحاد السوفيتي السابق وتشيكوسلوفاكيا خير مثالين، لكنها وحدات فشلت، لأن عامل المصلحة مع الوقت، اختل لحساب طرف دوناً عن الآخر. لذا فإن الوحدة التي لا تتسيّج بدستور وقوانين تحافظ على المواطنة المتساوية -لا المواطنة السوّية كما يسوقها أحد الأحزاب ويرفعها شعاراً- وحقوق الإنسان، أو أنها لا تحمي مصالح الناس الذين ارتضوها، ليست وحدة، إنما ينبغي أن نسميها باسمها إلحاق وضم واستبداد؛ فلا داعي للعب بالألفاظ والتحايل على الجمل والعبارات.
الهويّة شعور وانتماء تحققه المصلحة، ليست الهويّة تربة أو صخوراً؛ فلا يكفي لكي تأخذ هويّة ما، أن تحصل على شهادة ميلاد أو وثيقة -أياً كانت تلك الوثيقة- أو أن تحصل على وظيفة أو عمل، هذه الأمور كلها لا تحدد انتماءك أو هويتك أو ولاءك.
الأزمنة التي يعاني منها مجتمع ما، إنهاك سياسي وتراجع وانهيار في الرؤى والطموحات تقفز إلى سطحه تصورات ورؤى تضع العربة قبل الحصان. لقد كتب صمويل كولريدج إلى صديقه وليم ووردزورث قبل أكثر من مائتي عام، في 1799، يقترح عليه النهوض ومقاومة حال التبرم والنزعة السلبية السائدة “أريد منك أن تكتب قصيدة من الشعر المرسل موجهة لهؤلاء الذين تخلوا، نتيجة الإخفاق الكامل للثورة الفرنسية، عن أي أمل في مستقبل أفضل للإنسانية، وغرقوا تماما في أنانية أبيقورية، يخفونها تحت أقنعة العناوين الناعمة للترابط الأسري، واحتقار الفلسفات المثالية والحالمة”. وغاب عنه أن حال التبرم والنكوص لا تحتاج إلى قصائد أو مواعظ أو خطب تلهب المشاعر وتستنهض الهمم، بل يحتاج إلى حلول واقعية وإجراءات وسياسات تحسن من مستوى معيشة الناس وتشعرهم بأن هناك أملاً في المستقبل.
وإذا كان التاريخ كما قال ماركس “يعيد نفسه مرتين، مرةً بشكل مأساة وأخرى بشكل ملهاة”، فإن في واقعنا تجتمع المأساة والملهاة معاً، حيث تجد في زمن إنهاكنا السياسي هذا والتراجع الذي نعيشه مَن ينبري لكي يفتش في ضمائرنا ويشخص أقوالنا؛ كأنها تعاني نقص فيتامين الولاء الوطني أو أنها مُفورسَة (أي مصابة بفيروس)، ويصيح كما صاح أرخميدس “وجدتها وجدتها”. إنها تتطلب حملة تلقيح شامل ضد هذا النقص. من خلال وضع برامج محاضرات ومواعظ وخطب يدحضها الواقع. بينما الشواهد تقول إن هؤلاء الناصحين عينهم على “ذهب المعز”، تجدهم دائماً يتكاثرون عند حواف البرك والمستنقعات الآسنة للمال، يبحثون ما يبرر لهم الحصول على الميزانيات. إنهم خبراء ويعرفون من أين تؤكل الكتف. لقد أضحت كل معضلاتنا لا تخلو من عباقرة للتكسب والاستثمار، يستثمرون أوجاعنا وآلامنا ومآسينا ويشحذون بأسمائنا.
الولاء الوطني ليس مرضاً سريرياً أو ميكروباً أو بكتيريا لا تُرى إلاّ بالمجاهر يا هؤلاء، تتطلب لقاحاً أو مصلاً. الولاء الوطني أزمة اجتماعية يمكن رؤيتها بالعين المجردة؛ فهو ناتجٌ عن سياساتكم الغبية والفاشلة. الولاء الوطني ليس إحساساً تحت التطلب نستدعيه متى شئنا ويذهب عنا متى شاء. الولاء الوطني إحساس يأتيك عندما تشعر أن هناك وطناً يتسع للجميع وتجد مصلحتك فيه، وطناً يحقق لك مواطنة متساوية وفرصاً متساوية. لا وطناً يعاملك كـ”ابن الشغالة”، أو هناك مَن يعاملك بدونية، له كل شيء ولك أجرٌ في الآخرة. الولاء الوطني ليس قصيدة شعر ولا أغنية ترفع من شأنه وتقويه. كما أنه ليس خطباً رنانةً، ولا تعضده المهرجانات وتقويه. إنه غير ذلك كله. لقد قال الشاعر والناقد الأمريكي ماثيو أرنولد في مقالة له عن الديمقراطية: “هل يمكن لأحد أن ينكر أن العيش في مجتمع من الأنداد المتساوين يميل بالإنسان -على وجه العموم- لأن ترتفع معنوياته، وأن تعمل إمكاناته بيسر وفاعلية؟ وهل يمكن لأحد أن ينكر أنه لو عاش في مجتمع يجعله في إحساس دائم بامتياز الآخرين عليه، وبأنه بلا قيمة على الإطلاق، فإن من شأن هذا الإحساس -على وجه العموم كذلك- أن يجعله مكتئبا وعاجزا شبه مشلول؟”.
الولاء الوطني يكون ضعيفاً، عندما يرى المرء نخبه تحكمه، لا تفرق بين السيادة والتنازل عن الحقوق مقابل حفنة من المال لحسابها الخاص. حين يرى المواطن بأم عينيه هذه النخبة تبيع الوطن ومقدراته للشركات العابرة للقارات بأبخس الأثمان مقابل حق ابن علوان ويضحون بمستقبله ومستقبل أبنائه. الولاء الوطني يكون ضعيفاً، عندما يرى المواطن نخبة تسحق القانون والدستور وتسحق آدمية المواطن. الولاء الوطني يكون ضعيفاً، عندما يرى المرء حملة الفكر وأقلام الصحفيين لا تجرم وحسب، بل يتم معاملتهم كما عوملت به صحيفة الأيام والصحافيون هشام باشراحيل ونجلاه والمقالح وفؤاد راشد والسقليدي والأستاذ الجامعي الدكتور عبدالحكيم العاقل وآخرون. هذه بعض من فيض الولاء الوطني الضعيف.
لسنا نحن من يعاني ضعفاً في الولاء الوطني، بل أنتم من يعاني ضعفاً. تاجرتم بكل شيء؛ بالشرف والفضيلة والبؤس، فرختم صحفاً ترمي المحصنات (قضية الصحفية رحمة حجيرة مثلاً)، ولم نسمع من شيوخكم حتى كلمة عيب يا جماعة، هذا ليس من الدين، وهم الذين يرفعون دعاوى الحسبة والاحتساب كيفما اتفق، وها هو معاذ الأشهبي يعاني جورهم. وإذا كان هنالك ترمومتر يمكن به قياس الولاء الوطني؛ فولاؤكم الوطني يحتاجه أولاً.
أما إذا أردتم أن تعرفوا أسباب النزاع والفوضى التي نعيشها؛ فابحثوا عنها في الخبرات الإنسانية وعند المفكرين ذوي الاختصاص؛ فهناك فرق بين العلم والتهريج. ينقل إلينا الفكر السياسي والاجتماعي كثيراً من التوصيفات لأسباب النزاع، لعل أهمها توصيف هوبز وهيجل. هناك 3 أسباب رئيسية عند هوبز وهيجل: أولاً: المنافسة، ثانياً: عدم الثقة. ثالثاً: المجد.
إن حكم هوبز وهيجل لأسباب النزاع السابقة، تلخص أسباب النزاع في مجتمعنا، لأن مبدأ القوة لا مبدأ الحق يحكم علاقاتنا، وما يُحكم بالقوة يولد الغُبن والكراهية والحقد؛ فالفرد لا يحصل على مكانته بما يمتلكه من خصائص فردية ومواهب وإبداعات تضعه في الصدارة، بل عليه أن يبحث ويفتش جيناته عن كروموسوم يثبت نسله الرفيع وأصله عالي المقام يرجعه إلى تُبع أو كرب آل وتر. أن يثبت بالدليل والبرهان، الذي لا يأتيه الباطل من قبل أو من بعد، بأنه أصل وليس فرعاً. لذا تجد كثيراً من الموهوبين هامشيين، وغيرهم يمنحهم نسبهم وعرقهم وجهتهم كل أسباب العيش، حتى ولو كانوا محدودي الموهبة وقدراتهم ضئيلة أو انتحل نسباً وجد من يصدقه بهكذا “فيد”. لذا أضحت سيطرة بعض الناس على الثروة والاستئثار بها، جعلها مدعاة للتخريب وفتتت المجتمع. كما أن أدوات البطش والإكراه عندما تجتمع مع المال تؤسس لدولة شمولية واستبدادية لن يسلم منها حتى منظروها وأعوانها. ولنا عبرةٌ في النظم الشمولية عبر التاريخ. كل نظام شمولي عبارة عن “قطة تبتلع صغارها” أو قل “أسد يبتلع من في الغابة”.
إن اضطهاد الناس بعضهم لبعض، أفصح عن عدم شرعية. هذا الاضطهاد غير مبررٍ، لا عقلاً ولا شرعاً، والوقوف ضده واجب إنساني، لأنه سوف يحمل في أحشائه بذور صراع طويلٍ ومرير؛ فلا يمكن لإنسانٍ ما يضطهد إنسانا آخر، أن يكون حراً، وإنما يصنع أصفاده بنفسه. لا سبيل إلى خروجنا من هذه الدوامة والتعافي إلاّ سبيل الاعتراف بالمواطنة المتساوية ورفض سائر الامتيازات: امتيازات التفوق والاستعلاء والشعور بالنقاء؛ فعندما تسود مبادئ: المساواة في المواطنة، الشراكة في هذا الوطن، والعدالة في تقسيم خيراته؛ فإننا نكون خطونا أولى خطوات الألف ميل. وأن تتحدد قيمة الإنسان من خلال معيار البذل في العمل. عدا ذلك يعني التمزق والصراع والبقاء في التخلف ببساطة؛ نحن محكومون بالتعايش ولا نملك دونه خياراً.
لأجل ذلك؛ فإن التعايش لكي يتجسد يقتضي الحوار القائم على الصدق وسيلةً؛ فالحاجة إلى الحوار ضرورة، ودون ذلك ستسود ثقافة القسوة والقسوة المضادة والعنف والعنف المضاد والتعصب والتعصب المضاد؛ فالحوار تعارف وضرورة للتفاهم، لكنه حوار أنداد، حوار بين أفراد متكافئين في الأدوار وفي الجدارة الإنسانية، لا حوار السيد والعبد. إن الحوار ينبغي أن ينطلق من حقيقة التعايش وينتهي به؛ فلا حوار في ظل التناحر والإلغاء أو الإقصاء المتبادلين. ينبغي أن نسقط من أذهاننا كل الأشكال المزيفة الأخرى للحوار، القائمة على المداهنة وتحيُّن فرص الافتراس وتحقيق الغلبة. كما ينبغي أن نتجنب شكلاً آخر زائفاً من الحوار، يقوم على الترضيات الممهورة بالزيف وترحيل الأزمات إلى حين، أو حوار المداهنات أو المداعبات التي تمهد في نهاية الأمر إلى اغتصاب الطرف الأضعف؛ فلا يمكن للتعايش أن ينبثق إلاّ من أقرار مبدأ الحوار، إنه مبدأ أخلاقي إنساني ورباني قبل كل ذلك. ألم يحاور الله -رغم قدرته وجلاله- إبليس في بداية الخلق؟
من هنا، ينبغي على كل مهتم بمستقبل أساسه التعايش في هذا الوطن، أن يدرك أهمية الحوار والتعايش، أي ضرورة العيش المشترك الذي يعد مدخلا لنبذ ثقافة الكراهية والقسوة وتعزيز قيم الاعتراف بالآخر المختلف والتسامح. ألم يجسد الله تسامحا عظيما عندما حاور إبليس، فما أجدرنا أن نكون أباليس ويكون من علت قدرته …
الأجدر بكم أن تتلقفوا مبادرة إخواننا الجنوبيين وإشاعة جو من التسامح والتصالح يعم الوطن كله، بدلاً من نبش القبور، واستخدام الإعلام في إثارة النعرات ونبش الماضي، ونتفق على أن نغادر هذا الماضي الوسخ.
يكفي تاريخنا جنوناً بالجملة؛ فتعالوا إلى الحكمة ولو بالتجزئة.
sami_atta