الشريعة ليست عادلة (7)

الشريعة ليست عادلة (7)

* إلهام مانع
إذن.
كان حسن البنا يتابع التغييرات التي تصيب مجتمعه… خائفا.
يرى العالم كما يتمناه، كما يتصوره، ينهار، يتغير يتبدل.
ولأنه لا يريد لعالمه أن يتغير، لا يريد المرأة كما أرادها أتاتورك، سافرة مستقلة متحررة، ولا يريد الدولة كما نظمها أتاتورك، دولة حديثة تقوم على مفهوم المواطنة لا الدين، لكل هذا خرج علينا بفكر حزبه السياسي.
حزب الإخوان المسلمين.
شخص متدين يحاول أن يقف أمام زحف الحداثة، فقرر أن يواجهها بفكر جوهره بسيط، إن لم يكن ساذجاً.
وأكاد أجزم أنه لولا الخواء الفكري الذي عاشته مجتمعاتنا في نهاية الستينيات والسبعينيات بسبب قمع الدولة وبطشها، لما قُدِّر لهذا الفكر أن ينتشر كما نراه اليوم.
الجوهر كان بسيطاً: “علينا أن نطبق الشريعة في حياتنا”.
هذه الفكرة ابتكرها حزب الإخوان المسلمين.
أقول ابتكرها لأن حسن البنا حوَّلَ “مجموعة من القوانين” كانت تتطور مع الزمن إلى “فكرة مقدسة”، تطبيقها يجعلنا “أشخاصاً أفضلـ”، والمس بها يصبح “مساً بالإيمان ذاته”.
لاحظا أنه قبل ذلك لم يفكر أحد في “تطبيق الشريعة” كهدف أسمى للدولة.
كانت الدولة العثمانية ومصر وتونس (باعتبار أن مصر وتونس حازتا على تجربة راسخة في سيطرة الدولة المركزية) تطبقان هجينا من القوانين، بعضها مستمد من القوانين الرومانية والفرنسية والبريطانية، والبعض الآخر من الفقه الإسلامي، وكانت كلٌّ منها تطور فيها بما يتماشى مع الزمن والحاجة.
وهو أمر منطقي. فالقوانين إنما توجد كي تنظم بيئة وواقع الإنسان، ولذا يجب تطويرها وتغييرها بما يتماشي مع ذلك الواقع. ليست مسبوكة من الحجر الصلد، لا يمكن مسها. بل قواعد الهدف منها تنظيم حياتنا بما يتلاءم مع العصر الذي نعيش فيه.
الدولة العثمانية بدأت عملياً في علمنة قوانينها قبل انهيارها بعقود طويلة في ما عُرف بحركة التنظيمات الإصلاحية، ومصر مهدت لتطبيق المساواة بين أبنائها بغض النظر عن الدين بسبب القوانين العلمانية التي بدأت في تطبيقها مع حركة محمد علي باشا النهضوية، وباي تونس كان أول من أخرج دستوراً في منتصف القرن التاسع عشر؛ في 1861، قنن فيه مفهوم المواطنة والمساواة.

فكرة حسن البنا أرادت أن تتجاهل هذه الحقائق، وككل الأفكار الشعبوية ظلت بسيطة.
يقول في مذكرات الدعوة والداعية: “إن ما في المجتمع من فساد وشر وسوء، ناتج من تركنا لأحكام الإسلام، وإلى وجوب الدعوة إلى تصحيح هذا الوضع – وإلا كنا آثمين. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل التضحية فريضة وواجب. وإن الطريقة الفردية وحدها لا تكفي”.
الفساد والشر والسوء الذي عناه حسن البنا كان يتعلق بتغييرات اجتماعية تلحق بعالمه، المرأة تخرج إلى الحياة من شرنقة الحرملك، وتنزع عنها السواد، والأسر تتنزه في الحدائق، والمقاهي تفتح أبوابها للجمهور، والشباب يقبلون على السينما والموسيقى.
بكلمات أخرى، كل ما له علاقة بالمدنية والجمال والحياة كان مغضوباً عليه من قبل حسن البنا.
وفي الواقع، كان الرجل أميناً مع فكره، فالفكر الديني عندما يتطرف يكره الحياة والجمال والألوان، ويريدها سوداء، حالكة، مكفهرة، غاضبة، متجهمة.
هل نسيتم وجوه علمائنا السلفيين ونظرائهم في إيران؟
حسن البنا كان مقتنعاً أن ما يصفه بالفساد، وأصفهُ أنا ببهجة الحياة الحلوة، تجب مواجهته من خلال العودة إلى أحكام الأسلام.
كأن الناس حينها لم يكونوا مسلمين كفاية!
وفي الواقع كانوا مسلمين، وربما عايشوا روحانية لا نعرفها اليوم رغم هوجة التأسلم الشعبي الشرسة التي نشاهدها في كل أنحاء البلدان العربية، ونراها في مظاهر، مظاهر، مظاهر، لا تعني في الواقع شيئاً.
لكنه لم يكن يريدها روحانية.
المسألة بالنسبة له لا علاقة لها بالإيمان بالله من عدمه. كانت فكرة سياسية، يريد منها وحزبه الوصول إلى السلطة.
ما أراده هو وحزب الإخوان المسلمين من بعده هو دولة دينية، تستبد بالكهنوت، ولذلك كان طبيعياً أن يكمل عبارته أعلاه بالقول إن “الطريقة الفردية في الإيمان لا تكفي”. لا تكفي لأنه لا يتحدث عن إيمان بالله. ما يريده هو السلطة والحكم من خلال ما اعتبره هو أحكام الله.
لكنه في كل أحاديثه ورسائله ظل غامضاً عندما يتصل الأمر بما يعنيه بـ”أحكام الله” هذه.
يقول في مذكراته: “نحن مسلمون وكفى، ومنهاجنا منهاج رسول الله وكفى، وعقيدتنا متسمدة من كتاب الله وسنة رسوله وكفى”.
لم يستطع يوماً أن يعرّف لنا ما يعنيه بالشريعة.
هل هي كل الأحكام الفقهية التي تطورت عبر القرون الأربعة عشر الماضية؟ هل هي الأحكام الواردة في القرآن والسنة والإجماع والقياس؟ وإذا كان الأمر كذلك، فوفقاً لأي مذهب؟ هل هي سنية أم شيعية أم زيدية؟ هل تدخل فيها الأحكام الصوفية؟ وإذا كانت سنية فوفقاً لأية مدرسة فقهية؟ الحنبلي، الشافعي، الحنيفي، أم المالكي؟
لا.
حسن البنا لم يكن يعرف في الواقع عمّ يتحدث. فالرجل كما قلت لكما لم يكن متبحراً في علوم الدين ولا الدنيا. كان شاباً حاز على دبلوم تعليم متوسط. لكنه كان يؤمن بفكرته البسيطة، واستطاع أن يجمع حوله مريدين، مثله، يؤمنون بالأفكار البسيطة طالما ظلت عامة.
عامة.
إذا تمعنتما في فكر حسن البنا، وفكر الإخوان المسلمين تحديداً، ثم فكر الإسلام السياسي عموماً، ستلاحظان دوماً أن فكرهم يتحدث بصورة عامة، عامة، عامة.
عامة.
وهو عام عمداً. لأن العموم قادر على دغدغة العواطف الدينية. وقلت سابقاً وأكررها من جديد إن شعوبنا طيبة. تحب الله. وتصدق من يحدثها باسم الله. وتنسى دوماً أن من يحدثها يحدثها بلسانه، وأن الله لا علاقة له بطموح هؤلاء إلى السلطة.
فكرة حسن البنا كانت عامة: “منهاجنا منهاج رسول الله وكفى”.
من يجرؤ على الاعتراض على منهاج الرسول الكريم؟
لكن انظرا إلى الكيفية التي تم بها تحديد هذه الفكرة العامة في الواقع من خلال إجراءات وقواعد مفصلة، وسيتبدى لكما على الفور القيود الصارخة التي تفرضها أفكار حسن البنا العامة والإسلام السياسي على حياة الإنسان، حريته، وعلى مفهوم المساواة والعدالة.
تذكرا ما حدث في غزة بعد وصول حماس إلى السلطة. في البداية كان الناس متحمسين لوصول هذه الحركة بسبب شعاراتها البراقة وفساد حركة فتح. لكن عندما خلت الساحة لحماس في غزة وبدأت في فرض رؤيتها الدينية، أدرك الجميع مدى جبروت الحكم الديني، وكيف يزرع الخوف في قلوب الناس، ويخنق حريتهم.
غابت الألوان.
وعندما اختارت الحركة أن تحارب فكرة، انقضّت على عيد الحب.
أليس غريباً أن يخاف هذا الفكر من الحب إلى هذه الدرجة؟
لا. ليس غريباً.
فهو يدرك أنه والحب نقيضان.

حسن البنا اختصر كل التاريخ الغني الثري لقواعد الفقه الإسلامي في كلمة واحدة أسماها “شريعة”. ومن بعده حمل لواء الشعار كل الحركات الإسلامية وبعض الدول الإسلامية.
لكن الشريعة كما يراها وكما تطبقها كل الأنظمة الدينية الإسلامية اليوم، ليست عادلة.
الشريعة، أكرر، ليست عادلة.
أقولها بلا مواربة لأني على قناعة بأن الطريقة المباشرة في التعبير تصل بالمعنى إلى مبتغاه.
وأقولها بلا مواربة لأن طريقتنا غير المباشرة في التعبير والرقص حول الحقائق أوصلتنا إلى حالنا اليوم: هوس ديني لا يؤمن بالله، بل بالطقوس والشكليات.
وأقولها بلا مواربة لأنه حان الوقت أن نضع النقاط على الحروف: الدولة الدينية التي تطبق مفاهيم الشريعة على أفراد مجتمعها اليوم تنتهك حريات أفرادها، وتميز في معاملتها بين مواطنيها، وتقهر المرأة والأقليات الدينية فيها.
هذه الدولة ليست عادلة. ومنهاجها ليس عادلا.
الشريعة ليست عادلة لأنها تقدم مفهوماً دينياً لقواعد قانونية تعكس واقعها الاجتماعي الذي انبثقت منه، أي في الأغلب القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الدولة الإسلامية، لكنها اليوم لا تتماشى مع واقع القرن الحادي والعشرين.
ليس من العدالة اليوم أن نقطع يد السارق، وأن نلحق به عاهة مستديمة.
هذا العقاب يتماشى مع مجتمع القرن السابع الميلادي، لكنه بالتأكيد عقاب بشع اليوم.
وتماماً كما كففنا عن استخدام الجمال في تنقلاتنا وسفرياتنا بين عواصم الدول، ولجأنا إلى استخدام الطائرات ووسائل النقل الحديثة دون أن نجد غضاضة في ذلك، حري بنا أن نصل إلى قناعة أن عقاب السارق هو السجن، وأن الأفضل بعد ذلك إعادة تأهيله كي يتمكن من الاندماج في المجتمع كعضو نافع من جديد.
قطع يده سيلحق به عاهة مستديمة، لن تمكنه من العمل، وتحوله إلى عالة على المجتمع.
ولأن الأمر كذلك، فيجب ببساطة القول إنه ليس من المنطقي الدعوة إلى تطبيق مثل هذه العقوبات البدنية.
مثل هذه العقوبات عفا عليها الزمان. والكف عن تطبيقها ليس رديفا للكف عن الإيمان بالله تعالى.
في الواقع لا توجد علاقة بين الأمرين.
ألم نكف عن الحديث عن التسري بالجواري وتملك العبيد، رغم أن هذا الحديث موجود في القرآن نفسه؟ اليوم لن يجرؤ شخص، إذا تجاهلنا المهووسيين من السلفيين ممن يعيشون في القرون الوسطى، على الدعوة إلى تملك العبيد.
لا أرى ما يمنع من تبني قوانين وقواعد مدنية تنظم حياتنا بصورة تعكس مفاهيم اليوم للحقوق والحريات.

أكره أن يكون حديثي عاماً هو الآخر.
قلت لكما إن قواعد الشريعة المعمول بها اليوم، حسب رأيي، ليست عادلة.
وكي أوضح موقفي سأضرب لكما مثلاً.
في المقال القادم سأعقد لكما مقارنة بين قواعد الشريعة الخاصة بالمرأة في الأسرة، والقواعد المعمول بها في القانون السويسري للأحوال الشخصية، وهو القانون الذي عُدل في 1988 كي يتماشى مع اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة الأممية.
بعدها سأسألكما: أيهما أعدل؟
وإلى ذلك الحين، أسألكما التأني في تكفيري.