ظاهرة الاستيراد غير المشروع للأسمدة والمبيدات السامة والقاتلة إلى اليمن

ظاهرة الاستيراد غير المشروع للأسمدة والمبيدات السامة والقاتلة إلى اليمن

* د. حسين مثنى العاقل
ترجع أحداث الواقعة المشهودة إلى شهر مارس من عام 1996، أثناء مرحلة الدراسة الميدانية لرسالة الماجستير، والتي أجريت على الحوض الأدنى لوادي زبيد، وخلال فترة جمع المعلومات، والقيام بعمليات المسوحات التفصيلية لطبوغرافية الحوض العام لوادي زبيد بصورة عامة، ودلتا الحوض الفيضي والسهل الساحلي بصورة خاصة.
وحين شرعت بحصر المساحة الزراعية المعتمدة على قنوات الري التقليدي من المجرى الرئيسي، وتحديد نمط توزيعها ونظام تقسيمها، فقد تبين لي من عمليات التحليل وقياس قوام التربة الفيضية الخصبة، وقياس درجة حرارة الأعماق ودرجة المسامية ومعدل سرعة الارتشاح وحجم التركيب والتتابع الطبقي وغيرها من الشروط العلمية، الخاصة بأنواع الترب وتوزيعاتها، بأن هناك مساحة تقدر بحوالي 300 هكتار، تقع في قلب النطاق الأكثر خصوبة، والمتميز بكثافته الزراعية والإنتاجية من المحاصيل الغذائية والنقدية، قد تعرضت تربتها لظاهرة التصلب والتماسك الشديد، تحول لونها من الرمادي الداكن والبني، إلى اللون المائل للبياض والمماثل للون الصخور الجيرية، ملمسها لزج ومشابه للزوجة الحجر الصابوني، تحيط بتلك المساحة “الميتة” جرب واسعة تتبع مشتل التجارب الزراعية لإدارة مشروع وادي زبيد، والخاضع للإشراف المباشر للهيئة العامة لتطوير وديان تهامة، ومقرها الرئيسي مدينة الحديدة.
ومن خلال عملية الفحص لظاهرة تصلب التربة وموتها، تبين لي باعتراف إدارة المشروع أن السبب لحدوث تلك الظاهرة يرجع إلى استخدام نوع من السماد الكيميائي الذي تم استيراده بطريقة عشوائية عام 1995، وعادة حسب اعتراف إدارة المشروع، أن كثيراً من الأسمدة والمبيدات الحشرية السامة، يتم استيرادها بطرق غير قانونية، ولا تخضع لمعايير المواصفات العلمية والفنية والمختبرية، ولا تلتزم لضوابط شروط الاستيراد والتراخيص القانونية. ونتيجة هذه المصائب، فإن كارثة تصلب التربة ترتب عليها انحباس مسامية التربة وعدم قدرتها على امتصاص المياه والسماح لها بالتسرب إلى الأعماق، وذلك وفق الخصوصية الطبيعية المعروفة في النظام البيئي للحياة النباتية والزراعية، وبالتالي يبقى الماء راكداً على السطح يتعرض فقط لعملية التبخر بواسطة الرياح والإشعاع الشمسي.
والغريب أن الظاهرة لم تقتصر على موت التربة فحسب، وإنما موت الأشجار المثمرة وهي واقفة وفي أوج مرحلة الإنتاج، وفي أفضل فترات عمر النمو، مثل أشجار المانجو والليم الحامض والجوافة والبوباي وغيرها، فضلاً عن استحالة نمو بذور المحاصيل الزراعية والأعلاف الحيوانية.
بعد استخلاص حقائق الواقعة واستنتاج نتائجها الخطيرة والمؤسفة، وحصر المبررات والمزاعم التي استندت إليها حينذاك إدارة المشروع، ارتأيت أن أحمل فكرة النقاش وإثارة الموضوع المفاجئ بالنسبة لي إلى المدير العام للهيئة بالحديدة، على اعتبار أن الرجل لديه المبررات العلمية والموضوعية لمثل تلك الظاهرة، وخصوصاً بعد أن تأكدت من بعض المهندسين الزراعيين والعاملين والموظفين في إدارة مشروع وادي زبيد، أن الكارثة لم تزعج أو تثر قلق القائمين على المشروع الهام، الذي يعد من أكبر المشاريع التنموية في سهل تهامة، والذي يرجع تأسيسه إلى العام 1973، بدعم وتموين من مملكة هولندا، وكان أول مدير عام للمشروع الدكتور عبدالكريم الإرياني.
في مكتب المدير العام للهيئة بالحديدة، تمخض النقاش عن مبررات ضعيفة لم أقتنع بها، وكان حديث المدير العام غير مكترث بخطورة الكارثة، فقال مستعرضاً إن هذه الظاهرة لم تقتصر على تربة وادي زبيد، ولكنها موجودة أيضاً في معظم وديان سهل تهامة، وتحديداً وديان (مور، سردد، سهام، ورمع)، وأرجع سبب حدوثها إلى عملية التجارة المفتوحة والاستيراد الحر، والتهريب المكشوف والمباح لأصناف وأنواع لا حصر لها، تغرق بها الأسواق اليمنية. ثم استطرد قائلاً: نحن كهيئة عامة نتبع وزارة الزراعة، نسعى جاهدين ونحاول دون جدوى، محاربة هذه الظاهرة، ولكن لم نستطع، لأن منافذ البلاد البرية والبحرية والجوية لا تخضع للرقابة والسيطرة الحكومية، مما أتاح لكثير من الأسمدة والسموم المهربة تدخل اليمن بطرق غير قانونية. والدليل على ذلك كما قال: أن السوق يزخر بعلب وأكياس وقنائن لمثل تلك المحظورات العالمية لا توجد عليها الإرشادات الخاصة بطرق الاستخدام وكميته، ولا توضح الغرض منها، وفوائدها ومخاطرها، وشروط وموانع كيفية التعامل معها، بل وصل الأمر، أن العديد من تلك الأسمدة والمبيدات الحشرية، لا تحدد بلد المنشأ والتصنيع، ولا تعطي بيان سنة الإنتاج، وفترة الصلاحية وانتهائها، وبرغم كل هذه العيوب، يتزاحم تجار التهريب على منافسة إدخالها إلى اليمن، وهم أنفسهم يعلمون بجريمة الاتجار بها، ويتم تسويقها بكل همجية، وكأن الأمر لا يعني أحداً، ولا يتوقع من خطورة عواقبها على أنها ستحدث الخراب والدمار ليس للتربة اليمنية الغنية بخصوبتها البركانية والمعدنية، ولكنها ستلحق الموت والأمراض المعدية بالإنسان اليمني ومكونات حياته البيئية والحيوانية، وهناك شواهد ملموسة، فأنت كما قال: لم تشاهد سوى حالة واحدة من عشرات بل مئات الحالات التي نحصد نتائجها المأساوية.
ونظراً لتذمري من سطحية المبررات المطروحة من قبل المدير العام، فقد خاطبته بنوع من الحدة المصحوبة بمطالبته كجهة رسمية بسرعة التحرك واتخاذ الإجراءات الحاسمة والرادعة، وهي إجراءات ممكنة ومتاحة إذا وجد الحس والضمير الوطني، والحرص والشعور بالمسؤولية في حماية وصيانة الأرض اليمنية من ظاهرة الاستيراد العبثي، والمتاجرة غير الشريفة بالسموم القاتلة، وهذا الأمر لا يعفيكم من تهمة التواطؤ والقبول المبطن بتفشي هذه الجريمة.
الصدمة الموجعة والتهكم الاستفزازي
وبينما أنا متحمس في طرح بعض الحلول والمعالجات الممكن للهيئة تبنيها حسب قناعاتي العلمية، يدخل شخص فجأة إلى مكتب المدير العام بصورة تخلو تماماً من العرف والآداب، كان يبدو من ملامحه وهندامه المزاجي والمستهتر بالإدارة الحكومية، أنه موظف في الأرشيف أو مخازن الهيئة العامة. وبطريقة مستعجلة اقتحم النقاش ورمى بحزمة من الأوراق، التي تدل على أنها أوراق لبيانات جمركية مرفقة برسالة رسمية عليها شعار وترويسة الهيئة، ثم تقدم إلى المدير وراح يهمس في أذنه كلمات غير مفهومة بالنسبة لي، وعلى الفور وقع عليها المدير العام، ووضع عليها ختمه وختم الهيئة.
بعد مغادرة الرجل المكتب، رمقني المدير بنظرات ازدراء، ثم قاطعني بلغة تهكمية قائلاً: اسمع يا وطني ويا طليعي، هذا تاجر كبير يستورد بواخر بحالها من مختلف السلع والبضائع، أجاء يعرض عليَّ صفقة دسمة، حيث طلب مني التوقيع والموافقة بالسماح له بإدخال مواد مهمة، ومنها أسمدة ومبيدات، وعلى أنها بطلب من الهيئة العامة لتطوير تهامة، وهي الآن بالرصيف جاهزة للإدخال، فإذا لم أوقع أو أرفض حصتي من “الكميشن”، ستذهب إلى غيري في وزارة الزراعة أو مصلحة الضرائب أو المحافظ، وربما مدير قسم شرطة ميناء الحديدة، ويسهل له عملية الإدخال.
وهذا التعامل صار عملاً مألوفاً ومعتاداً بالنسبة لنا هنا، أما أنتم يا عزيزي الذين تربيتم على القيم الوطنية والطليعية، والقوانين الشمولية في عدن، وبقيتم تأكلون قيماً ومبادئ، فما تحدثت به (لا يشفع ولا يقنع). ولكي أثبت لك خطأ ما تحملونه من أفكار ثورية، فتعال لأريك شيئاً بسيطاً قد لا تصدق ما ستسمعه مني. وبحركة استفزازية تقدم نحوي وأمسك بيدي وقادني إلى نافذة المكتب، وعلى بعد 400 متر من واجهة مبنى الهيئة العامة، تنتصب عمارة ضخمة مكونة من ثمانية أدوار، ما زالت في مرحلة البناء (عظم). وبصوت تهكمي ساخر قال: هذه العمارة التي تراها أمامك هي حق واحد (عسكور) جندي بسيط ممن أتيحت لهم ليلة القدر وفرصة نهب الترسانة العسكرية التي كدستموها في قاعدة (العند العنيد)، باعها بالملايين، وبنى هذه العمارة، ويقال مثلها في صنعاء. وهذه هي النتيجة من حرصكم الوطني ومبادئكم الاشتراكية ومزايداتكم الأممية، التي ربتكم على النزاهة والأمانة، وعلى تشجيع وحماية الملكية العامة، فكانت الخاتمة لكم بأن قذفت بكم أحداث “النصر العظيم” إلى رصيف الإهمال والضياع.
فهل ممكن تقول لي، هل عندك مسكن مكون من غرفتين ودارة يا فصيح، أم أنك (شابع وقانع) بروح الشعارات الثورية الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟ أما نحن هذه حياتنا خذ وهات، الرزق يحب الخفية.
استمر في الهذيان بينما وجدت نفسي مذهولاً من صدمات الاستهتار، فحزمت أوراقي ولملمت مشاعري وحواسي المتناثرة، وانسحبت مثقلاً بأوجاع العبارات الشامتة، التي ما زال وقع ضجيجها ووخزات استفزازها تدمدم في ذاكرتي النقية من شوائب التلوث، ومصانة بحمد الله من أوساخ وقاذورات الفساد المستشري، فصارت اليمن بفضل شطارة الكسب غير المشروع وتجارة التهريب المحرمة، من أكبر الأسواق الغارقة بالسموم والمبيدات القاتلة، والتي تهدد حياة الشعب والأجيال القادمة، وتدمر تربة أرضنا الغالية.
* أستاذ مساعد -جامعة عدن
معتقل سياسي في السجن المركزي – صنعاء