خواطر ليست عابرة

خواطر ليست عابرة

* عبدالباري طاهر
امرأتان من زمن جميل: رضية إحسان الله صحفية مناضلة، امرأة متحررة وداعية حرية وحداثة، وتقدم. كانت واحدة من عدد قلائل من فتيات كسرن حاجز التابو المجتمعي المتخلف، وخرجن إلى ميادين المعرفة -الحياة- يدعون للنور، للحرية، للتفتح، للعدالة والمساواة.
رضية امرأة ذكية ومناضلة عنيدة وصلبة، تمردت على واقعها البليد والهمجي. طالبت بتعليم المرأة ومساواتها بأخيها وابنها الرجل، وحقها في المشاركة العامة في الحياة، بما فيها المشاركة في الحياة السياسية.
بدأت بالكتابة في الصحف والمشاركة في الأندية الأدبية والثقافية والسياسية، وانخرطت بشجاعة في تحدي الاستعمار والقيم البالية والعتيقة.
لم تكن وحدها، فإلى جانبها كوكبة من الفتيات المستنيرات والمنيرات: صافيناز خليفة من أوائل من أسست نادياً، وتعرضت للاعتقال، وتحدث الإدارة البريطانية الاستعمارية في عدن.
ساهمت المرأة في عدن في الخمسينيات والستينيات، في استثارة وإيقاظ الوعي القومي والحقوقي الإنساني. وشاركت بفاعلية في خلق وعي وطني مطلبي وحقوقي وسياسي معادٍ للرجعية والاستعمار.
وقد حملن راية الخروج على عزل المرأة، وإلغاء دورها في الحياة. كانت رضية وصافيناز من أوائل من كتب للصحافة، وعمل على تنظيم الاحتجاج المدني النسوي. وقدن المظاهرات ووزعن المنشورات، وتصدين للرجعية والاستعمار في مدينة عدن؛ عنوان الثورة الوطنية والكفاح الوطني الكبير والحداثة والتنوير.
لقد وفر النضال السلمي الديمقراطي والكفاح المطلبي والحقوقي والنقابي، أو مهد الأرض لنشأة الأحزاب، سواء التقليدية: رابطة أبناء الجنوب، وحزب الأحرار اليمنيين، ومفرادته: الجمعية اليمنية الكبرى، والاتحاد اليمني، أو الأحزاب الحديثة: القومية واليسار الماركسي.
وتكون البداية، كما تؤرخ لها المناضلة التقدمية رضية إحسان الله، إلى منتصف القرن العشرين، فقد برزت 3 جمعيات أساسية للمرأة في عدن. وأسهمت هذه الجمعيات النسائية بدور بارز في تاريخ الحركة النسائية اليمنية. وتم تأسيس نادي نساء عدن كمؤسسة أهلية في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، بعد أن حلت الحكومة البريطانية النادي البريطاني للنساء الذي أنشأته أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان يدير النادي مديرة إنجليزية قبل أن تسيطر عليه النساء العربيات. كما كانت زوجة الحاكم البريطاني رئيسة شرف لهذا النادي.
أما مجلس الإدارة فكان يضم 3 من نساء عدن من المتحدثات باللغة العربية. كما ضم المجلس عدداً من السيدات تمثل كل منهن جالية من الجاليات غير العربية التي تقيم في عدن. لكن تركيبة النادي تغيرت بتزايد عدد الشابات العدنيات المتعلمات من خريجات المدارس.
وفي أوائل خمسينيات القرن الماضي، انضم لهذا النادي فوج كبير من خريجي مدارس البنات في عدن والشيخ والتواهي، بوعي جديد وروح جديدة، مستمدة من الوعي الوطني في الداخل والوعي القومي في الخارج. وبدأ عنصر النقد وعدم الرضا على القيادة الإنجليزية المسيطرة.
لم تعد كافية دروس اللغات والرياضة والرحلات، وغير ذلك من النشاط الاجتماعي والثقافي، وتاقت النفوس إلى المزيد من الجدية كالمحاضرات والاحتفالات بالمناسبات الدينية الإسلامية، ووجود مميز للمرأة العربية في عدن عن باقي نساء الجاليات الأجنبية.
(“التحديث في اليمن”، د. أحمد القصير، نقلاً عن رضية إحسان الله: “عدن الخالدة ميناء عالمي حر”، ط/ مؤسسة دار الهلال القاهرة، 1995، ص154).
وبشير الباحث المهم الدكتور أحمد القصير في كتابه “التحديث في اليمن والتداخل بين الدولة والقبيلة”، إلى “أنه قد تم بالفعل تعريب النادي بانتخاب رئيسة له من نساء عدن العربيات هي السيدة نبيهة حسن علي، والجدير بالذكر أن هذا النادي تحول في عام 1957 إلى جمعية المرأة العربية”. وقام بعملية التحويل عدد من الشابات يحملن توجهات جديدة، وفكراً جديداً حول تحرر المرأة. ومن هذه الشخصيات رضية إحسان الله وصافيناز خليفة.
وتشير تسمية الجمعية “بجمعية المرأة العربية” إلى دلالة عامة هدفها التأكيد على الانتماء القومي العربي، ويعبر ذلك عن توجه ساد بين التنظيمات السياسية اليمنية في ظل المد القومي الذي كان يمثله جمال عبدالناصر. والواقع أن ما أشار إليه الباحث صحيح، ولكن عدن أيضاً كانت تحت ظل الحماية البريطانية التي فتحت الباب أمام أبناء دول الكومنولث ليتبوأوا مكانة أهم من مكانة أبناء المدينة واليمن والعرب عموماً، فكان التركيز على عروبة عدن في مواجهة تغريبها ودمجها في دول الكومنولث.
يؤكد القصير: وكانت أشهر رئيسة لهذه الجمعية هي رضية إحسان الله صاحبة الدور البارز في الحركة النسائية في اليمن في النصف الثاني من خمسينيات وستينيات القرن العشرين.
ومن أعمالها تنظيم مظاهرات خلع الحجاب عام 59. كما أن نشاط تلك الجمعية لم يقتصر على قضايا المرأة، بل امتد إلى المجال الوطني. فمن خلال نشاط هذه الجمعية ظهرت معظم القيادات النسائية التي شاركت في كل من العمل الاجتماعي الأهلي، والعمل السياسي السري، خاصة العمل المرتبط بالكفاح المسلح لطرد البريطانيين. وكانت تلك العناصر النسائية التي ارتبطت بالحركة الوطنية الداعية إلى التحرر والاستقلال الوطني، ومن خلال نشاط هذه الجمعية التي قادت العمل النسائي في جنوب اليمن بعد تحقيق الاستقلال. كما أن هذه العناصر هي التي شكلت في ما بعد الاتحاد العام لنساء اليمن عام 68.
انتقلت رضية إحسان إلى الشمال مطلع السبعينيات، وكانت حينها كتلة نشاط، فهي مثقفة عضوية ومناضلة صادقة، فقد واصلت رسالتها الدعوية ضد طمس حقوق المرأة وغياب مساواتها بأخيها الرجل.
التحقت بصحيفة “الثورة”، فكتبت سلسلة مقالات وتحقيقات غاية في الأهمية، تعرضت بسببها للمضايقات والمنع من السفر أكثر من مرة.
منذ السبعينيات وضع نشاطها تحت المجهر، وجرت مضايقتها في الكتابة والندوات والمحاضرات، وتجميع الفتيات للنشاط العام.
عملنا معاً في صحيفة “الثورة”، وكانت شجاعة في مواجهتها وانتقادها لوضع الصحيفة حينها، وحجب مقالاتها الناقدة. كما تصدت للفساد والاستبداد في المراحل الباكرة.
اهتمت بوضع المرأة، ودعت إلى تشكيل جمعيات نسوية مستفيدة من تجربتها الريادية في عدن. كما اهتمت بالأزياء الشعبية والحفاظ على التراث.
اصطدمت في عدن بالإدارة البريطانية وسياساتها الاستعمارية. كما عانت بعد الاستقلال من سياسات المنتصر (الجبهة القومية) غير الديمقراطية، التي صادرت الحريات السياسية، وفرضت قيوداً على العمل النقابي والعمل الأهلي المدني، فوجدت رضية إحسان نفسها، شأنها شأن العشرات والمئات، خارج مدينة عدن التي احتضنت نشاط أبناء اليمن عموماً.
ولكنها في الشمال وجدت نفسها أمام نظام رجعي شديد التخلف والقمع.
لم تستسلم أو تهادن، وكانت من أوائل المتصدين للتيارات السلفية التي تعكزها النظام، فأعلنت الحرب ضد المرأة وحقوقها ومساواتها بأخيها الرجل، وخاضت معركة مجيدة للدفاع عن الحقوق، وتحديداً أثناء المناقشات حول الميثاق الوطني في مطلع الثمانينيات.
بقيت رضية وفية لمبادئها التي تبنتها ودعت إليها، وناضلت في سبيلها لأكثر من نصف قرن من الزمان.
وقد بذلت جهوداً مضنية وخارقة لتشجيع الفتاة في الشمال بعد الجنوب للتمرد على القيم والعادات والتقاليد الآتية من الجاهليتين الأولى والثانية لوأد حرية المرأة وحقها الكامل في المساواة.
وأثمرت جهودها في ظهور وبروز العديد من القيادات النسوية اللاتي يضطلعن اليوم بدور مهم في حياتنا العامة.
لقد ارتبطت بالعمل لعدة عقود، وعندما أنهكتها الأمراض وانزوت في منزلها كنت -يعلم الله- دائم السؤال عنها، وكنت أتلقى الرد أنها في عدن لا ترغب في الالتقاء بأحد.
هاتفتني قبل بضعة أيام لتطرح عليَّ قضية رفيقة دربها المناضلة الريادية صافيناز خليفة، ومناشدتها للأخ رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح مساعدتها لعلاج ابنتها.
كتبت موضوعاً عن رفيقة الدرب صافيناز التي رافقتها منذ اللبنات الأولى للحركة النسوية.
إن رضية إحسان الله، كرفيقتها صافيناز، من أوائل الداعين للحرية والاستقلال والديمقراطية والتحديث، وحقهما كبير كبير على الوطن كله في حياة آمنة ومستقرة، وكلاهما ومن تعولان بحاجة للرعاية والعلاج والحق في راتب تقاعدي مجزٍ.
بطاقة تضامن
منذ عدة شهور وصحيفة “حديث المدينة” في تعز تتعرض ورئيس تحريرها الأديب والصحفي، القاص والمسرحي فكري قاسم “متعدد المواهبـ”، لتنكيل متعمد وقاس.
وبدون أن نثير النعرات الطائفية أو النغمة المناطقية المقيتة والكريهة، فإن القائمين على الأمر، وتحديداً وزارة الإعلام، تضيق ذرعاً بالصحافة الأهلية والمستقلة في اليمن كلها، وبالأخص في عدن وتعز وحضرموت. وحتى يكون الأمر واضحاً أو تذكيراً به ليس إلا، فقد أوقفت صحيفة “المحرر” في حضرموت، وتعرض رئيس تحريرها الصحفي القدير صبري بن مخاشن للاعتداء والضرب ونهب ممتلكات الصحيفة، وعومل بن مخاش كإرهابي وكقاطع طريق.
علماً أن الإرهابيين في اليمن تجري “توعيتهم وهدايتهم والتحاور” معهم، أما قطاع الطرق فيكافؤون بالمال والسلاح. أما الصحفيون فلا مكان لهم غير الخطف والضرب والاعتقالات والمصادرة والمحاكمات الجائرة.
ومحنة “الأيام” القاسية ما تزال ماثلة، ولا يزال ابنا باشراحيل: هاني ومحمد رهن الاعتقال.
ذلك لا يعني أن الصحافة والصحفيين في صنعاء مرضي عنهم، فهم أيضاً مثل إخوانهم، عرضة دائماً للاختطاف والاعتقال والمصادرة والمحاكمات “غير المبررة”.
ولكن الملاحظ أن حساسية الوزارة وأجهزة القمع الأخرى أكثر ضيقاً بالرأي المخالف في المناطق الأخرى.