الحرب على الصحافة

الحرب على الصحافة

* عبدالباري طاهر
هل يستشعر الحكم ويدرك خطورة الحريات الصحفية أكثر من المعارضة السياسية؟ أم أنه يتعامل معها بكراهية وبزراية وانتقاص كطبيعة البدوي الذي يحتقر المعرفة ويزدري المهن والحرف، ولا يؤمن ولا يركن إلا إلى القوة وقانون الغاب! أم إن ما يجري في اليمن ضد الصحافة والصحفيين مزيج مركب وهجين من التفكيرين: مزيج مركب من الزراية والكراهية والخوف معاً؟
إن الجردة التي تقوم بها المنظمات والهيئات الدولية إزاء أوضاع الحريات الصحفية في اليمن، تصل تخوم الخطورة. فالحال مأساوي بكل المقياس، فمنذ حرب صيف 94، وهي الحرب الإجرامية التي أحاقت بالوحدة السلمية والديمقراطية، وألغت مشاركة الجنوب، ونجم عنها وترتب عليها التضييق على الحريات العامة والديمقراطية، وبالأخص “الحريات الصحفية”، فبدأ التنكيل بصحف المعارضة السياسية، وامتد القمع إلى الصحف الأهلية والمستقلة.
فما إن وضعت الحرب “جرائمها”، حتى بدأت المحاكمات والجرجرة إلى النيابات الصحفية. فعقب الحرب مباشرة جرى اختطاف الدكتور عبدالعزيز السقاف رئيس تحرير صحيفة “يمن تايمز”، والصحفي نعمان قائد سيف، والدكتور محمد المخلافي، وفقيد الصحافة عبدالله سعد محمد رئيس تحرير صحيفة “الشورى”، وأحمد عبدالله الصوفي رئيس معهد تنمية الديمقراطية، وعز الدين سعيد الأصبحي رئيس مركز المعلومات والتأهيل، جرى اختطافهم، والاعتداء عليهم والتحقيق مع بعضهم، ورميهم خارج المدينة. حينها كان هذا الاختطاف رسالة قاسية ومكشوفة توجه للصحفيين كإعلان للعودة إلى سيرة الـ”ج. ع. ي” وارثة قيم وتقاليد وأعراف القبيلة المعادية للحرية والديمقراطية.
القراءة المتابعة للأوضاع الصحفية منذ حرب 94، سوف تكشف الترابط الجدلي والعميق بين تدهور الأوضاع واشتداد الأزمة، وتفشي الفساد، والعجز الفاضح عن الإجابة على أسئلة غياب هيبة الدولة تحت صولة القبيلة المنتصرة والمتفلتة.
خلق الانتصار المدمر على الوحدة الطوعية والسلمية تحالفاً ثلاثياً بين القوة العسكرية المنتصرة الخارجة من رحم القبيلة، والدين المؤدلج والسياسي، والرأسمالية الطفيلية. ومثل هذا التحالف الجهنمي رأس التنين الخرافي في المينولوجيا.
فالتنين ذو الرؤوس المتعددة جائع لا يشبع “هل امتلأت فتقول هل من مزيد” الآية، فهو مسكون بجوع التاريخ كتوصيف صانع الحركة الوطنية أحمد محمد نعمان. والنهب العريان المسلح للجنوب، وإلغاء شراكة الناس ومعاناتهم خلف بذور الاحتجاج الجنوبي. بدأ الاحتجاج في صور مطالب حقوقية ضداً على إلغاء الوظيفة العامة في الجيش والأمن والحياة المدنية للمئات والآلاف من أبناء الجنوب، وليسوا كلهم اشتراكيين، واستطاعت “الأيام” وصحف حزبية وأهلية مستقلة الإشارة إلى طبيعة ما يجري في الجنوب. وإذا كان الخير يخص والبلاء يعم فإن النهابين لأراضي الجنوب وحقوق أبنائه راحت أذرعهم التنينية تمتد إلى الجسد اليمني كله. أعطى “الانتصار” بين مزدوجين للتنين شهوة مواصلة الابتلاع معززاً بزهو تعميد الوحدة بالدم. لتتكرر المأساة المهزلة في صعدة، فتفجرت حروب متصاعدة حتى اليوم.
ولم تكن الصحافة الحزبية والأهلية المستقلة بعيدة عما يجري، فرغم منعها من حضور أرض المعركة التي بدأت في مران وحيدان، وامتدت سريعاً إلى العديد من مديريات صعدة وعمران والجوف، ووصل لهبها إلى صنعاء، فقد راحت الصحف تكشف حجم جرائم الحرب وكارثها، وانفجر خلاف الفيد والغنائم بين فريق المنتصرين على إخوانهم، وبدأ القاعديون والسلفيون الجهاديون يتصرفون كمنتصرين، فرد عليهم بضربات وقائية محدودة “تأديب الابن العاق”. أما قيام القبيلة بالخطف وقطع الطريق والثأر وسط العاصمة والمدن، فكان الرد عليه بالمساومة والنزول على العرف القبلي وإرضاء الخاطفين بالمال والسلاح والتوظيف أحياناً، فهم في نهاية المطاف يطالبون بنصيبهم من فيد الانتصار! وحلفاء أساسيون.
كانت الصحافة والصحفيون “الشاهدة والشهود”، وهم إما أن يسكتوا ويزيفوا الحقائق مشيدين بالانتصارات، فينالهم بعض الفتات، وإما أن يشيروا إلى حقيقة كارثة ما يجري، فيدفعون ثمن صدقهم وفدائيتهم. والحقيقة أن الصحافة في الجانب المهم كانت عين الناس وضميرهم اليقظ في فضح “قميص الملكـ”، فنالهم العقاب.
كانت العلاقة ترابطاً عميقاً؛ يزداد التفلت والفساد والاستبداد، فيزداد الانتقاد وترتفع وتيرته، فيواجه الانتقاد بالمزيد من القمع والتنكيل. تتصرف السلطة بقدر من الاستهانة والاستخفاف بالحرية والرأي، وترى مخطئة أن السلاح الذي (حسم) الأمور، قادر على إسكات الأصوات المحتجة والناقدة. وبمقدار تزايد التضييق على الاحتجاجات السلمية، وتجريم العمل السياسي والحزبي، وقمع المعارضة وحرية الرأي والتعبير، بمقدار إفساح السبيل أمام العنف والإرهاب والتمردات المسلحة هنا وهناك. والعكس صحيح أيضاً، فتعزيز الحريات العامة والديمقراطية، وعدم فرض القيود على حرية الرأي والتعبير، وتوفير المناخات الآمنة والطبيعية للعمل السياسي الحر والديمقراطي، يقطع الطريق على العنف والإرهاب، أو يحاصره ويميته.
تعالج السلطة أو تغطي فشلها في تزايد الاحتجاجات المدنية وتغول الفساد والإرهاب والحروب المتناسلة كالأرانب، والعجز عن حل مشكلات المعيشة ومياه الشرب، بمزيد من قمع الحريات الصحفية. ومنذ حرب 94 جرت محاكمات جائرة وتنكيلية لعشرات الصحف والصحفيين. كما جرى الاعتداء بالخطف والضرب على أدباء كبار ومفكرين مهمين: د. أبو بكر السقاف الأستاذ الأكاديمي والمفكر العربي المهم، والفقيد الكبير زين محمد السقاف، وجمال عامر، ونبيل سبيع، واعتدي بالاختطاف والضرب على الصحفيين: محمد صالح الحاضري، وعبدالكريم الخيواني، وسالم أحمد العبد، وحسين اللسواس، وغيرهم. أما الاعتقال والتحقيقات والمحاكمات والأحكام، فحدث ولا حرج..
ورغم ذلك، فلم يفقد الصحافيون شجاعتهم، ولا الصحافة لياقتها، فتواصل القمع وتصاعدت وتيرة الانتقاد لتصل إلى أنف الحكم، وبلغت الذروة بإغلاق الصحف ومصادرتها: “الأيام”، “المصدر”، “الوسط”، “النداء”، “الديار”، “الوحدوي”، “الثوري”، “الأهالي”، “الناس”، “الطريق”، وكان نصيب “الأيام” وافراً حد إعلان الحرب واستهداف مبنى الصحيفة وسكن الناشرين هشام وتمام باشراحيل، واعتقال هشام ونجليه: هاني ومحمد كأسرى حرب. أما الصحفي القدير الأستاذ محمد محمد المقالح، فكان مرشحاً للتصفية أو الإعاقة على الأقل. ورغم خروج هشام والمقالح إلا أن سيف الإرهاب ما يزال مصلتاً على رقبتيهما بسبب التهم الكيدية.
هناك تقرير مهم أطلقته منظمة صحفيات بلا قيود، وهو التقرير الصحفي الخامس الذي تصدره الصحفية والناشطة الحقوقية الشجاعة توكل كرمان عن انتهاكات العام 2009، وهو تقرير يتسم بالاستقصاء والدقة والتحري والشمول. وقد ترصد التقرير من بدايات العام الماضي الانتهاكات التي بلغت 256 حالة انتهاك، وهو رقم قياسي يضع اليمن في مقدمة الدولة المنتهكة والمصادرة لحرية الرأي والتعبير، والمعادية للصحافة، وهو ما دفع الاتحاد الدولي للصحافة لتسميتها “بالوحشية”.
غابت النقابة الصحفية، وتراجع دورها. وللأسف لم يكن التضامن في الجسم الصحفي بالمستوى الذي شهدته أعوام ما بعد الحرب.
لا شك أن تراجع دور النقابة وغياب النقيب وأعضاء المجلس عن المحاكمات الكاثرة، وبالأخص التضامن مع المحكومين والمهددين بالإعدام: نائف حسان، نبيل سبيع، محمود طه، والمحكومون في قضايا رأي: حسين زيد بن يحيى (10 أعوام)، وأنيسة محمد علي عثمان (سنتين)، وفتحي أبو النصر، ويحاكم معاذ الأشهبي أو بالأحرى محكوم بالسجن بتهمة “التجديف” والإساءة للقرآن الكريم.
كما يحاكم الزملاء: فؤاد راشد، وإياد غانم، وأحمد الزبيري، وصلاح السقلدي، في غياب النقابة التي اقتصر دورها على إصدار البيانات وحضور الندوات التي تقيمها منظمات مدنية محتفية.
دور النقابة الصحفية يحضر ويغيب، أما دور اتحاد الأدباء والكتاب فغائب لولا بعض التحركات للأمينة العامة والأستاذ أحمد ناجي أحمد اللذين كانا لهما دور في التصدي للانتهاك الذي استهدف مؤخراً القاص والروائي وجدي الأهدل الذي منع من السفر إلى الخليج للمشاركة في فعالية ثقافية بذريعة أن اسمه مايزال في القائمة السوداء.
اشتداد القمع ضد الصحافة والصحفيين يضع الحكم موضع المساءلة والإدانة الدولية، ولكن تلجيم وحش العنف والحروب والإرهاب وتغول الفساد والاستبداد، لن يواجه إلا بإرادة يمنية شاملة يكون الصحفيون والمحامون والأدباء ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات طليعتها.